كتاب الرأي

كتاب الرأي

أزمة الشرق الأوسط: بين انسداد آفاق الديمقراطية واستدامة الهيمنة الخارجية

  أحمد شيخو ما زالت منطقة الشرق الأوسط ترزح تحت وطأة أزمات بنيوية مركبة وممتدة تتقاطع فيها الصراعات الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية الساعية إلى فرض الهيمنة ونهب المقدرات المادية والحضارية، كناتج حتمي لتفاعل حاد بين هشاشة المؤسسات وتغول السلطوية من جهة، ومخططات النهب الخارجي من جهة أخرى، لترزح الشعوب تحت ظروف قاسية تبرز فيها الإشكالية المركزية المتمثلة في أن أزمة المنطقة لا تكمن أبداً في غنى تنوعها الإثني والديني والثقافي باعتبار الشرق الأوسط موطناً تاريخياً للتعددية، بل تتمثل جذرياً في غياب نظام سياسي ديمقراطي قادر على إدارة هذا التنوع وإصرار السلطة على فرض هوية أحادية قسراً تحول الثراء الحضاري إلى بؤرة توتر دائم وتفتح الباب واسعاً أمام سلب المنطقة إرادتها السيادية، وهو ما يفرض السؤال الجوهري على الفكر السياسي الجاد حول سبب بقاء الشرق الأوسط ساحة مفتوحة للاضطراب، ومن يتحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية عن هذا الواقع، وكيف يمكن تجاوز هذه الحلقة المفرغة لبناء ذاتية وطنية وثقافية واقتصادية تصون كرامة الإنسان وتؤسس لجمهوريات ديمقراطية ونموذج جديد من التفاعل المتكافئ مع العالم، حيث يحيلنا التفكيك التحليلي لهذه الأزمة مباشرة إلى سببين رئيسيين يمثلان الجذر الهيكلي للمأزق المعاش وهما غياب الديمقراطية المجتمعية والتدخلات الخارجية التوسعية.   الثنائية المأزومة (غياب الديمقراطية والتدخل الخارجي(   1- انسداد آفاق الديمقراطية إن انسداد آفاق الديمقراطية في المنطقة لا يُقاس بالآليات الإجرائية والشكلية فحسب، بل باعتبارها ثقافة حياة ونمط إدارة مجتمعية وتفاعلاً إنسانياً وأخلاقياً يضمن التعددية والتنوع، في حين تعاني بنية معظم الأنظمة الشرق أوسطية من هيمنة “الذهنية الاحتكارية الأحادية” على الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي حيث تحولت الممارسة السياسية إلى معادلة صفرية إقصائية تُغيّب المخالف وتلغي الاختلاف الطبيعي الذي هو أصل الحياة المجتمعية، وتتجلى هذه الأزمة بوضوح في الإقصاء العنيف والتصهير القسري الذي يتعاطى مع التنوع الثقافي كتهديد أمني يستوجب القمع دافعاً المكونات المجتمعية الأصيلة إلى التخندق خلف هوياتها الأولية دفاعاً عن الوجود، بالتوازي مع الغياب التام للعقد الاجتماعي التشاركي وتحول الدولة إلى أداة احتكارية في يد فئة أو أيديولوجيا معينة باتت تُدار كغنيمة بدلاً من أن تكون فضاءً جامعاً للمواطنة المتساوية.   2- استدامة التدخل الخارجي وركائز الشرعية المستوردة   إن التدخلات الخارجية ليست مجرد أحداث طارئة، بل تمثل صيرورة تاريخية عميقة للمشاريع الإمبريالية والإقليمية التي أعادت تشكيل بنية المنطقة عبر أدوات الهندسة الاستعمارية الفوقية في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية وما تلاهما من ترتيبات جيوسياسية.   ومن هنا تنبع أزمة الشرعية السياسية المأزومة في الشرق الأوسط؛ حيث يستمد مفصلها الأساسي وجوده واستمراره من توازنات النظام العالمي ومصالحه الاستراتيجية العليا، لا من الشرعية الشعبية والوطنية الحقيقية والمنبعثة من إرادة المجتمعات.   وما الصناديق الانتخابية والديمقراطيات التمثيلية الشكلية التي تروج لها أنظمة الاستبداد إلا مسرحيات باهتة تهدف إلى مراكمة رأس المال الإعلامي المضلل، والتغطية الفاضحة على ارتهان الإرادة الوطنية، وتفريغ السيادة من مضمونها الحقيقي لصالح مراكز النفوذ الخارجي.     جذور الداء (القوموية العنصرية والدينوية السلطوية واليسار الكلاسيكي(  إن القراءة الفكرية العميقة للواقع تثبت أن الهيمنة الخارجية لم تكن لتترسخ وتدوم لولا وجود بيئة محلية مشبعة بأمراض أيديولوجية خبيثة تشكل المرتكزات الأساسية لتأطير المشاكل البنيوية، متمثلةً في القوموية العنصرية ومفهوم الدولة-الأمة القومية التي تقدس العرق وتمنح ذاتها حق الاستعلاء والتمايز عبر تخيير المكونات الأخرى بين الانصهار القسري أو سياسات الإبادة والتهميش كحال النماذج البعثية والطورانية التركياتية، بالتوازي مع الدينوية أو الدين السياسي بشقيه السني والشيعي واليهودية السياسية التي تمثل الوجه الآخر للقوموية بادعائها المرجعية الإلهية المطلقة لحكم الشعوب ومصادرة إرادتها وممارسة الوصاية الكاملة تحت عباءة الوكيل الحصري للحقيقة، فضلاً عن سقوط التيار اليساري الكلاسيكي الذي أخفق في قراءة المشهد الإقليمي باختزاله قضايا التحرر في الشعار الاقتصادي الضيق وتهميشه للحرية والخصوصيات الثقافية واصفاً إياها بالوعي الزائف وصولاً إلى سقوطه الأخلاقي في تبرير استبداد الأنظمة السلطوية تحت يافطة الممانعة، وكلها تيارات تتقاطع في نزعتها الاحتكارية الشديدة ونزوعها المتطرف نحو المركزية السلطوية وتركيز القرار في يد فئة قليلة باسم مقدسات متخيلة لشرعنة نهب المجتمع وسلب حريته، لتكمن المفارقة التاريخية في استناد هذه التيارات الثلاثة جميعاً -رغم شعارات السيادة المزيفة- في ديمومة وجودها إلى التقاطعات الوظيفية المباشرة مع القوى الخارجية.   التجليات المجتمعية للأزمة البنيوية  إن تداعيات هذا الانسداد السياسي والأيديولوجي تتجلى بوضوح صارخ ومؤلم في بنية المجتمع برمتها، متمثلةً في استعباد المرأة وتهميشها المركّب سلطوياً ومجتمعياً لتتحول إلى حلقة أضعف وضحية مستمرة للصراعات الحاكمة، بالتوازي مع تحول الأسرة تحت ضغوط الذهنية السلطوية والأزمات الاقتصادية إلى مؤسسة مفككة تعيد إنتاج القهر عوضاً عن أن تكون مساحة للحياة المشتركة القائمة على القيم الديمقراطية.   ولا ينفصل هذا الواقع عن الانهيار الاقتصادي المريع وغياب الأمن المجتمعي، حيث يعاني الشرق الأوسط من تفشي الفقر المدقع والجوع رغم ثرواته الهائلة، كنتيجة حتمية لسوء الإدارة واعتماد الأزمات كأدوات وظيفية لاستنزاف الشعوب ومنعها من امتلاك إرادتها، فضلاً عن تسليع الصحة والتجهيل الممنهج في التعليم الذي خضع إما للسلعنة النفعية الضيقة أو للتسييس العقائدي المدمر الذي أدى إلى هجرة الكفاءات وإبقاء الجسد المجتمعي غارقاً في الأمراض كمرآة لمرض النظام السياسي.   ويرافق ذلك تآكل خطير للأخلاق وسيادة القوانين الشكلية المفصلة على مقاس مصالح السلطة، وتفريغ الخطاب الديني والأخلاقي من جوهره الإنساني لتحويله إلى أداة لشرعنة الواقع الفاسد، وصولاً إلى التحجيم الممنهج وتدمير الفضاءات الأهلية ومنع المجتمع من بناء مؤسسات مدنية مستقلة، مما جرد الأفراد من أطر التنظيم الذاتي والحماية الجماعية وكرّس حالة من الهشاشة والاتكالية التي تقف سداً منيعاً أمام أي حراك إصلاحي أو رقابي يواجه الاستبداد والفساد.   المسارات البديلة وممكنات التحول (الجمهورية الديمقراطية(   إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب القطع الجذري والواعي مع كافة الذهنيات الأحادية المقيتة، والتأسيس لمسار جديد ومستدام يرتكز على الانتقال الشامل من عقيدة “الصهر والفرض الأحادي” إلى مفهوم الجمهورية الديمقراطية العميقة والإدارة التشاركية الحقيقية التي تتسع وتنبسط لجميع المكونات القومية والدينية والإثنية دون استثناء، معيداً بذلك بناء الدولة على أسس صلبة من العقد الاجتماعي الحر والمواطنة المتساوية التي تتيح إدارات ديمقراطية لامركزية تُشرك التجمعات والمكونات في صياغة قرارها ومصيرها بمنأى عن أي تغول مركزي.   يضاف إلى ذلك ضرورة إرساء دعائم التكامل الديمقراطي الإقليمي كبديل جذري للاستقطاب القومي والطائفي المفتت، بحيث يقوم هذا التكامل على التعاون والتضامن بين شعوب المنطقة ودولها حمايةً للمصالح المجتمعية والثروات الوطنية، وتحييداً للتدخلات الخارجية التي تستغل المنطقة، مع التأكيد الحاسم على أن تمكين المرأة ومشاركتها الفاعلة والقيادية هو شرط جوهرى وحجر الزاوية الذي لا غنى عنه في بناء أي جمهورية ديمقراطية حقيقية، إذ تستحيل الحرية المجتمعية برمتها دون تحقيق حرية المرأة ومساواتها الكاملة وتصديها للأنماط السلطوية والذكورية.   ولا يتأتى هذا التحول المنشود دون تأميم الخدمات الأساسية وتحرير قطاعي الصحة والتعليم من المنطق التجاري

اقرأ المزيد »
السياسة

بين البيان والقرار : رهان الأمين العام نبيل فهمي على “بيت العرب “

  استعرض السفير الدكتور علي صالح موسى القائم بأعمال مندوب اليمن الدائم لدى جامعة الدول العربية السابق في مقالته بعنوان : بين البيان والقرار : رهان الأمين العام نبيل فهمي على “بيت العرب “المهام والتحديات الماثلة امام السيد نبيل فهمي الأمين العام لجامعة الدول العربية ،واشار إلى أن مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، خلال اجتماعه يوم 22 يونيو (حزيران) 2026 في الأردن وبتفويضٍ من القادة العرب، تعيين الدبلوماسي المصري المخضرم نبيل فهمي أميناً عاماً للجامعة لمدة خمس سنوات اعتباراً من مطلع الشهرالماضي يوليو (تموز) 2026 ، خلفاً لأحمد أبو الغيط الذي قاد المنظمة عشر سنوات.   وبذلك يصبح فهمي الأمين العام التاسع منذ تأسيس الجامعة عام 1945، في توقيت وصفه فهمي بأنه “مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية” .   ولم يكن اختياره بالإجماع مجرد إجراء إداري، بل رسالة سياسية هدفها تدعيم التضامن العربي، كون التعيين جرى على المستوى الوزاري بتفويض من قمة تعذر التئامها في ظل ظروف المنطقة، فنال شرعية القمة دون انعقادها.   الجامعة العربية في ميزان الأرقام في ميزان الأرقام ، جامعة الدول العربية منظمة بالغة النشاط.   فعلى امتداد ثمانية عقود من العمل، صدرعن مجالسها وقممها ما يقارب ثلاثة عشر ألف قرار، و نحو 926 قرار على مستوى القمم الاعتيادية، و9249 قرارعلى مستوى وزراء الخارجية وحده، وما يفوق 2500 قرار في المجلس الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب 269 بيان .   وتضم الجامعة العربية شبكة مؤسسية لاكثر من عشرين منظمة واتحاد متخصص، وعشرات من اللجان الوزارية، وأمانة عامة موزعة على تسعة قطاعات تنفيذية.   غير أن هذا الزخم الكمّي يصطدم بسؤال مهم ومحيروهو : لماذا تتهم الجامعة بالعجز والغياب؟   لا تكمن المشكلة في ضعف الجامعة ، بل في طبيعة مخرجاتها.   فالقرار في الجامعة، بحكم قاعدة الإجماع المتوارثة منذ ميثاق 1945، ملزم لمن يقبله فقط وهو ما حول آلاف القرارات إلى نصوص أكثر منها أدوات تنفيذ.   فالجامعة في بنيتها منظمة حكومية – تنسيقية أداتها بيد الدول، لا كيان يلزم أعضاءه أو يعاقب المخالف، ولهذا فإن نشاطها يعكس توازنات النظام العربي وانقساماته أكثر مما يتجاوزها أو يصنع واقعاً جديداً.   وبهذا المعنى، لا يصحّ قياس فاعلية الجامعة بعدد ما تصدره من قرارات، بل بنسبة ما يتحول منها إلى التزام فعلي على الأرض، وهي النسبة التي ظلت متواضعة في الملفات السياسية والأمنية الكبرى.   حيوية عمل الاتحادات والمنظمات المتخصصة ومن المفارقات أن البعد “الوظيفي” للجامعة ظل أكثر حيوية من بعدها السياسي. فالمنظمات المتخصصة، من صندوق النقد العربي إلى “الألكسو” والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري ومنظمة العمل العربية والمنظمة العربية للتنمية الإدارية و”أكساد” و”عربسات”، حققت إنجازات ملموسة في التمويل والتعليم والنقل والاتصالات والزراعة، بينما بقي الأداء السياسي والأمني كما اشرنا هو الحلقة الأضعف.   وكأن الجامعة تنجح حيثما لا تتضارب المصالح السيادية ، وتتعثر حينما توجد ، وهي ملاحظة تفسر لماذا تختزل الجامعة في الأذهان بصورتها السياسية المتعثرة رغم رصيدها الوظيفي المتراكم.   خلف الواجهة السياسية للجامعة تمتد المنظومة الواسعة تلك وهي مصدر حيويتها الوظيفية. فمنذ تعديل المادة الثامنة من معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي عام 1977، اصبح المجلس الاقتصادي والاجتماعي المرجعية لمنظمات العمل العربي المشترك، تدور في فلكه اكثر من عشرين منظمة واتحاد متخصص منها ماتم ذكره سابقا وتعمل بوصفها بيوت خبرة.   وهي موزعة بين الكويت وأبوظبي والقاهرة وتونس ودمشق والرباط والرياض والخرطوم، حققت إنجازات ملموسة ومقدرة ثمانية عشر مجلس وزاري متخصص وإلى جانب هذه المنظمات والاتحادات ، يعمل نحو ثمانية عشر مجلساً وزاري متخصص، يضم كل منها جميع الدول الأعضاء ويجتمع سنوياً عبر مكتب تنفيذي وسكرتارية فنية في الأمانة العامة، وتتوزع على المجالات الاقتصادية (النقل والكهرباء والمياه والسياحة والبيئة) والاجتماعية (الصحة والشباب والسكان)، فضلاً عن مجالس العدل والداخلية والإعلام والأمن السيبراني المستحدث عام 2023 ومقره أمانته الفنية في الرياض .   وتكمل الصورةَ شبكة من اللجان الوزارية ذات الطابع السياسي التي تتولّى متابعة ملفات بعينها كمبادرة السلام العربية وملفات فلسطين وسوريا والسودان والسد الإثيوبي وكذلك اللجان الفنية الدائمة التي ترفع توصياتها إلى المجلس الوزاري تمهيداً لاعتمادها.   غير أن هذه المنظومة المترامية، على ثرائها، تظل بحاجة إلى تحديث في الحوكمة يربط نشاطها بنتائج ملموسة.   فكرة الإصلاح الحاضرة وعن فكرة الإصلاح فهي لم تكن غائبة يوما؛ فهي مسار مستمر تعود محاولاته إلى ماقبل تسعينيات القرن الماضي، وتجدد في مشروع قرار قمة الجزائر عام 2022 الذي أكد الأهمية القصوى للتطوير.   وهناك مقاربة للإصلاح توصي بمراجعة الميثاق ومنصب الأمين العام وأوجه الإنفاق، مع ترشيد نفقات البعثات الخارجية ، و مقترحات الانتقال من الإجماع إلى الأغلبية الملزِمة، وتعزيز صلاحيات الأمانة العامة، وإقرار دورية منتظمة للقمم وتداول منصب الأمين العام، وإنشاء مجلس أمن عربي    ولا يقتصر الإصلاح المنشود على البنية السياسية، بل يطال هذه الأجنحة الفنية أيضاً.   فثمة مقترحات متداولة داخل الأمانة العامة وفرق العمل لإعادة هيكلة اللجان الفنية ومعالجة الازدواج في اختصاصات المنظمات، وتغيير آلية عمل المجالس الوزارية المتخصصة وتوظيف الذكاء الاصطناعي في دعم القرار، وحسم مستقبل مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بين الدمج أو التعديل أو الإلغاء، وتطوير المجلس الاقتصادي والاجتماعي    وفي أولى رسائله، حدد فهمي مسارللمرحلة المقبلة تتمثل في تطوير آليات عمل المنظمة بما يواكب التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة، وتكثيف التشاور والتنسيق العربي لمواجهة الأزمات وتحويل التحديات إلى فرص.   ويرى مراقبون أن أولويته الأولى ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة بوصفها بيت للتوافق لا مجرد منصة ذات صفة بروتوكولية لإصدار البيانات وهنا يأتي التحدي الأصعب بإقناع الدول الأعضاء بأن المنظمة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات بصورة مؤسسية.       ويتوقع أن تتضمن أجندته اجتماعات أكثر انتظام لوزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، وتفعيل أدوات الإنذار المبكر، وتوظيف التكنولوجيا في دعم القرار، وربط الجامعة بقضايا التنمية والطاقة والأمن الغذائي والمائي، فضلاً عن دعوته إلى عدم حصر خيارات العرب في شريك واحد وتنويع الشراكات مع موسكو وبكين وأفريقيا للاستفادة من التوازنات الدولية.   ومن هنا يصبح التشاور المنتظم بين العواصم العربية، الذي يضعه فهمي في صدارة أولوياته، البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة؛ فمتى نجحت الجامعة في توفير منصة موثوقة لتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة، اصبح تطوير المنظمة نفسه أكثر قابلية للتحقيق.     تبقى جامعة الدول العربية، في المحصلة، صوت جماعي لا يستغنى عنه؛ يحفظ الحد الأدنى من فكرة البيت العربي ، ويمنح المواقف شرعية رمزية، وينسق تعاون مثمر قد يجعل منها قوة قادرة على فرض أمن جماعي أو سياسي خارجية موحدة.   وهنا يكمن التحدي في أن يحول بيت العرب من جامعة للدول العربية تعكس الانقسامات إلى أداة تسهم في تجاوزها.   الإصلاح الحقيقي لن يقاس بعدد القرارات الجديدة،

اقرأ المزيد »
كتاب الرأي

خطاب وزير خارجية بريطانيا إيدن: التأييد الذي اخطأ في التقدير 

  من مأدبة غداء في القاهرة إلى قصر سانت جيمس استعرض السفير الدكتور علي صالح موسى ، القائم بأعمال مندوب اليمن الدائم لدى جامعة الدول العربية السابق، أبرز التحركات العربية التي مهدت لقيام جامعة الدول العربية ، ويستمر في مقالته هذه تناول التطورات التي جرت ،حيث في الرابع عشر من يناير 1943، وبينما كانت الحرب العالمية الثانية تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، وضع رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد اللمسات الأخيرة على مذكرة حملت عنوان «استقلال العرب ووحدتهم»، وأرسلها إلى ريتشارد كيسي، وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط المقيم في القاهرة.   كانت المذكرة في كتيب بغلاف أزرق، فسميت باسم “الكتاب الأزرق” واهتمت بكومنولث عربي أولا، ثم الهلال الخصيب ، وبدأت القصة قبل ذلك بأربع سنوات.   ففي 20 يناير 1939، أقام نوري السعيد حفل غداء في القاهرة للوفود العربية المتوجهة إلى لندن للمشاركة في “مؤتمر المائدة المستديرة” ، الذي انعقد في السابع من فبراير من العام نفسه داخل قصر سانت جيمس لبحث القضية الفلسطينية، بحضور مندوبين من مصر والعراق والأردن والسعودية واليمن، إلى جانب المندوبين البريطانيين.   وقد رفض المندوبون العرب الجلوس مع ممثلي الوكالة اليهودية، وانتهى المؤتمر من دون أن يقترب خطوة واحدة من حل.   ومن هذا الفشل ،بنى نوري السعيد حجته أمام البريطانيين: الوحدة العربية ضرورة، وهي لا تتعارض مع تصريحات وزير الخارجية أنطوني إيدن، ولا تفوق قدرة لندن بعد أن انفردت بشؤون الشرق الأوسط إثر سقوط فرنسا.      في المقابل، تحتاج بعض الروايات المتداولة عن تلك المرحلة إلى مراجعة. فقد ذهب أحمد الشقيري إلى أن انضمام القوات العربية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين إلى الحلفاء في الحرب العالمية الأولى كان العانل الحاسم في هزيمة الدولة العثمانية، واكد أن المراجع الدولية مجمعة على ذلك من دون أن يدعم تأكيده إلى مرجع واحد.   وأما في ما يخص الحرب العالمية الثانية، فيروي الشقيري أن وزير الخارجية الألماني ريبنتروب ووزير الداخلية هيملر وجّها في الثاني من نوفمبر 1943 رسالتين إلى قادة عرب بمناسبة ذكرى وعد بلفور، أعلنا فيهما اعترافهما باستقلال العالم العربي ووحدته، وأن الخبر أشعل في الوطن العربي موجة عارمة من الابتهاج، حتى ارتفعت خطب الأئمة في المساجد بالدعاء لدول المحور بالنصر.     والحدث وقع بالفعل، لكن مضمونه كان مختلفًا. فنص برقية هيملر يتحدث عن أن الحركة الاشتراكية القومية رفعت منذ نشأتها راية الكفاح ضد اليهودية العالمية، وأنها لذلك تتابع عن كثب نضال العرب، لا سيما في فلسطين، ويوجه فيها التهنئة بذكرى وعد بلفور المشؤوم متمنيًا النصر. أي أنه لا ذكر صريح لأي اعتراف بوحدة العالم العربي أو استقلاله.   وكذلك لم توجَه البرقية إلى قادة عرب بصفة عامة، بل إلى المفتي أمين الحسيني تحديدًا. أما موجة الابتهاج في المساجد، فلا تسندها المصادر التاريخية الموثوقة إذ كانت ردود الفعل الشعبية العربية آنذاك متباينة ، بما يصعّب اختزالها في عبارة واحدة.     وفي مواجهة المساعي الألمانية لاستمالة العرب، كانت لندن قد تحركت بوقت مبكر. ففي 29 مايو 1941 ألقى أنطوني إيدن خطابًا أعلن فيه تأييد بلاده لقيام وحدة عربية، وتحدث ا عن “تقاليد طويلة من الصداقة” أثبتتها الأعمال لا الأقوال، وكرر عطف حكومة جلالته على أماني سوريا في الاستقلال.   بل ذهب أبعد من ذلك حين قال إن العالم العربي خطا خطوات عظيمة منذ تسوية ما بعد الحرب الأولى، وإن الكثير من مفكري العرب يرجون لشعوبهم قدر من الوحدة أكبر مما هم عليه، وإن من الطبيعي تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية والسياسية بين البلاد العربية ووعد بتأييد بريطاني تام لأي خطة تحظى بموافقة عامة.   وأرادت بريطانيا ومعها فرنسا تفادي مزيد من الاضطرابات في مستعمراتهما العربية أثناء الحرب، فكان الوعد بالاستقلال بعد انتهائها، كما ورأت بريطانيا أن قيام شكل مؤسسي ينتظم الدول العربية المستقلة يخدم مصالحها ويؤدي لحل “قضية اليهود في فلسطين” إذ إن تأسيس دولة يهودية لا يمكن أن يمر إلا عبر إطار عربي عام وعلى توحيد الموقف العربي وتنسيقه في هذا الشأن.   وهكذا كانت فكرة الوحدة العربية، في لحظة تأسيسها الأولى، هدف لمصلحة القوة الاستعمارية ، وهو مالم يكن كذلك ، وكما تشهد به التطورات والاحداث .

اقرأ المزيد »
كتاب الرأي

حين يصبح الوعي مسؤولية

  بقلم الكاتبة : ـ السالمة الروفي ـ المغرب   الوعي ليس أن نتحدث عن الأشياء، أو أن نمتلك الكثير من المعلومات، ونخوض في غمار الموضوعات دون معرفة عمقها والغاية منها. فالوعي أن نعرف كيف نتصرف حين تواجهنا هذه الأمور في الحياة، وأن نقف عندها متأملين أبعادها وغاياتها. فالإنسان الواعي لا تُقاس قيمته بما يحفظه من كلمات، وإنما بما ينعكس من معرفته ووعيه على سلوكه، وما يتركه من أثر طيب فيمن حوله.     وفي كثير من الأحيان، قد يعرف الإنسان الصواب، لكنه لا يختاره، بل يحاول أن يؤكد فكرته ويجعل منها الفكرة الأساسية. وقد يدرك الخطأ، لكنه يُصرّ عليه ويُصمّم على تأكيده. وهنا يتضح لنا الفرق بين المعرفة والوعي؛ فالمعرفة تمنحنا الإجابة بشكل واضح ومفهوم، أما الوعي فيمنحنا القدرة على اختيار الموقف الصحيح وتحمل نتائجه.     فالوعي الحقيقي يبدأ من الإنسان نفسه، لا من غيره، ومن داخله. فعندما يتوقف عن البحث المستمر عن عيوب الآخرين وانتقاص قيمتهم، وينظر إلى نفسه بمرآة الصدق، ويسأل نفسه: هل كنت متصالحًا مع ذاتي؟ وهل كنت عادلًا مع الآخرين؟ هل آذيت أحدًا بكلمة؟ وهل ظلمت إنسانًا عندما اتخذت حكمًا متسرعًا؟ وهل اعترفت بخطئي عندما أخطأت؟     فالوعي ليس أن نرى عيوب الناس بوضوح، بل أن نعجز عن رؤية عيوبنا. وما يميز عصرنا الحالي أن المعلومة أصبحت تصل إلينا في لحظات، وأصبحت مسؤولية الإنسان أكبر؛ فليس كل ما نقرؤه حقيقة، وليس كل ما نسمعه يستحق أن ننطق به، وليس كل من نختلف معه يصبح عدوًا.     لذلك، يجب أن تكون مسؤوليتنا أن نتوقف لبرهة قبل أن ننشر ما يصل إلينا أو ما نريد نشره، وأن نفكر مرارًا قبل أن نصدر الأحكام، وأن نتحرى الصدق في كل ما نتلقاه.     ومن هنا، تصبح الكلمة من أكبر المسؤوليات التي يجب أن يحملها الإنسان على عاتقه؛ فهي جسر للتواصل بين القلوب، وقد تكون سهمًا يخترق القلب، ويترك جرحًا لا يبرأ، ويبقى أثره طويلًا في ذاكرة الإنسان. لذلك، يجعلنا الوعي أكثر حذرًا وانتباهًا لما نقول، وأكثر إدراكًا لأثر كلماتنا، وحرصًا على ألّا نجعل من ألسنتنا وسيلةً للأذى.     فالوعي من دون احترام الاختلاف لا يكتمل أبدًا. وليس من الضروري أن نتشابه حتى نحترم بعضنا، أو أن نتفق في كل شيء حتى نحافظ على إنسانيتنا. فالإنسان الواعي يستطيع أن يختلف ويناقش ويرفض فكرةً دون أن يهين صاحبها أو يسيء إليه أو يجرحه.     وعندما ينتقل الوعي من الفرد إلى الأسرة، يصبح أسلوب حياة، ويمتد إلى المدرسة والجامعة ومكان العمل والمجتمع.     وحينها يتحول إلى قوة قادرة على صناعة التغيير. فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة الشعارات، وإنما تتقدم بأفراد يدركون أن لكل موقف أثرًا، وأن الكلمة مسؤولية، وأن لكل قرار نتيجة.     أما الوعي، فلا يعني أن الإنسان أصبح كاملًا، بل إن الوعي الحقيقي يجعله يعترف بنقصه، ويكون مستعدًا للتعلّم وتصحيح أخطائه، ويجعله أكثر تواضعًا أمام تجاربه وأخطائه.     وأجمل ما في الوعي أننا لا نحتاج إلى أناس يعرفون كل شيء، بل إلى إنسان يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يعتذر، ومتى يراجع نفسه إذا أخطأ، ويمتلك الشجاعة ليقول: «أخطأت».     فالوعي في عمقه لا يعني امتلاك الحقيقة، بل السعي إليها بصدق. وليس إصدار الأحكام على الآخرين، بل محاسبة النفس قبلهم. فحين يصبح الوعي مسؤولية، تتغير أشياء كثيرة في حياتنا؛ تصبح كلماتنا أكثر حكمة واتزانًا، وقراراتنا أكثر رشدًا، وعلاقاتنا أكثر إنسانية، وحتى اختلافنا تتغير نظرتنا إليه، فتصبح أكثر رحابة.     يجب أن نكون أكثر وعيًا بما نقول ونفعل، وأكثر إدراكًا للأثر الذي نتركه خلفنا؛ فكل إنسان يترك أثرًا. وهنا يبقى السؤال: ما نوع الأثر الذي نريد أن نتركه؟ وهل سنترك أثرًا يستحق أن يبقى؟

اقرأ المزيد »
كتاب الرأي

المرأه.. أساس كل مجتمع راقي وناضج

بقلم الكاتبة السالمة الروفي.. المغرب    عندما نتحدث عن المرأة فنحن لا نتحدث عنها ككائن فقط، بل على أنها محرك أساسي للمجتمع، وفاعل قوي داخل المنظومة الأسرية، فالحياة من دونها تتوقف ولا يكون لها طعم، والله خصها بالعاطفة والضعف، وهو الأمر ذاته الذي تكمن فيه قوتها، وعلى سبيل المثال نذكر السيدة خديجة رضي الله عنها، فقد كانت المساندة والمعينة للرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة، الشيء الذي يثبت أن المرأة هي الركيزة الأساسية في الحياة، من دونها تنهار البيوت وتذوب الأحلام وتنكسر الروح بسيوف الأيام، و تتبعثر أوراق الحياة، وينزف الفؤاد أنهارا ووديانا من الألم.   و على مر العصور لم تفشل المرأة في أن تثبت أنها المجتمع كله، واللبنة الأساس للتطور والازدهار، و ذلك من خلال نجاحها في مجالات عديدة، كالعالمة الفيزيائية والكميائية “ماري كوري”، التي تميزت بكونها أول امرأة تحصل على جائزة نوبل، والمرأة الوحيدة التي نالتها مرتين، في مجال النشاط الإشعاعي، بالإضافة إلى العالمة المصرية سميرة موسى، التي تعد أول عالمة ذرة، وأول معيدة في كلية العلوم، و غيرهن من النساء اللواتي تركن بصمة واضحة في كتب التاريخ.   لهذا علينا أن نعلم أن المرأة كرمها الإسلام وحفظ حقوقها، كما أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفق بهن، فلا يكرمهن إلا كريم ولا يهينهن إلا لئيم، فهي الأم والأخت والابنة، لذلك يجب معرفة أنها جنة وحجاب لكل رجل في الدنيا قبل الآخرة.

اقرأ المزيد »
السياسة

“تمحيص حقائق وأكاذيب وأساطير معاهدة مياه نهر السند”

(وجهة نظر هندية – رد على رسالة العميد (متقاعد) الدكتور راشد والي جنجوا المنشورة في صحيفة “داون” بتاريخ 9 أبريل 2026)   تعاني رسالة العميد (متقاعد) الدكتور راشد والي جنجوا من ذات الانتقائية في استحضار الوقائع التي يتهم بها الهند. ويكشف استعراض موضوعي وغير متحيز للحقائق أن عدداً من أطروحاته لا تقدم الصورة التاريخية الكاملة وتفتقر إلى الدقة القانونية.   ويستشهد الكاتب بإغلاق قناتي سنترال باري دوآب وديبالبور عام 1948 باعتباره دليلاً على النوايا العدائية للهند، لكنه يغفل السياق الأساسي للموضوع، وهو أن هاتين القناتين كانتا تستمدان مياههما من منشآت التحكم الواقعة بالكامل داخل الأراضي الهندية عقب التقسيم، وأن وقف تدفق المياه جاء في خضم عملية شديدة التعقيد لتقسيم الهند.   وقد تمت تسوية هذه المسألة سريعاً من خلال اتفاقية أبرمت بين الدولتينInter-Dominion Agreement تم توقيعها في 4 مايو 1948. وفي هذه الاتفاقية، أقرت باكستان نفسها بالحقوق السيادية للهند على منشآت التحكم، ووافقت على دفع رسوم الامتياز مقابل استمرار استخدام المياه.   ولا تعد هذه الواقعة دليلاً على سوء نية، بل على حرص الهند على تسوية جميع القضايا بروح ودية.   ويؤكد الكاتب أن معاهدة مياه نهر السند قد خدمت المصالح المائية لباكستان على نحو جيد، لكنه يتهم الهند، في الوقت ذاته وعلى نحو متناقض، بـ”المحاولات المستمرة للاستيلاء” على مياه باكستان.   والحقيقة أن معاهدة مياه نهر السند لعام 1960، التي وُقعت بعد ما يقرب من عقد كامل من المفاوضات، تُعد من أكثر المعاهدات سخاءً في العالم بشأن تقاسم المياه العابرة للحدود، من منظور دولة المصب.   فلم تكتفِ الهند بالتخلي عن حقوقها في نحو 80% من إجمالي مياه نظام نهر السند، بل دفعت أيضاً ما يقارب 62 مليون جنيه إسترليني (أي ما يعادل نحو 227.5 مليار روبية هندية بالقيمة الحالية) كتعويض لتمويل مشروعات الإحلال في كشمير المحتلة من جانب باكستان، وذلك لضمان استخدام مياه تمتلكها هي أصلاً.   ولا يوجد في التاريخ الحديث لمعاهدات المياه ما يماثل هذا القدر من التنازل من جانب دولة المنبع.   ويشير جنجوا بحق إلى أن الهند لا يُسمح لها سوى بتخزين تراكمي يبلغ 3.6 مليون قدم-فدان على الأنهار الغربية، وأن مشروعات الطاقة الكهرومائية من نوع الجريان النهري يجب ألا تؤثر في نظام تدفق المياه إلى المصب. وهذا هو موقف الهند أيضاً.   غير أن جوهر الخلاف يتمثل في تفسير باكستان لمفهوم “تغيير نظام التدفق إلى المصب”.   فقد دأبت باكستان على استخدام هذا التفسير للاعتراض على كل المشروعات الكهرومائية التي سعت الهند إلى إنشائها على الأنهار الغربية، بغض النظر عن حجم المشروع أو تصميمه. ولهذا النمط دلالة واضحة. فقد اعترضت باكستان على مشروع أوري 2 رغم أنه لا يتضمن أي سعة تخزينية.   كما اعترضت على مشروع “كالناي السفلى” رغم أن الفارق بين السعة التخزينية التي صممتها الهند وتلك التي احتسبتها باكستان لا يتجاوز كسوراً عشرية ضئيلة.   وفي كلتا الحالتين، كان الأساس الواقعي للاعتراض ضئيلاً إلى حد يجعله أقرب إلى ذريعة فنية منه إلى اعتراض جوهري.   كما أثارت باكستان اعتراضات على مشروعي كيشانجانجا وراتلي للطاقة الكهرومائية، وهما مشروعان من نوع الجريان النهري يتمتعان بالمشروعية ومتوافقان بالكامل مع أحكام المعاهدة، حيث طلبت من البنك الدولي تعيين محكمة تحكيم، متجاوزة بذلك آلية الخبير المحايد المنصوص عليها في المعاهدة.   ولا يعد اعتراض الهند على إجراءات التحكيم محاولة للتنصل من المساءلة، بل يستند إلى موقف مبدئي مفاده أن آليات تسوية المنازعات المنصوص عليها في المعاهدة يجب استنفادها بالكامل قبل اللجوء إلى التحكيم، وفقاً لما تنص عليه المادة التاسعة من المعاهدة ذاتها.   ومن ثم، فإن لجوء باكستان من جانب واحد إلى محكمة التحكيم، متجاوزة التدرج الإجرائي لتسوية المنازعات، يُعد في حد ذاته إخلالاً بالتزاماتها بموجب المعاهدة.   وفي يناير 2023، وجهت الهند إخطاراً بطلب تعديل معاهدة مياه نهر السند استناداً إلى المادة الثانية عشرة (الفقرة 3)، مشيرة إلى أن العرقلة المستمرة من جانب باكستان لآليات المعاهدة، ولجوئها الأحادي إلى التحكيم الدولي، يشكلان سلوكاً لا يتوافق مع روح المعاهدة.   ولا يمثل هذا الإجراء إلغاءً للمعاهدة من طرف واحد، وإنما آلية قانونية متاحة.   فالمعاهدة باتت تتطلب مفاوضات جديدة بما يعكس ستة عقود من المتغيرات، بما في ذلك التطورات التقنية، واحتياجات الهند التنموية على الأنهار الغربية، فضلاً عن استخدام باكستان لآليات تسوية المنازعات بسوء نية. ومن ثم، فإن الهند تمارس حقاً تكفله المعاهدة، ولا تنتهك أحكامها.   أما المقارنات التي وردت مع حالة مصر وإثيوبيا وحالة سوريا والعراق، فإنها في الواقع تضعف حجة جنجوا بدلاً من أن تدعمها.   ففي كلتا الحالتين لا توجد معاهدات ثنائية ملزمة قانوناً، وهو ما يضعف موقف دول المصب في هاتين الحالتين.   أما باكستان، فقد كانت تتمتع بمعاهدة مفصلة وملزمة قانوناً مع الهند، غير أنها أساءت استخدامها كأداة سياسية بدلاً من توظيفها لتحقيق أهداف التنمية.   إن أي تعليق مسؤول على معاهدة بهذه الدرجة من التعقيد ينبغي أن يرتقي فوق سرديات “المعتدي والضحية”. فقد صمدت معاهدة مياه نهر السند لأكثر من ستة عقود بفضل النهج السخي الذي اتبعته الهند.   وتعكس المخاوف الهندية إدراكاً مشروعاً لتغير الظروف حيث أن المعاهدة لا يمكن استخدامها للأبد كأداة سياسية لعرقلة استفادة الهند المشروعة من مياه أنهارها.   كما أن الخطاب التصعيدي الذي تتبناه باكستان يكشف بوضوح عن نواياها، ويبرر الموقف الذي تتبناه الهند.   كاتب المقال: مفوض الهند السابق لشؤون مياه نهر السند    

اقرأ المزيد »
السياسة

تفنيد الادعاءات وإبراز الحقائق: إعادة قراءة قضية مياه حوض نهر السند

    بقلم: السيد/ أتول جاين الرئيس السابق للجنة المركزية للمياه   إن الادعاءات الأخيرة الصادرة عن باكستان، والتي تصور وجود أزمة مائية وشيكة في حوض نهر السند وتعزو التغيرات في تدفقات النهر إلى إجراءات اتخذتها دول المنبع، لا تصمد عند إخضاعها للفحص عند مقارنتها بالبيانات الهيدرولوجية الواردة من باكستان ذاتها، وسجلات الخزانات، والبيانات التشغيلية الواقعية.   ويكشف الفحص الدقيق للأدلة عن صورة مختلفة تماماً، صورة لا تتسم بالندرة المائية، بل بوفرة التدفقات المائية، واستمرار تصريف كميات كبيرة من المياه التي تنساب في اتجاه المصب، إلى جانب أوجه القصور المزمنة في إدارة الموارد المائية.   وكان أبرز ما ميّز الدورة الهيدرولوجية لعام 2025 هو الفائض الكبير في توافر المياه خلال موسم الخريف، الممتد من أبريل إلى سبتمبر. ووفقاً لبيانات هيئة نظام نهر السند الباكستانية، بلغت التدفقات الفعلية نحو 122.36 مليون قدم-فدان، أي بزيادة تقارب 18% عن التدفقات المتوقعة البالغة نحو 104 مليون قدم-فدان لموسم الخريف لعام 2025.   كما ساهمت الأمطار الغزيرة التي شهدها حوض النهر في تقليل الطلب على مياه الري وتخفيف الضغط على حصص الأقاليم.   وتتناقض هذه البيانات بصورة جوهرية مع الادعاءات بوجود نقص حاد أو مفتعل في المياه.   وتتناقض رواية شح المياه بشكل أكثر وضوحاً مع الكميات الكبيرة التي تدفقت في نهاية المطاف عبر مدينة كوتري إلى بحر العرب. فقد بلغت كميات المياه المنصرفة بعد مدينة كوتري خلال موسم الخريف لعام 2025 حوالي 30.848 مليون قدم-فدان، أي بزيادة تقارب 71% عن متوسط السنوات الخمس الأخيرة البالغ 18.034 مليون قدم-فدان.   كما استمرت كميات كبيرة من المياه (نحو 3.6 مليون قدم-فدان) في التدفق إلى البحر حتى خلال موسم الربيع الذي يتسم بانخفاض التدفقات (أكتوبر إلى مارس).   ولو كان حوض النهر يواجه بالفعل نقصاً حاداً في المياه نتيجة تدخلات مزعومة عند المنبع، لما تُركت هذه الكميات الضخمة دون استغلال لتصب في البحر. بل وتشير البيانات إلى وجود قصور يتعلق بالبنية التحتية للتخزين، وإدارة الفيضان، وكفاءة توزيع المياه داخل مناطق المصب.   كما أن نظام عمل الخزانات خلال الفترة ذاتها يقوض الادعاءات بوجود أزمة هيدرولوجية مستمرة. فقد بدأ موسم الخريف، كما هو متوقع، بمستويات تخزين منخفضة نسبياً، وهي ظاهرة طبيعية إن لم تكن الخزانات مصممة لتخزين المياه بين المواسم.   وبعد ذلك، أدت زيادة التدفقات المائية والفيضانات إلى إعادة ملء الخزانات الرئيسية بسرعة. وبحلول سبتمبر 2025، ارتفعت مستويات التخزين إلى نحو 99% من السعة الإجمالية، الأمر الذي أنشأ موقفاً أكثر قوة من حيث توافر المياه لموسم الربيع 2025-2026.   وبالنسبة لموسم الخريف 2026، تبدو التوقعات مستقرة. فمن المتوقع أن تبلغ التدفقات عند محطات القياس الرئيسية نحو 103.3 مليون قدم-فدان، إلى جانب مخزون مرحّل يقدر بحوالي 2.3 مليون قدم-فدان، وهو أعلى من مستويات العام السابق والمتوسطات طويلة الأجل، بما يشير إلى أن حوض النهر يبدأ الدورة الجديدة بموقف مائي مريح نسبياً، وليس بأزمة.   وفي الوقت نفسه، فإن المحاولات الأخيرة التي قامت بها باكستان لتصوير التغيرات في تدفقات نهر تشيناب باعتبارها دليلاً على وجود تلاعب عند دول المنبع تتجاهل الحقائق الهيدرولوجية والممارسات التشغيلية المستقرة لمشروعات الطاقة الكهرومائية التي تعتمد على تدفق مياه النهر. فالتدفقات عند مواقع المصب، مثل محطة مارالا، تتأثر بطبيعتها بالأنماط الموسمية لذوبان الثلوج في جبال الهيمالايا.   كما أن التفاوت في معدلات تساقط الثلوج شتاءً، أو تأخر ذوبانها، أو انخفاض درجات الحرارة خلال الربيع، ينعكس بصورة طبيعية على معدلات التصريف في بداية الموسم. وتعد هذه التغيرات سمة اعتيادية للأنهار المتدفقة من جبال الهيمالايا، ولا يمكن اعتبارها، في حد ذاتها، دليلاً على وجود تدخل متعمد.    كما جرى مراراً توصيف آليات تشغيل مشروعات الطاقة الكهرومائية، مثل مشروع باجليهار للطاقة الكهرومائية، بصورة غير دقيقة.   فإدارة الخزانات في مشروعات الجريان النهري تستلزم بطبيعتها تغيرات في كميات المياه المصرفة وفقاً لعمليات إزالة الرواسب، ومتطلبات الصيانة، وتحسين إنتاج الكهرباء، واعتبارات السلامة الفنية، وبروتوكولات إدارة الفيضان. وتعد عملية إدارة الرواسب ذات أهمية خاصة في أنهار الهيمالايا التي تحمل كميات كبيرة من الطمي، ومن ثم فإن التعديلات التشغيلية المؤقتة أثناء عمليات إزالة الرواسب أو الصيانة تمثل جزءاً أصيلاً من تشغيل هذه المشروعات.   والأهم من ذلك أن مشروع باجليهار قد خضع بالفعل لتدقيق دولي موسع.   وقد لجأت باكستان نفسها إلى آليات تسوية المنازعات المنصوص عليها في معاهدة مياه نهر السند، مما أسفر عن تعيين خبير محايد وفقاً للمادة التاسعة والملحق (F) من المعاهدة.   وفي قراره الصادر عام 2007، أقر الخبير المحايد بصحة التصميم الأساسي للمشروع ومعاييره التشغيلية، ورفض معظم الاعتراضات المتعلقة بسعة التخزين وارتفاع السد.   وبذلك، تأكد توافق المشروع مع نصوص المعاهدة المنظمة لمشروعات الطاقة الكهرومائية القائمة على نظام الجريان النهري.   ولا يقل أهمية عن ذلك غياب أي دليل يثبت وقوع ضرر ملموس عند مناطق المصب نتيجة التقلبات المزعومة في التدفقات.   فقد استندت الادعاءات في معظمها إلى مواقف انتقائية، وملاحظات منفردة، وروايات إعلامية، بدلاً من التحليلات الهيدرولوجية الدقيقة لإثبات وجود علاقة سببية أو خسائر اقتصادية أو آثار زراعية قابلة للقياس.   ولم يتم تقديم أي دليل ملموس يربط بين التغيرات التشغيلية في المشروعات الواقعة عند المنبع وبين وجود مشكلات مستديمة عند مناطق المصب.   بالإضافة إلى ذلك، فإن الادعاءات بوجود تلاعب ذي دوافع سياسية تتجاهل حقيقة عملية مهمة، وهي أن أي تدخل متعمد في تشغيل محطات الطاقة الكهرومائية سيفرض تكاليف اقتصادية مباشرة على الجهة المشغلة نفسها في مناطق المنبع من خلال تقليل كفاءة إنتاج الكهرباء، فضلاً عن احتمال إلحاق أضرار طويلة الأجل بالمحطة.   فعلى سبيل المثال، قد تؤدي دورة واحدة لإزالة الرواسب خلال موسم الرياح الموسمية عند سد باجليهار إلى خسارة تقدر بنحو 150 مليون وحدة من إنتاج الكهرباء، وخسائر مماثلة في الإيرادات.   ولذلك، فإن عمليات إزالة الرواسب تُجرى لأسباب فنية بحتة تتعلق بالصيانة، ومن الصعب التوفيق بين الادعاءات بوجود تعطيل متعمد وبين قرارات تشغيلية تؤدي في الوقت نفسه إلى تقليل إنتاج الطاقة وإلحاق خسائر مالية بالمشغل.   وبالنظر إلى مجمل الأدلة، يتضح استنتاج واحد لا لبس فيه. فقد شهد حوض نهر السند خلال الفترة الأخيرة تدفقات مائية أعلى من المتوقع، وكميات كبيرة من المياه المتدفقة إلى المصب دون استغلال، وزيادة سريعة في مستويات التخزين داخل الخزانات، فضلاً عن توقعات مستقرة للفترة المقبلة.   كما أن التغيرات في تصريف الأنهار تظل ضمن الحدود الطبيعية للعمليات الهيدرولوجية وإجراءات تشغيل الخزانات المعتادة.   أما التحدي الحقيقي الذي يواجه حوض النهر، فلا يتمثل في الادعاءات غير المثبتة بشأن قطع المياه عند مناطق المنبع، وإنما في المشكلات الهيكلية التي لم يتم حسمها، مثل محدودية القدرة التخزينية، وتراكم الرواسب، وضعف كفاءة استخدام المياه، والقيود الواسعة المتعلقة بإدارة الموارد

اقرأ المزيد »
السياسة

معاهدة مياه نهر السند: تحليل قانوني مع إشارة خاصة إلى آلية تسوية المنازعات  

    نظام مياه نهر السند   يبلغ طول نهر السند حوالي 1800 ميل. أما روافده الغربية (كابول، وكُرَّم) فيزيد طولها على 700 ميل، في حين يبلغ مجموع أطوال روافده الشرقية (جيلوم، وتشيناب، ورافي، وبياس، وستلج) أكثر من 2800 ميل.   ويغطي حوض النهر مساحة تبلغ 450 ألف ميل مربع، ويُعد من أكبر أحواض الأنهار في العالم. ويقع معظم الحوض داخل الهند وباكستان، وقد أسهم في تشكيل تاريخ وثقافة ونظام البيئة في منطقة جنوب آسيا.   نبذة موجزة عن المفاوضات   2- أدى تقسيم الهند في أغسطس 1947 إلى نشوء نزاع حول مياه نهر السند، الأمر الذي استلزم في نهاية المطاف إجراء مفاوضات للتوصل إلى تسوية متفق عليها. وكانت “اتفاقية ما بين الدولتين” التي تم توقيعها في 4 مايو 1948 (اتفاقية دلهي) أول آلية لتنظيم استخدام المياه بين البلدين.   وبينما أقرت الاتفاقية بوجود نزاع بشأن إمدادات المياه، فقد نصت على أن “حقوق الملكية” لا تخول إقليم البنجاب الغربي المطالبة بأي حصة من مياه إقليم البنجاب الشرقي.   وقد قامت باكستان لاحقاً بإلغاء الاتفاقية في 23 أغسطس 1950.   3- وفي أوائل عام 1951، اقترح ديفيد ليلينثال، الرئيس السابق لهيئة وادي تينيسي، أن تقوم الهند وباكستان بتطوير نظام حوض السند بصورة مشتركة، بالاستعانة بالمساعي الحميدة للبنك الدولي. وعلى إثر ذلك، وجه رئيس البنك الدولي آنذاك، يوجين بلاك، في 6 سبتمبر 1951 رسالة إلى رئيسي وزراء البلدين يقترح فيها ذلك، وهو الاقتراح الذي وافق عليه الطرفان.   كما اقترح بلاك تشكيل فريق عمل يضم مهندسين من الهند وباكستان والبنك الدولي. وشهدت المفاوضات تقلبات حادة، وكادت تنهار في بعض مراحلها، غير أن إصرار البنك الدولي حافظ على استمرارها إلى أن تم توقيع المعاهدة في عام 1960.   المعاهدة وبنيتها القانونية   4- وُقعت معاهدة مياه نهر السند في 19 سبتمبر 1960 في كراتشي، ودخلت حيز النفاذ في 12 يناير 1961، بأثر رجعي اعتباراً من “تاريخ السريان”، وهو 1 أبريل 1960. وتتألف المعاهدة من 79 فقرة موزعة على 12 مادة، وتضم ثمانية ملاحق. وبينما لا تشير الديباجة إلا إلى المفوضين المخولين بالتوقيع عن الهند وباكستان، فقد وقع و. أ. ب. إيليف نيابة عن البنك الدولي، الذي يعد طرفاً في المعاهدة فقط فيما يتعلق بالأغراض المحددة في المادتين الخامسة والعاشرة، والملاحق (و)، و(ز)، و(ح).   5- وتنص المعاهدة على أنه لا يجوز تفسير أي نص فيها على أنه يؤسس لمبدأ قانوني عام أو يشكل سابقة قانونية، وقد أُدرجت الإشارة إلى السوابق القانونية لتفادي الاستناد إلى حجج تقوم على حقوق التقادم أو الارتفاق. وتخصص المعاهدة الأنهار الشرقية (رافي، وبياس، وستلج) للهند، والأنهار الغربية (السند، وجيلوم، وتشيناب) لباكستان، وذلك مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها.   الأهداف   6-       تحدد ديباجة المعاهدة أهدافها على النحو التالي:   “إن حكومة الهند وحكومة باكستان، إذ تحدوهما الرغبة في تحقيق أكمل وأفضل استخدام ممكن لمياه نظام أنهار السند، وإذ تدركان ضرورة تحديد وترسيم، بروح من حسن النية والصداقة، حقوق والتزامات كل منهما تجاه الأخرى فيما يتعلق باستخدام هذه المياه، ووضع الترتيبات اللازمة لتسوية جميع المسائل التي قد تنشأ مستقبلاً بشأن تفسير أو تطبيق الأحكام المتفق عليها في هذه المعاهدة، بروح من التعاون، فقد عقدتا العزم على إبرام هذه المعاهدة تحقيقاً لهذه الأهداف”.   آلية تسوية المنازعات   7- تحت عنوان “تسوية الخلافات والمنازعات”، تعهد المعاهدة إلى اللجنة الدائمة لنهر السند، التي تضم ممثلين عن البلدين، بدور في تسوية المسائل المختلفة، ولا سيما المسائل ذات الطابع الإداري والاستشاري.   8- وتُعد المادة التاسعة هي المادة المحورية في إطار تسوية المنازعات، إذ تميز بوضوح بين “المسألة” و”الخلاف” و”النزاع”. فأي مسألة تُعرض أولاً على اللجنة.   وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، يُعتبر أن “خلافاً” قد نشأ، ويُحال إلى خبير محايد. أما الخلاف فلا يعتبر “نزاعاً” إلا إذا كان خارج نطاق الفقرة 2 (أ) من المادة التاسعة، أو إذا أبلغ الخبير المحايد اللجنة بذلك.   9- تتمتع اللجنة بسلطة تقديرية في تقرير ما إذا كان ينبغي التعامل مع أي خلاف من خلال خبير محايد أو اعتباره نزاعاً، ولا يصدر هذا القرار إلا باتفاق داخل اللجنة.   وعند نشوء نزاع، ترفع اللجنة تقريراً إلى حكومتي البلدين، ويجوز لأي منهما دعوة الأخرى إلى تسويته بالاتفاق، كما يمكن الاستعانة بوسطاء.   ولا يجوز إنشاء هيئة تحكيم إلا باتفاق الطرفين، أو عند إخفاق المفاوضات أو الوساطة في حل النزاع.   الشروط المسبقة لإنشاء هيئة تحكيم   10- تكتسب العبارة الافتتاحية للملحق (ز) الخاص بـ (هيئة التحكيم) أهمية بالغة، إذ تنص على ما يلي: “إذا اقتضت الضرورة إنشاء هيئة تحكيم بموجب أحكام المادة التاسعة، تسري أحكام هذا الملحق.” وتفيد عبارة “إذا اقتضت الضرورة” أن هذه المرحلة لا تتحقق إلا بعد استيفاء شروط مسبقة معينة؛ فلا يجوز إحالة أي مسألة إلى هيئة تحكيم بمجرد رغبة أي من الطرفين.   ولا ينشأ النزاع إلا إذا اتفق المفوضان على اعتباره كذلك، أو إذا أبلغ الخبير المحايد اللجنة بذلك، وعندئذ فقط، وبعد استنفاد المفاوضات والوساطة، يمكن أن تقتضي الضرورة اللجوء إلى التحكيم.   11- ويبرز هنا اختلاف جوهري في طريقة التعامل بين “الخلاف” و”النزاع”. ففي حين يجوز لأي من المفوضين، بصورة أحادية، المبادرة بإحالة الخلاف إلى خبير محايد، لا يوجد حكم مماثل يجيز لأي منهما اعتبار الخلاف نزاعاً بصورة أحادية. إذ يتعين أن يكون ذلك بقرار من اللجنة وباتفاق المفوضين معاً.   ومن ثم، لا يجوز بأي حال الشروع بصورة أحادية في إجراءات إنشاء هيئة التحكيم. فالمعاهدات الثنائية تقوم عادة على مبدأ التقرير المشترك، وهو ما ينطبق أيضاً على معاهدة مياه نهر السند.   أثر الشروع في اتخاذ إجراءات أحادية، ومخالفة أحكام المعاهدة، والخيارات المتاحة للطرف الآخر   12- إذا لم يكن النزاع قد نشأ وفقاً لأحكام المعاهدة، فإن اتخاذ أي من الطرفين قراراً أحادياً بالشروع في إجراءات إنشاء هيئة تحكيم قد يشكل انتهاكاً للمعاهدة، ومن ثم يكون إجراءً غير مشروع. ومن الطبيعي أن يسعى الطرف الآخر في المعاهدة إلى البحث عن سبل الانتصاف المناسبة.   13- ويثير ذلك التساؤل التالي: إذا أخل أحد الطرفين بجانب جوهري من المعاهدة بما يقوض الغرض الأساسي منها، أفلا يجعل ذلك استمرار تنفيذها أمراً مستحيلاً؟ وكثيراً ما يُستند في هذا السياق إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 (“الاتفاقية”) باعتبارها الاتفاقية الأكثر صلة للإجابة عن هذا التساؤل، نظراً لأن العديد من أحكامها تعكس قواعد القانون الدولي العرفي.   ومع ذلك، فإن الهند وباكستان ليستا طرفين في هذه الاتفاقية، كما أن معاهدة مياه نهر السند تسبقها زمنياً.   14- ومع ذلك، وحتى إذا جرى الاحتجاج باتفاقية فيينا، فإنه يتعين قراءتها جنباً إلى جنب مع حكمها الأساسي

اقرأ المزيد »
السياسة

السردية الزائفة لباكستان ضد الهند للتغطية على سوء إدارتها لموارد المياه

كوشفيندر فوهرا الرئيس السابق للجنة المياه المركزية، والأمين بحكم منصبه لحكومة الهند، والمفوض الهندي السابق لشؤون نهر السند   هناك الكثير من المعلومات المضللة حول معاهدة مياه نهر السند (IWT)، والتي يتم نشرها عبر مقالات متنوعة تظهر في الصحف والمجلات والمنتديات الإلكترونية، بما في ذلك في باكستان.   ولا تمثل المقالات التي يكتبها من يُسمون بالنخبة أو الباحثون سوى خطاب بلاغي عام يهدف إلى تشكيل تصور عام لدى الرأي العام في باكستان، خالٍ من الحقائق.   ورغم أن الهند علّقت العمل بالمعاهدة، فمن المهم الوقوف على الأسباب الحقيقية لما يُوصف على نطاق واسع في باكستان بأنه أزمة ندرة المياه. إذ تواصل باكستان تحميل الهند مسؤولية مشكلاتها المائية، وكأن الهند ملزمة بتوفير أي كمية من المياه تراها باكستان ضرورية.   وبموجب المادة الثالثة من معاهدة مياه نهر السند، كان يقع على عاتق الهند الالتزام بالسماح بتدفق مياه الأنهار الغربية، باستثناء الاستخدامات المصرح لها بموجب المعاهدة.   وبالتالي فإن كميات المياه التي تصل إلى باكستان في أي وقت تعتمد على عوامل طبيعية مختلفة، مثل معدلات هطول الأمطار، وذوبان الثلوج في مناطق المنابع، إلى جانب الاستخدامات المسموح بها للهند.   ووفقاً لعدد من المؤسسات البحثية، تتلقى باكستان في المتوسط نحو 140 مليون فدان-قدم من المياه سنوياً في حوض نهر السند من الأنهار الغربية، وهو ما يزيد على الكمية المقدرة عند توقيع المعاهدة والبالغة 135 مليون فدان-قدم.   وفي المقابل، تشير التقارير إلى أن تدفقات الأنهار الشرقية انخفضت بنحو 15% مقارنة بالتقدير الأصلي البالغ 33 مليون فدان-قدم.   ومن ثم، يثار التساؤل: لماذا هذا الخطاب المتكرر ضد الهند؟ وعند التعمق في القضية، يتضح أن الحقيقة ليست بعيدة. فمن أصل نحو 140 مليون فدان-قدم من المياه، لا تقوم باكستان بتحويل سوى حوالي 104 ملايين فدان-قدم لأغراض الري، بينما تُهدر الكمية المتبقية داخل منظومة النقل والتوزيع أو تصب في البحر.   وعليه، فإن المشكلة الحقيقية لما يسمى بأزمة ندرة المياه في باكستان تكمن في سوء إدارة الموارد المائية المتاحة، إلى جانب مجموعة من العوامل الأخرى التي نادراً ما يناقشها الخبراء داخل البلاد.   كما يكاد يغيب أي نقاش عام حول تقاعس وإخفاق الجهات المعنية، بما فيها (الحكومة الباكستانية)، في إدارة هذا المورد الحيوي، ولا سيما في ظل التغيرات الجذرية التي شهدها الواقع المائي منذ توقيع المعاهدة عام 1960.   ويطرح ذلك تساؤلاً حول ما إذا كان تحميل الهند المسؤولية بصورة دائمة، وتبني خطاب “الضحية”، يشكل محاولة لصرف الانتباه عن المشكلة الحقيقية، والمتمثلة في سوء إدارة الموارد المائية داخل باكستان. فلنستعرض الحقائق المختلفة.   استخدام المياه في باكستان خلال خمسينيات القرن الماضي، كانت باكستان تستخدم نحو 66 مليون فدان-قدم من المياه، لري ما يقرب من 21 مليون فدان في حوض نهر السند. ومنذ ذلك الحين، ارتفع حجم المياه المستخدمة في الحوض إلى نحو 104 ملايين فدان-قدم لري حوالي 34 مليون فدان.   ويُلاحظ أن كمية المياه المستخدمة لكل وحدة من الأراضي المروية تكاد تكون مماثلة لما كانت عليه عام 1960. إلا أن الواقع على الأرض قد تغير بصورة كبيرة، إذ استمر عدد السكان في الارتفاع، مما أدى إلى انخفاض نصيب الفرد من المياه. غير أن هذا الأمر ينطبق أيضاً على الهند.   وعليه، فإن أساليب إدارة المياه التي كانت مطبقة عند توقيع المعاهدة أصبحت اليوم متقادمة تماماً، وأصبحت تستلزم فهماً أشمل للعلاقة المتداخلة بين المياه والغذاء والطاقة. وقد حققت الهند تقدماً كبيراً في هذا المجال، بينما لم تُبدِ باكستان الجدية الكافية لاتخاذ خطوات مماثلة.   وعلى الرغم من أن الهند لا تحصل إلا على 33 مليون فدان-قدم من المياه (أي ما يعادل 20% من إجمالي مياه الحوض)، فإنها تروي نحو 26 مليون فدان في الجزء الشرقي من حوض نهر السند، وهو ما يعكس تدني إنتاجية استخدام المياه في باكستان.   ضعف حوكمة الموارد المائية في باكستان أشار تقرير دراسة صادر عن مجموعة البنك الدولي بعنوان “باكستان: تحقيق استفادة أكبر من المياه” (والذي تتضمن بياناته معلومات محدثة حتى سبتمبر 2018)، إلى تقييم طويل الأجل لتأمين المياه في باكستان حتى عام 2047. وخلصت الدراسة إلى أن باكستان تُعد من الدول الغنية بالموارد المائية، بما في ذلك حوض نهر السند، وأن هناك 16 دولة فقط تمتلك موارد مائية أكبر منها.   غير أن ارتفاع عدد سكانها، باعتبارها سادس أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، يؤدي إلى انخفاض نصيب الفرد من المياه.   ويجب التأكيد هنا على أن تراجع نصيب الفرد من المياه في باكستان يرجع أساساً إلى الزيادة السكانية، في حين أن الكميات الإجمالية من المياه التي تتلقاها في حوض نهر السند لا تزال، في المتوسط، مساوية أو حتى أكبر من تلك التي كانت مقدرة عند توقيع معاهدة مياه نهر السند.     وأضاف التقرير أن التحديات المتعلقة بالأمن المائي لا تحدد بالضرورة مستقبل الدولة الاقتصادي. ومن اللافت أن هناك 32 دولة يقل فيها نصيب الفرد من المياه مقارنة بباكستان، ومع ذلك يبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها عشرة أضعاف نظيره في باكستان.   ولا توجد سوى ست دول من بين هذه الدول الاثنتين والثلاثين يقل مستوى دخلها عن باكستان، وجميعها دول أفريقية تعاني محدودية الاستثمار في الري واعتماداً كبيراً على الزراعة التقليدية المعتمدة على الأمطار.   كما يؤكد التقرير أن باكستان لا تستغل مواردها المائية على النحو الأمثل، وأن ضعف إدارة الموارد المائية يقوض أمنها المائي. وأشار إلى أن المخاطر المائية طويلة الأجل لا تحظى بالتقدير الكافي، كما أن التدابير الرامية إلى الحد منها تظل محدودة.   وأضاف أن إدارة الموارد المائية في باكستان تعاني من عدد من أوجه القصور، من بينها ضعف حوكمة البيانات المائية، وهشاشة عمليات التخطيط، وانتشار التلوث، والاستغلال المفرط للمياه الجوفية، وانخفاض إنتاجية المياه، وضعف أنظمة التنبؤ الموثوق بالفيضانات والجفاف، إلى جانب تحديات أخرى.   وبالنظر إلى أن أكثر من 90% من المياه في باكستان تُستخدم في أغراض الري، فإن من الضروري تقليل الفاقد المائي وتحسين إنتاجية استخدام المياه لمواجهة التحديات الراهنة.   كما يلفت التقرير إلى أن باكستان لم تنشئ قدرات تخزينية كافية للمياه، علماً بأن نحو 80% من التدفقات المائية السنوية ترد خلال فترة تقارب أربعة أشهر.   ومن ثم، فإن عدم توافر سعات تخزينية مناسبة يحول دون توفير إمدادات مائية موثوقة لموسم الزراعة الشتوي.   ومن ثم، فإن الاستمرار في توجيه اللوم إلى الهند بسبب أوجه القصور في الحوكمة المائية داخل باكستان لن يسهم بأي شكل في معالجة هذه المشكلات.   بل يتعين على باكستان أن تعمل بجدية على تحسين إدارة مواردها المائية، لاسيما وأن متوسط الموارد المائية المتاحة لها يُعد كافياً.   إهدار المياه وانخفاض

اقرأ المزيد »
السياسة

الحقوق المائية: استعادة حصة الهند المشروعة

  بقلم: السيد أتول جاين، الرئيس الأسبق للجنة المركزية للمياه.   إن تأكيد دولة رئيس الوزراء الموقر في خطاب عيد الاستقلال العام الماضي بأن “الحقوق المائية هي حق أصيل للمزارعين الهنود” يمثل تحولاً حاسماً في نهج الهند تجاه مياه نهر السند. وهو لا يعد بأي حال من الأحوال خروجاً عن المسار، بل هو تصحيح طال انتظاره لضبط النفس التاريخي الذي أضر بالهند بشكل غير متناسب، في حين مكن من استمرار إساءة الاستخدام في المصب.   وهو يشير إلى أن الهند لن تسمح بعد الآن بترك حصتها المشروعة من المياه دون استغلال كافٍ وإهدارها في وقت يواجه فيه مزارعوها الندرة.   عندما تم توقيع معاهدة مياه السند في عام 1960، قدمت الهند، بصفتها دولة المنبع ، تنازلاً كبيراً بالموافقة على قصر نفسها على نحو 20% فقط من مياه نهر السند، وتخصيص الحصة الأكبر البالغة 80% لباكستان.   وقد عكس هذا القرار نية طيبة استثنائية؛ وكان الأمل معقوداً على أن تقابل هذه السخاوة بسلوك مسؤول وروح تعاونية. وبدلاً من ذلك، وعلى مدى العقود الماضية، لم يتم تبادل تلك الروح بالمثل قط.   يجب أيضاً قراءة تصريح دولة رئيس الوزراء الموقر في سياق الأعمال الإرهابية المتكررة العابرة للحدود المنطلقة من باكستان، والتي أفسدت الثقة. إن الواقع القائم منذ أمد بعيد، والمتمثل في العبارة القائلة بأن “الدم والماء لا يمكن أن يتدفقا معاً”، لم يعد مجرد بلاغة لفظية.   فقد أكدت حوادث مثل هجوم بولواما الإرهابي، إلى جانب هجمات أخرى في الوادي، بما في ذلك منطقة باهالجام، كيف يقوض العداء المستمر الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الترتيبات التعاونية مثل المعاهدة.   فلا يمكن لأي اتفاق، مهما كان محكم الصياغة، أن يظل بمنأى عن الانهيار الكامل للثقة.   على المستوى الهيكلي، تضمنت المعاهدة نفسها تباينات أصبحت غير مقبولة بشكل متزايد؛ إذ فرضت قيوداً كبيرة على استخدام الهند للمياه المخصصة لها، ومع ذلك لم تفرض أي التزام مماثل على باكستان لتبرير متطلباتها أو ضمان الاستغلال الفعال.   وينعكس هذا في عدم الكفاءة علي نطاق واسع ، والخسائر في نظم الري (المقدرة بنحو 47 مليون فدان قدم)، وعدم كفاية السعة التخزينية، وسوء إدارة المياه لديهم، مما يؤدي إلى تدفق كميات كبيرة من مياه السند (تصل إلى 35 مليون فدان قدم) إلى بحر العرب دون الاستفادة منها.   وفي غضون ذلك، تحملت الهند تكلفة ضبط النفس؛ حيث ظلت مناطق مثل راجستان وهاريانا تعاني من ندره المياه، وتقيدت إمكاناتها الزراعية على الرغم من توفر المياه التي يحق للهند استخدامها. وهذا الاختلال هو بالتحديد ما يسعى التصريح إلى تصحيحه.   ومن ثم، فإن “الحقوق المائية” تتعلق بالاستغلال المشروع وليس بالمنع. إن الهند تؤكد أن كل قطرة من نظام مياه نهر السند سيتم استخدامها الآن بشكل إنتاجي في الري، والطاقة الكهرومائية، والتنمية.   وتسلط المشاريع الهندية على الأنهار الغربية، بما في ذلك “باجليهار” و”سالال”، الضوء على بُعد آخر من أبعاد التحدي. فبمرور الوقت، أدت الترسبات (الطمى) إلى تقليص كفاءتها وقدرتها التخزينية.   وقد تأخرت عمليات جرف الرواسب، وهي ضرورية للحفاظ على سلامة السدود وأدائها، لسنوات بسبب اعتراضات لا أساس لها وعقبات إجرائية وضعتها باكستان. ولم تؤدِ الحاجة الملحة في نهاية المطاف لإزالة الرواسب المتراكمة إلا إلى زيادة تكلفة مثل هذه التأخيرات .   ستعطي الهند الأولوية للتدخلات التقنية الحديثة في الوقت المناسب مستقبلًا، دون أن تظل رهينة للتحركات السياسية المغرضة والمبالغ فيها والمقنعة في شكل خلافات تقنية.           الرسالة الأعم واضحة: أولاً، ستستغل الهند بالكامل حصتها المشروعة من المياه في المناطق التي تعاني من الفقر المائي. ثانياً، لن تقبل بعد الآن بإطار يستمر فيه عدم الكفاءة والهدر دون رادع في جانب واحد، في حين يتم السعي إلى فرض قيود مصطنعة وغير علمية على الجانب الآخر.   ثالثاً، ستؤكد استقلاليتها التقنية، بما يضمن المضي قدماً في إنشاء البنية التحتية وصيانتها بوتيرة سريعة، تماشياً مع الفكر العلمي الحالي وأفضل الممارسات الدولية.   هذا ليس تنصلاً من أي مبادئ عرفية؛ بل هو استجابة لتدمير الركائز التأسيسية للمعاهدة. فعندما تُنتهك الوعود التي تدعم المعاهدة بفعل العداء والإرهاب والمعلومات المضللة وإساءة الاستخدام، يصبح إعادة ضبط الأمور أمراً حتمياً.   لعقود من الزمن، مارست الهند ضبط النفس، حتى وإن كان ذلك على حساب تنميتها بشكل ملموس. والآن، تفسح تلك الحقبة المجال لحقبة من الوضوح والتوازن.   إن “الحقوق المائية” هي التزام طال انتظاره بأن مياه الهند ستخدم شعبها، ومزارعيها، ومستقبلها.   وبينما قد تحاول بعض المصالح الخاصة تصوير ذلك خطأً على أنه تهديد، فإنه ليس سوى تصحيح مسار ضروري في سياق متغير.  

اقرأ المزيد »

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

اخر الاخبار

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

error: Content is protected !!