كتاب الرأي

كتاب الرأي

عادل حمودة يستضيف يسري البدري في «حقك تعرف».. «مصر بين تاريخين» وأسرار تُكشف لأول مرة

أيمن عامر يستضيف الكاتب الصحفي الكبير عادل حمودة، الكاتب الصحفي يسري البدري، مدير تحرير «المصري اليوم»، في حلقة جديدة من بودكاست «حقك تعرف»، تُعرض الخميس المقبل في تمام الساعة الثامنة مساءً عبر منصات التواصل الاجتماعي.   وتحمل الحلقة عنوان «مصر بين تاريخين.. أسرار تعرض لأول مرة»، وتتضمن حوارًا مفتوحًا حول عدد من المحطات المهمة في تاريخ مصر الحديث، وشهادات وكواليس يكشف عنها يسري البدري خلال اللقاء، من واقع تجربته الصحفية ومتابعته للعديد من الأحداث والشخصيات على مدار سنوات عمله في المجال الصحفي.   ويفتح عادل حمودة مع ضيفه يسري البدري عددًا من الملفات والقضايا التي شغلت الرأي العام، من بينها مشهد «مرسي ومبارك في قفص واحد»، وما أحاط بهذه اللحظة الاستثنائية من تفاصيل وكواليس، إلى جانب قراءة في الفارق بين مرحلتين مهمتين من تاريخ مصر.   كما يتناول الحوار عددًا من الأسرار والتفاصيل التي يرويها يسري البدري لأول مرة، في حلقة تجمع بين الذاكرة الصحفية وشهادة من عاصر وتابع أحداثًا مهمة عن قرب، في محاولة للإجابة عن أسئلة ظلت مطروحة لدى الجمهور حول ما جرى خلف الكواليس.   ومن المقرر عرض الحلقة كاملة الخميس المقبل في تمام الساعة الثامنة مساءً، عبر منصات التواصل الاجتماعي، ضمن حلقات بودكاست «حقك تعرف» الذي يقدمه الكاتب الصحفي عادل حمودة

اقرأ المزيد »
السياسة

الطرطوفية السياسية: أقنعة التقوى والعرقية في الشرق الأوسط

  أحمد شيخو، الكاتب والباحث السياسي   عندما أبدع المسرحي الفرنسي موليير مسرحيته الخالدة “طرطوف” (Le Tartuffe) في القرن السابع عشر، لم يكن يسطّر مجرد كوميديا اجتماعية تنقد فرنسا الباروكية، بل كان يغرس مشرط الجراح في عمق ورمٍ إنساني عابرٍ للأزمنة والأمكنة: ظاهرة الزيف، والأخلاقوية الادعائية، وتوظيف القيم الكبرى لمآرب سلطوية ودنيوية ضيقة.   لقد تجسد في شخصية “طرطوف” الرمز الأسمى للمنافق الذي يتسرب تحت عباءة الزهد إلى بيت النبيل “أورغون”، فيسلب إرادته، ويستنزف ثروته، ويهدد بنيان أسرته، كل ذلك تحت لافتة الورع الإلهي. واليوم، إذ نستقرئ واقع الشرق الأوسط المعاصر، نلفى أن هذه الطرطوفية لم تطوها السنون، بل ارتدت لبوساً عصرياً تحولت معه من نفاقٍ فردي إلى “طرطوفية سياسية” عابرة للمجتمعات، يجسدها نمطان رئيسيان في الشرق الأوسط: المتدينون الأحاديو النظرة، والقومويون الشوفينيون.   إن التاريخ الممتد للشرق الأوسط يشهد بأن المنطقة لم تعانِ من عجز الموارد أو قلة الكفاءات بقدر ما عانت من سيادة الأيديولوجيات المغلقة التي تتخذ من المقدسات شاشات حجبٍ تُخفي خلفها مطامع الهيمنة وتأبيد الاستبداد. وتتجلى الطرطوفية السياسية بوصفها الآلية الأكثر فتكاً بالنسيج الاجتماعي، لكونها تتغذى على المشاعر العاطفية الدافقة لدى الجماهير، وتستثمر في المخاوف التاريخية المتراكمة، صانعةً منها أسواراً عالية تحول دون بنائها لدولة المؤسسات والحريات.   البنية الفلسفية والأيديولوجية للطرطوفية السياسية تستند الطرطوفية في جوهرها الاجتماعي والسياسي إلى أركانٍ رئيسية تُشكل منطلقاتها الفكرية وآلياتها العملية في السيطرة:   1. احتكار المطلق: ادعاء الفاعل السياسي النطق باسم الحقيقة المطلقة، سواء تمثلت في نص مقدس يُلغى التفسير المتعدد له، أو في نَقاءٍ عِرقيّ موهوم يُصادر حق الآخرين في الوجود.   2. إقصاء المخالف وتخوينه: تحويل أي خلاف فكري أو سياسي من مجرد تباين في الآراء والبرامج إلى صراع حتمي بين الخير المطلق والشر المطلق، مما يشرعن استئصال المخالف.   3. إنكار التعددية الاصيلة: اعتبار الخصوصيات الثقافية واللغوية والمذهبية تهديداً للوحدة المزعومة بدلاً من كونها مصدر غنى وإثراء حضاري للمجتمع.   في دراما موليير، لم يسعَ طرطوف إلى محاجة خصومه بالحجة البرهانية، بل آثر ترهيبهم باللعنة والإثم. وعلى المنوال ذاته في الشرق الأوسط، يتذرع تجار الدين وغلاة القومية بالسلوك نفسه؛ إذ يغلفون عجزهم الإداري والتنموي بشعارات تعبوية تُعطل العقول وتستثمر في أزمات المنطقة التاريخية. إنهم يبنون مشروعيتهم السياسية لا على ما يقدمونه من إنجازات مادية أو إصلاحات معيشية لبناء الحياة الحرة والكريمة، بل على حجم الخوف الذي يزرعونه في نفوس أتباعهم من الآخر المختلف.   طرطوف المتدين: استثمار المقدّس لإعادة إنتاج الاستبداد يتصدر “طرطوف المتدين” الخارطة السياسية في الشرق الأوسط، ممارساً أنكأ أشكال النفاق الأيديولوجي؛ إذ يحول الدين من قيمة روحية وأخلاقية تحمي كرامة الإنسان وتدعو للعدل، إلى أداة للصراع على السلطة وتفكيك المجتمع.   1. ازدواجية الشعار والممارسة: يرفع شعارات العفة والزهد، بيد أنه عند التمكن يتكالب على المغانم والمحاصصة، معيداً إنتاج شبكات الفساد والزبائنية ذاتها التي طالما هاجمها إبان وجوده في المعارضة.   2. تصدير الخوف والافتغال بالرمزيات: بدلاً من وضع استراتيجيات اقتصادية وخطط لنهضة التعليم والصحة، يُغرق المجتمع في معارك جانبية حول الهوية، محمّلاً الخصوم مسؤولية انهيار الأخلاق، بينما تتآكل مؤسسات الدولة تحت وطأة الفشل.   3. تقديس الذات وشيطنة النقد: كما في المسرحية، يعد هذا التيار أن نقد ممارساته السياسية أو رموزه هو استهداف للدين ذاته، لترهيب المجتمع وإسكات كل صوت نقدٍ أو إصلاح.   إن خطورة هذا النمط تكمن في أنه يُفرغ الدين من شحنته الأخلاقية والإنسانية، ويحوله إلى مجرد شكليات وشعارات تُسلتل لشرعنة القمع والتسلط. وتغدو الهوية الدينية في ظله معياراً للولاء السياسي والمكاسب الدنيوية بدلاً من أن تكون دافعاً للبناء والعطاء والتسامح.   طرطوف القوموي: أسطورة النقاء وتخوين الآخر إن كان طرطوف المتدين يتستر بالغيبيات، فإن “طرطوف القوموي” يتذرع بالأسطورة العرقية والتاريخ المبتسر. لقد شهد الشرق الأوسط صعود تيارات قوموية أحادية تنظر إلى العرق أو الأمة بوصفهما جوهراً أسمى يبرر سحق الشركاء وإلغاء التعددية.   1. المرجعية الأحادية: الارتهان لأسطورة النقاء العرقي والسيادة التاريخية المزعومة، واختزال الوطنية في الولاء المطبَق للأيديولوجيا الحاكمة أو العرق السائد.   2. الذرائعية والنفعية: تخوين الخصوم واختلاق عدوٍ دائم لتبرير الإخفاق التنموي والتحكم في مقدرات المجتمع، وحظر أي مساحة للنقد الذاتي.   3. الخطاب التجييشي ونفي التنوع: الاعتماد على الشوفينية والتعبئة التي ترفض التنوع الثقافي أو اللغوي، وتعد التعدد تهديداً وجودياً لكيان الدولة والأمة.   يمارس القوموي الأحدادي طرطوفيته حين يتباكى على مظلومية قوميته، بينما يمارس البطش نفسه ضد الأقليات والمكونات الشريكة في الوطن. يدعي الحرص على استقلال القرار الوطني، لكنه يستنزف مقدرات الشعوب في معارك وهمية لا تُطعم جائعاً ولا تبني مجداً، مستعبداً الإرادة الوطنية ومصادراً حريات الأفراد والمجموعات.   العواقب الوخيمة: تجريف المجتمع وتزييف الوعي تجاوزت خطورة الطرطوفية السياسية حدود السجال الفكري لتتحول إلى واقع مأساوي يتجلى في أبعاد حاسمة تُدد أركان المجتمعات الشرق أوسطية:   1. تآكل دولة المواطنة: استبدال مفهوم المواطن المستقل ذي الحقوق والواجبات بمفهوم المريد التابع أو الموالي العرقي، مما ينسف أسس الدولة الحديثة.   2. تغييب العقل الديمقراطي: سيادة الخطاب العاطفي التجييشي الذي يُقصي التحليل الموضوعي، والمساءلة السياسية، والشفافية.   3. قمع الهويات الأصيلة: حرمان المكونات الاجتماعية والعرقية والمذهبية من حقها الطبيعي في التعبير عن هويتها ولغتها وخصوصيتها الثقافية تحت ذريعة الانسجام القسري أو الحفاظ على الأمن القومي.   4. تخريب القيم الروحية والوطنية: حين يكشف المجتمع النفاق المتأصل خلف تلك الشعارات، ينشأ رد فعل عكسي يدفع أجيالاً زاهدة للكفر بالقيم الوطنية والروحية نفسها، ظناً منها أن هذا السلوك الطرطوفي هو جوهر تلك القيم.   التعددية والمواطنة والديمقراطية: المخرج التأسيسي لإسقاط الطرطوفية   إن إنهاء سطوة الطرطوفية السياسية في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق عبر معالجات سطحية أو استبدال أيديولوجيا أحادية بأخرى، بل يتطلب إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس صلبة تتجاوز منطق الهيمنة والغلبة والوصاية.     1. ترسيخ المواطنة المتساوية: بناء دولة القانون والمؤسسات التي يتعامل معها الأفراد بوصفهم مواطنين ندّيين، متمتعين بحقوق متكافئة ودون تمييز قائم على الدين أو العرق أو المذهب أو الجنس.   2. كفالة حق التعبير عن الهوية واللغة: الاعتراف الشجاع بالتعددية كمعطى حضاري وتاريخي أصيل، وضمان حق جميع التكوينات الاجتماعية والعرقية والمذهبية في ممارسة حياتها والتعبير عن خصوصيتها الثقافية ولغتها بحرية ودون ترهيب أو قيود.   3. الالتزام بالآليات الديمقراطية: إرساء قواعد التداول السلمي للسلطة والتعددية السياسية الحقيقية، والتأسيس لفصل واضح بين السلطات يضمن التوازن ويسمح للمجتمع بمساءلة الحكام ونزع الشرعية عن كل من يستغل المقدس أو القومي لخدمة مصالحه الفئوية.   4. إن الاعتراف بحق الشعوب والمكونات المختلفة في ممارسة خصوصيتها الثقافية واللغوية ليس مجرد منّة أو مكرمة من السلطة، بل هو حجر الزاوية في بناء استقرار دائم.

اقرأ المزيد »
السياسة

قراءة في نشأة وتطور جامعة الدول العربية

السفير د. علي صالح موسى اللجنة التحضيرية تنجز بروتوكول الإسكندرية في اجتماعها الثامن والاخير برئاسة مصطفى النحاس يوم 7اكتوبر 1944 ،تمهيدا لانشاء جامعة الدول العربية    كان آخر ما ورد ذكره في محاضر المشاورات، مشاركة وفد المملكة المتوكلية اليمنية. وكان موقفه بأن ” اليمن يرحب بفكرة التعاون الثقافي والاقتصادي بين البلدان العربية، على أن تحتفظ كل دولة بكامل سيادتها وحقوقها، ويكون هذا التعاون قائما على أساس التساوي بين جميع الدول في الحقوق والمصالح المتبادلة”.   وعقدت اللجنة التحضيرية ثماني جلسات انتهت بالاتفاق على توقيع ما سمي باسم : بروتوكول الإسكندرية ، وكان ذلك في قصر أنطونيادس بالإسكندرية في يوم 7 أكتوبر سنة 1944، ولعلها المرة الأولى معرفة أن النية كانت متجهة إلى دعوة ممثلين من مراكش وهو الاسم الذي كانت تُعرف به المغرب ، وكذك من تونس والجزائر وليبيا، للمشاركة في اجتماعات اللجنة التحضيرية.   ودعوة ممثلين عن فلسطين للاشتراك في أعمالها، إلا أن النحاس تعرض لضغوط شديدة من السلطات الإنجليزية والفرنسية للحيلولة دون دعوة ممثلين عن دول شمال أفريقيا بالذات للمشاركة في اجتماعات اللجنة، وتقرر أن تقتصر الدعوة على ممثلي الدول العربية المستقلة، بالإضافة إلى ممثل عن شعب فلسطين. وكانت اللجنة التحضيرية قد عقدت أول اجتماعاتها دون أن يشترك فيها أي ممثل عن شعب فلسطين، إلا أنها قررت في اجتماعها الرابع، الذي تم عقده في يوم أول أكتوبر سنة 1944، دعوة الزعيم الفلسطيني موسى العلمي ليشترك في أعمالها ممثل لفلسطين.   وأثار هذا القرار ضجة في لندن، واتصل السفير البريطاني بالنحاس باشا ليقول له إن موسى العلمي لا يمثل حكومة فلسطين، واضطر النحاس باشا، في مواجهة احتجاجات الحكومة البريطانية، لأن يؤكد في مذكرة رسمية بعث بها إلى السفارة البريطانية في القاهرة أن العلمي لن يشترك في التصويت أو في اتخاذ القرارات.   وكشفت المناقشات عن وجود توجهين داخل اللجنة: ضمت الأولى العراق وشرق الأردن، أما الأخرى فضمت مصر وسوريا ولبنان والمملكة العربية السعودية واليمن . وكان إجماع الجبهة الثانية على أن تقوم الجامعة العربية لكل العرب، وليس لدول عربية معينة بالذات.   وفي يوم السبت 7 أكتوبر سنة 1944 عقدت اللجنة التحضيرية اجتماعها الثامن والأخير، وقد استهل النحاس باشا الاجتماع واعلن أن السيد حسين الكبسي مندوب اليمن قد تلقى برقية من الإمام يحيى حميد الدين ملك اليمن، تلاها الدكتور محمد صلاح الدين، وكان نصها:   “من ملك اليمن الإمام يحيى بن حميد الدين إلى الولد حسين الكبسي.. نأمركم بالاشتراك في اللجنة التحضيرية مع مندوبي البلدان الشقيقة، بشرط عدم التقيد بشيء إلا بعد العرض علينا لنوافق على ما نرى إن شاء الله، والله الموفق”.   ثم بعد ذك تلى الدكتور محمد صلاح الدين نص برقية أخرى تلقاها النحاس باشا من الأمير عبد الله أمير شرق الأردن، و نصها:   “صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر العربي العام.. بمناسبة انتهاء عمل اللجنة التحضيرية لمؤتمر الوحدة العربية، أرغب إلى رفعتكم واللجنة التحضيرية المحترمة قبول تحياتي وأطيب دعواتي بالتوفيق في عملهم، في البداية المرضية والنهاية الخيرية إن شاء الله. وأقول إن الأمة العربية تدين بالوحدة وترضى بالاتحاد، وإننا لنرجو أن يتلو ذلك بعضه بعض ما دامت النيات حسنة والأماني بالوحدة متفاوتة، وإن الوصول إلى نتيجة عاجلة نحو توحيد الثقافة وإزالة الحواجز والتساند والتطاوع والاتفاق في التعاون جميعًا، لحل الأمور الخارجية المعلقة لكل بلد من هذه المجموعة العربية، لهو أول ما يجب عمله برهان على صدق النية في وحدة هذه الأقطار، وإن فيما وقع في المحنة اللبنانية الأخيرة وانفراجها بالتعاون لبرهان على صحة ما تم عرضه من أمر التساند المطلوب.. وفقكم الله للخير جميعًا مع التحية المتكررة.. عبد الله”.   ثم أعلن الدكتور محمد صلاح الدين عن انجاز اللجنة الفرعية السياسية المهمة التي كانت قد تكلفت بها، وأن رأي أعضائها استقر على أن يقوم جميع أعضاء اللجنة التحضيرية بالتوقيع على بروتوكول يتضمن المسائل التي تمت الموافقة عليها، ثم يتم اذاعة بيان يتم الحاقه بنص البروتوكول، واضاف ان اللجنة قد وضعت بالفعل مشروع للبروتوكول وآخر للبيان، ثم تلى المشروعين كما وضعتهما اللجنة الفرعية ، ودارت مناقشات بعد ذلك وانتهى رأي اللجنة إلى تكليف النحاس باشا، باعتباره رئيس للجنة، بمتابعة المقترحات الناتجة عن المناقشات.

اقرأ المزيد »
السياسة

مصر تقود المشاورات العربية لانشاء الجامعة

  في هذا المقال يواصل السفير الدكتور علي صالح موسى القائم باعمال المندوب الدائم لليمن لدى جامعة الدول العربية سابقا كتابته في هذه المقالىه الثالثة : قراءة نشأة وتطور جامعة الدول العربية ، حيث يتناول التحضيرات والخطوات العملية لانشاء جامعة الدول العربية    فلم تمضِ إلا ثلاثة أسابيع على التصريح البريطاني حتى ألقى مصطفى النحاس ، رئيس وزراء مصر، بيانا في مجلس الشيوخ قال فيه مانصه : إنني معني من قديم بأحوال الأمة العربية والمعاونة على تحقيق آمالها في الحرية والاستقلال، سواء في ذلك كنت في الحكم أم خارج الحكم، وقد خطوت خطوات واسعة صادفها التوفيق، فاتجه الحكم في بعض الأقطار العربية الاتجاه الشعبي الصحيح.   وأضاف:   ومنذ أن أعلن المستر إيدن تصريحه فكرت طويلا، ورأيت أن الطريق المثلى التي يمكن التوصل بها إلى غاية مرضية هي أن تتناول هذا الموضوع الحكومات العربية الرسمية، وانتهيت من دراستي إلى أنه يحسن بالحكومة (المصرية) أن تبادر باتخاذ خطوات في هذا السبيل، فتبدأ باستطلاع آراء الحكومات العربية المختلفة فيما ترمي إليه من آمال، كلٌ على حدة، ثم تبذل الجهود للتوفيق بين آرائها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ثم ندعوهم بعد ذلك إلى مصر معا في اجتماع ودي لهذا الغرض، حتى يبدأ السعي للوحدة العربية بجبهة متحدة بالفعل، فإذا تم التفاهم أو كاد، وجب أن يعقد في مصر مؤتمر لإكمال بحث الموضوع، واتخاذ ما يراه من القرارات محققا للأغراض التي تنادي بها الأمة العربية.   مشاورات الوحدة العربية   مصر تتبنى اجراء المشاورات الانفرادية مع الدول العربية   تبنت مصر إجراء المشاورات الانفرادية مع الدول العربية، وقد وفرت هذه المشاورات صورة عن واقع الحال وعن تفكير الأطراف في موضوع الوحدة، وكانت كالتالي:   أولا: وفد العراق وكان برئاسة نوري السعيد رئيس وزراء العراق، واستمرت المشاورات معه على مدى أربع جلسات من 31 يوليو إلى 16 أغسطس 1943. وتم الاتفاق على التعاون السياسي ويشمل الدفاع والشؤون الخارجية ويلحق بذلك حماية الأقليات، والتعاون الاقتصادي ويشمل العملة والمواصلات والجمارك والتبادل التجاري بوجه عام، والتعاون الثقافي والاجتماعي ويشمل التعليم وما يتصل به.   وكان موقف الوفد المصري موقف الاستطلاع والاستجلاء، دون أن يبدي رأيا محددا في اتجاه الوحدة أو التعاون. وكان الوفد العراقي قال إن : اتحاد البلاد العربية بإيجاد حكومة مركزية لا يمكن تحقيقه في الظروف الحاضرة، بسبب الصعوبات الخارجية وما بين البلاد العربية من تفاوت في الأحوال والاقتصاديات والثقافة، وإنه لا يمكن تصور حكومة مركزية، والبحث وراء هذا ضياع للوقت.   واتفق الوفدان على استبعاد فكرة الحكومة المركزية للجميع.   وقدم نوري السعيد اقتراحين: الأول قيام اتحاد له سلطة تنفيذية تحدد في نظام أساسي تقبله الدول العربية التي تريد الدخول في الاتحاد، ويكون للاتحاد جمعية تمثَل فيها الدول العربية، وله رئيس منتخب أو معين تعاونه لجنة تنفيذية لمعالجة الشؤون السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ولقراراتها قوة تنفيذية على الدول الداخلة في الاتحاد، وتلتزم كل دولة بتنفيذ القرارات ولو كانت مخالفة لرأي مندوبيها؛ والثاني إقامة اتحاد على أساس أن قراراته لا تكون ملزمة إلا لمن يقبلها .وهذه الأفكار التي تناولها نوري السعيد كانت في مجملها ماتم تضمينه في كتابه الأزرق .    وكان الوفد الاردني برئاسة توفيق أبو الهدى رئيس وزراء الأردن، وقد استغرقت الجلسات الفترة من 28 أغسطس إلى سبتمبر 1943، وتناولت موضوعين: الأول يتصل بمشروع سوريا الكبرى، والثاني بالوحدة العربية بصورة عامة. وبذل الوفد الأردني جهده لإقناع مصر بمشروع سوريا الكبرى من حيث المبدأ، ثم ليناشدها أن توافق على هذا المشروع وتعمل على تحقيقه، واتفق مع نوري السعيد في أهمية السعي لإيجاد سوريا الكبرى، على أن تشترك بعد تكوينها في التعاون مع الدول العربية الأخرى.   وكان وفد المملكة العربية السعودية برئاسة الشيخ يوسف ياسين، وبدأت المشاورات في 26 أكتوبر 1943 واستغرقت خمس جلسات، وكانت محاضرها في غاية الإيجاز والتعميم. وقد اتسم موقف المملكة من المشاورات على وحدد “العمل لما فيه تأييد الصلات بين المملكة العربية السعودية ومصر بصورة خاصة، والبحث في كل ما من شأنه أن يؤدي إلى خير الأمة العربية، وأن نتقي المخاطر والحبائل التي تضر بالمصلحة العربية، وتأجيل البحث في موضوع التعاون السياسي في الوقت الحاضر إلى أن تتغير الظروف القائمة”    والوفد السوري كان برئاسة السيد سعد الله الجابري، رئيس مجلس وزراء الجمهورية السورية، على رأس وفد يضم السيد جميل مردم بك وزير الخارجية. وبدأت المداولات بينه وبين الوفد المصري برئاسة النحاس باشا واستغرقت أربع جلسات، ابتدأت في 26 أكتوبر وانتهت في 3 نوفمبر 1943.   وكانت الخلاصة النهائية التي وضعها الرئيس السوري أمام النحاس باشا أن تجزئة بلاد الشام إلى الأقطار الأربعة لم تكن نتيجة طبيعية، ولكنها وليدة اتفاقات ومصالح أجنبية، سرية وعلنية، فرضت على أهل البلاد بالقوة.   ثم استدرك ليقول: “غير أنه بعد مرور عشرين سنة تعود فيها كل قطر على حياته الخاصة وطابعه الخاص، ومع هذا فإننا نصر على التوحيد استنادا إلى رغبة البلاد، هذا مع الاحتفاظ بدمشق عاصمة، وبالنظام الجمهوري أساسا”.وأوضح أن سوريا تؤثر أقوى أداة وهي الحكومة المركزية، وإن كانت لا تجهل ما يقوم في سبيل ذلك من عقبات، فإذا تعذر ذلك فإنه يصار إلى إقامة نظام آخر من الاتحاد أو ا لاتفاق أو الحلف، تستمد قواعده ونظمه من أوضاع متشابهة عند غيرنا من الأمم: “ومن رأينا أن يشمل الاتحاد مصر والشام والعراق والمملكة العربية السعودية واليمن”.   خامسا: وفد لبنان ، ولم تكن المشاورات معه بأسلوب الحوار أو الإيضاح؛ فقد كان موقف لبنان يومئذ حساس ودقيق وهو على عتبة الحكم الوطني الجديد، وعلى رأسه الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهورية والسيد رياض الصلح رئيس الوزراء، وقد أقاما بينهما قواعد فكرية مشتركة من التوازن السياسي، وكان لسوريا فضل كبير في إرساء هذا التوازن باعترافها باستقلال لبنان بحدوده التي وضعها الفرنسيون.   وقدم الوفد بيانا مكتوبا أكد فيه أن هناك عوامل ثلاثة جعلته يقترب من القضية العربية ويقبل على المشاركة فيها، وهي:   • ضعف المؤثرات الأجنبية التي كانت تسيطر عليه خلال الخمس والعشرين سنة الأخيرة، وتلك هي فترة الانتداب الفرنسي.   • تفهم شقيقاته العربية لموقفه المتحفظ من الوحدة العربية، تفهما جعلها تعترف بكيانه وحدوده الحالية دولة مستقلة ذات سيادة تامة – وهو بذلك يشير إلى موقف سوريا بالذات، بالإضافة إلى تأييد السعودية ومصر لكيان لبنان وجود وحدود ونظام.   • تفهم لبنان لضرورات التعاون مع البلدان الشقيقة والمجاورة لمصلحة كيانه السياسي والاقتصادي.   وانتقل البيان اللبناني بعد ذلك ليؤكد أن لبنان لا يقل اقتناع ورغبة عن بقية الأقطار العربية بفوائد التعاون المشترك، وأن موقفه من القضية العربية سيكون مماثل لموقف مصر منها، وأنه يرغب في أن يكون تعاونه مع جميع الأقطار العربية على أساس السيادة

اقرأ المزيد »
كتاب الرأي

أزمة الشرق الأوسط: بين انسداد آفاق الديمقراطية واستدامة الهيمنة الخارجية

  أحمد شيخو ما زالت منطقة الشرق الأوسط ترزح تحت وطأة أزمات بنيوية مركبة وممتدة تتقاطع فيها الصراعات الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية الساعية إلى فرض الهيمنة ونهب المقدرات المادية والحضارية، كناتج حتمي لتفاعل حاد بين هشاشة المؤسسات وتغول السلطوية من جهة، ومخططات النهب الخارجي من جهة أخرى، لترزح الشعوب تحت ظروف قاسية تبرز فيها الإشكالية المركزية المتمثلة في أن أزمة المنطقة لا تكمن أبداً في غنى تنوعها الإثني والديني والثقافي باعتبار الشرق الأوسط موطناً تاريخياً للتعددية، بل تتمثل جذرياً في غياب نظام سياسي ديمقراطي قادر على إدارة هذا التنوع وإصرار السلطة على فرض هوية أحادية قسراً تحول الثراء الحضاري إلى بؤرة توتر دائم وتفتح الباب واسعاً أمام سلب المنطقة إرادتها السيادية، وهو ما يفرض السؤال الجوهري على الفكر السياسي الجاد حول سبب بقاء الشرق الأوسط ساحة مفتوحة للاضطراب، ومن يتحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية عن هذا الواقع، وكيف يمكن تجاوز هذه الحلقة المفرغة لبناء ذاتية وطنية وثقافية واقتصادية تصون كرامة الإنسان وتؤسس لجمهوريات ديمقراطية ونموذج جديد من التفاعل المتكافئ مع العالم، حيث يحيلنا التفكيك التحليلي لهذه الأزمة مباشرة إلى سببين رئيسيين يمثلان الجذر الهيكلي للمأزق المعاش وهما غياب الديمقراطية المجتمعية والتدخلات الخارجية التوسعية.   الثنائية المأزومة (غياب الديمقراطية والتدخل الخارجي(   1- انسداد آفاق الديمقراطية إن انسداد آفاق الديمقراطية في المنطقة لا يُقاس بالآليات الإجرائية والشكلية فحسب، بل باعتبارها ثقافة حياة ونمط إدارة مجتمعية وتفاعلاً إنسانياً وأخلاقياً يضمن التعددية والتنوع، في حين تعاني بنية معظم الأنظمة الشرق أوسطية من هيمنة “الذهنية الاحتكارية الأحادية” على الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي حيث تحولت الممارسة السياسية إلى معادلة صفرية إقصائية تُغيّب المخالف وتلغي الاختلاف الطبيعي الذي هو أصل الحياة المجتمعية، وتتجلى هذه الأزمة بوضوح في الإقصاء العنيف والتصهير القسري الذي يتعاطى مع التنوع الثقافي كتهديد أمني يستوجب القمع دافعاً المكونات المجتمعية الأصيلة إلى التخندق خلف هوياتها الأولية دفاعاً عن الوجود، بالتوازي مع الغياب التام للعقد الاجتماعي التشاركي وتحول الدولة إلى أداة احتكارية في يد فئة أو أيديولوجيا معينة باتت تُدار كغنيمة بدلاً من أن تكون فضاءً جامعاً للمواطنة المتساوية.   2- استدامة التدخل الخارجي وركائز الشرعية المستوردة   إن التدخلات الخارجية ليست مجرد أحداث طارئة، بل تمثل صيرورة تاريخية عميقة للمشاريع الإمبريالية والإقليمية التي أعادت تشكيل بنية المنطقة عبر أدوات الهندسة الاستعمارية الفوقية في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية وما تلاهما من ترتيبات جيوسياسية.   ومن هنا تنبع أزمة الشرعية السياسية المأزومة في الشرق الأوسط؛ حيث يستمد مفصلها الأساسي وجوده واستمراره من توازنات النظام العالمي ومصالحه الاستراتيجية العليا، لا من الشرعية الشعبية والوطنية الحقيقية والمنبعثة من إرادة المجتمعات.   وما الصناديق الانتخابية والديمقراطيات التمثيلية الشكلية التي تروج لها أنظمة الاستبداد إلا مسرحيات باهتة تهدف إلى مراكمة رأس المال الإعلامي المضلل، والتغطية الفاضحة على ارتهان الإرادة الوطنية، وتفريغ السيادة من مضمونها الحقيقي لصالح مراكز النفوذ الخارجي.     جذور الداء (القوموية العنصرية والدينوية السلطوية واليسار الكلاسيكي(  إن القراءة الفكرية العميقة للواقع تثبت أن الهيمنة الخارجية لم تكن لتترسخ وتدوم لولا وجود بيئة محلية مشبعة بأمراض أيديولوجية خبيثة تشكل المرتكزات الأساسية لتأطير المشاكل البنيوية، متمثلةً في القوموية العنصرية ومفهوم الدولة-الأمة القومية التي تقدس العرق وتمنح ذاتها حق الاستعلاء والتمايز عبر تخيير المكونات الأخرى بين الانصهار القسري أو سياسات الإبادة والتهميش كحال النماذج البعثية والطورانية التركياتية، بالتوازي مع الدينوية أو الدين السياسي بشقيه السني والشيعي واليهودية السياسية التي تمثل الوجه الآخر للقوموية بادعائها المرجعية الإلهية المطلقة لحكم الشعوب ومصادرة إرادتها وممارسة الوصاية الكاملة تحت عباءة الوكيل الحصري للحقيقة، فضلاً عن سقوط التيار اليساري الكلاسيكي الذي أخفق في قراءة المشهد الإقليمي باختزاله قضايا التحرر في الشعار الاقتصادي الضيق وتهميشه للحرية والخصوصيات الثقافية واصفاً إياها بالوعي الزائف وصولاً إلى سقوطه الأخلاقي في تبرير استبداد الأنظمة السلطوية تحت يافطة الممانعة، وكلها تيارات تتقاطع في نزعتها الاحتكارية الشديدة ونزوعها المتطرف نحو المركزية السلطوية وتركيز القرار في يد فئة قليلة باسم مقدسات متخيلة لشرعنة نهب المجتمع وسلب حريته، لتكمن المفارقة التاريخية في استناد هذه التيارات الثلاثة جميعاً -رغم شعارات السيادة المزيفة- في ديمومة وجودها إلى التقاطعات الوظيفية المباشرة مع القوى الخارجية.   التجليات المجتمعية للأزمة البنيوية  إن تداعيات هذا الانسداد السياسي والأيديولوجي تتجلى بوضوح صارخ ومؤلم في بنية المجتمع برمتها، متمثلةً في استعباد المرأة وتهميشها المركّب سلطوياً ومجتمعياً لتتحول إلى حلقة أضعف وضحية مستمرة للصراعات الحاكمة، بالتوازي مع تحول الأسرة تحت ضغوط الذهنية السلطوية والأزمات الاقتصادية إلى مؤسسة مفككة تعيد إنتاج القهر عوضاً عن أن تكون مساحة للحياة المشتركة القائمة على القيم الديمقراطية.   ولا ينفصل هذا الواقع عن الانهيار الاقتصادي المريع وغياب الأمن المجتمعي، حيث يعاني الشرق الأوسط من تفشي الفقر المدقع والجوع رغم ثرواته الهائلة، كنتيجة حتمية لسوء الإدارة واعتماد الأزمات كأدوات وظيفية لاستنزاف الشعوب ومنعها من امتلاك إرادتها، فضلاً عن تسليع الصحة والتجهيل الممنهج في التعليم الذي خضع إما للسلعنة النفعية الضيقة أو للتسييس العقائدي المدمر الذي أدى إلى هجرة الكفاءات وإبقاء الجسد المجتمعي غارقاً في الأمراض كمرآة لمرض النظام السياسي.   ويرافق ذلك تآكل خطير للأخلاق وسيادة القوانين الشكلية المفصلة على مقاس مصالح السلطة، وتفريغ الخطاب الديني والأخلاقي من جوهره الإنساني لتحويله إلى أداة لشرعنة الواقع الفاسد، وصولاً إلى التحجيم الممنهج وتدمير الفضاءات الأهلية ومنع المجتمع من بناء مؤسسات مدنية مستقلة، مما جرد الأفراد من أطر التنظيم الذاتي والحماية الجماعية وكرّس حالة من الهشاشة والاتكالية التي تقف سداً منيعاً أمام أي حراك إصلاحي أو رقابي يواجه الاستبداد والفساد.   المسارات البديلة وممكنات التحول (الجمهورية الديمقراطية(   إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب القطع الجذري والواعي مع كافة الذهنيات الأحادية المقيتة، والتأسيس لمسار جديد ومستدام يرتكز على الانتقال الشامل من عقيدة “الصهر والفرض الأحادي” إلى مفهوم الجمهورية الديمقراطية العميقة والإدارة التشاركية الحقيقية التي تتسع وتنبسط لجميع المكونات القومية والدينية والإثنية دون استثناء، معيداً بذلك بناء الدولة على أسس صلبة من العقد الاجتماعي الحر والمواطنة المتساوية التي تتيح إدارات ديمقراطية لامركزية تُشرك التجمعات والمكونات في صياغة قرارها ومصيرها بمنأى عن أي تغول مركزي.   يضاف إلى ذلك ضرورة إرساء دعائم التكامل الديمقراطي الإقليمي كبديل جذري للاستقطاب القومي والطائفي المفتت، بحيث يقوم هذا التكامل على التعاون والتضامن بين شعوب المنطقة ودولها حمايةً للمصالح المجتمعية والثروات الوطنية، وتحييداً للتدخلات الخارجية التي تستغل المنطقة، مع التأكيد الحاسم على أن تمكين المرأة ومشاركتها الفاعلة والقيادية هو شرط جوهرى وحجر الزاوية الذي لا غنى عنه في بناء أي جمهورية ديمقراطية حقيقية، إذ تستحيل الحرية المجتمعية برمتها دون تحقيق حرية المرأة ومساواتها الكاملة وتصديها للأنماط السلطوية والذكورية.   ولا يتأتى هذا التحول المنشود دون تأميم الخدمات الأساسية وتحرير قطاعي الصحة والتعليم من المنطق التجاري

اقرأ المزيد »
السياسة

بين البيان والقرار : رهان الأمين العام نبيل فهمي على “بيت العرب “

  استعرض السفير الدكتور علي صالح موسى القائم بأعمال مندوب اليمن الدائم لدى جامعة الدول العربية السابق في مقالته بعنوان : بين البيان والقرار : رهان الأمين العام نبيل فهمي على “بيت العرب “المهام والتحديات الماثلة امام السيد نبيل فهمي الأمين العام لجامعة الدول العربية ،واشار إلى أن مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، خلال اجتماعه يوم 22 يونيو (حزيران) 2026 في الأردن وبتفويضٍ من القادة العرب، تعيين الدبلوماسي المصري المخضرم نبيل فهمي أميناً عاماً للجامعة لمدة خمس سنوات اعتباراً من مطلع الشهرالماضي يوليو (تموز) 2026 ، خلفاً لأحمد أبو الغيط الذي قاد المنظمة عشر سنوات.   وبذلك يصبح فهمي الأمين العام التاسع منذ تأسيس الجامعة عام 1945، في توقيت وصفه فهمي بأنه “مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية” .   ولم يكن اختياره بالإجماع مجرد إجراء إداري، بل رسالة سياسية هدفها تدعيم التضامن العربي، كون التعيين جرى على المستوى الوزاري بتفويض من قمة تعذر التئامها في ظل ظروف المنطقة، فنال شرعية القمة دون انعقادها.   الجامعة العربية في ميزان الأرقام في ميزان الأرقام ، جامعة الدول العربية منظمة بالغة النشاط.   فعلى امتداد ثمانية عقود من العمل، صدرعن مجالسها وقممها ما يقارب ثلاثة عشر ألف قرار، و نحو 926 قرار على مستوى القمم الاعتيادية، و9249 قرارعلى مستوى وزراء الخارجية وحده، وما يفوق 2500 قرار في المجلس الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب 269 بيان .   وتضم الجامعة العربية شبكة مؤسسية لاكثر من عشرين منظمة واتحاد متخصص، وعشرات من اللجان الوزارية، وأمانة عامة موزعة على تسعة قطاعات تنفيذية.   غير أن هذا الزخم الكمّي يصطدم بسؤال مهم ومحيروهو : لماذا تتهم الجامعة بالعجز والغياب؟   لا تكمن المشكلة في ضعف الجامعة ، بل في طبيعة مخرجاتها.   فالقرار في الجامعة، بحكم قاعدة الإجماع المتوارثة منذ ميثاق 1945، ملزم لمن يقبله فقط وهو ما حول آلاف القرارات إلى نصوص أكثر منها أدوات تنفيذ.   فالجامعة في بنيتها منظمة حكومية – تنسيقية أداتها بيد الدول، لا كيان يلزم أعضاءه أو يعاقب المخالف، ولهذا فإن نشاطها يعكس توازنات النظام العربي وانقساماته أكثر مما يتجاوزها أو يصنع واقعاً جديداً.   وبهذا المعنى، لا يصحّ قياس فاعلية الجامعة بعدد ما تصدره من قرارات، بل بنسبة ما يتحول منها إلى التزام فعلي على الأرض، وهي النسبة التي ظلت متواضعة في الملفات السياسية والأمنية الكبرى.   حيوية عمل الاتحادات والمنظمات المتخصصة ومن المفارقات أن البعد “الوظيفي” للجامعة ظل أكثر حيوية من بعدها السياسي. فالمنظمات المتخصصة، من صندوق النقد العربي إلى “الألكسو” والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري ومنظمة العمل العربية والمنظمة العربية للتنمية الإدارية و”أكساد” و”عربسات”، حققت إنجازات ملموسة في التمويل والتعليم والنقل والاتصالات والزراعة، بينما بقي الأداء السياسي والأمني كما اشرنا هو الحلقة الأضعف.   وكأن الجامعة تنجح حيثما لا تتضارب المصالح السيادية ، وتتعثر حينما توجد ، وهي ملاحظة تفسر لماذا تختزل الجامعة في الأذهان بصورتها السياسية المتعثرة رغم رصيدها الوظيفي المتراكم.   خلف الواجهة السياسية للجامعة تمتد المنظومة الواسعة تلك وهي مصدر حيويتها الوظيفية. فمنذ تعديل المادة الثامنة من معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي عام 1977، اصبح المجلس الاقتصادي والاجتماعي المرجعية لمنظمات العمل العربي المشترك، تدور في فلكه اكثر من عشرين منظمة واتحاد متخصص منها ماتم ذكره سابقا وتعمل بوصفها بيوت خبرة.   وهي موزعة بين الكويت وأبوظبي والقاهرة وتونس ودمشق والرباط والرياض والخرطوم، حققت إنجازات ملموسة ومقدرة ثمانية عشر مجلس وزاري متخصص وإلى جانب هذه المنظمات والاتحادات ، يعمل نحو ثمانية عشر مجلساً وزاري متخصص، يضم كل منها جميع الدول الأعضاء ويجتمع سنوياً عبر مكتب تنفيذي وسكرتارية فنية في الأمانة العامة، وتتوزع على المجالات الاقتصادية (النقل والكهرباء والمياه والسياحة والبيئة) والاجتماعية (الصحة والشباب والسكان)، فضلاً عن مجالس العدل والداخلية والإعلام والأمن السيبراني المستحدث عام 2023 ومقره أمانته الفنية في الرياض .   وتكمل الصورةَ شبكة من اللجان الوزارية ذات الطابع السياسي التي تتولّى متابعة ملفات بعينها كمبادرة السلام العربية وملفات فلسطين وسوريا والسودان والسد الإثيوبي وكذلك اللجان الفنية الدائمة التي ترفع توصياتها إلى المجلس الوزاري تمهيداً لاعتمادها.   غير أن هذه المنظومة المترامية، على ثرائها، تظل بحاجة إلى تحديث في الحوكمة يربط نشاطها بنتائج ملموسة.   فكرة الإصلاح الحاضرة وعن فكرة الإصلاح فهي لم تكن غائبة يوما؛ فهي مسار مستمر تعود محاولاته إلى ماقبل تسعينيات القرن الماضي، وتجدد في مشروع قرار قمة الجزائر عام 2022 الذي أكد الأهمية القصوى للتطوير.   وهناك مقاربة للإصلاح توصي بمراجعة الميثاق ومنصب الأمين العام وأوجه الإنفاق، مع ترشيد نفقات البعثات الخارجية ، و مقترحات الانتقال من الإجماع إلى الأغلبية الملزِمة، وتعزيز صلاحيات الأمانة العامة، وإقرار دورية منتظمة للقمم وتداول منصب الأمين العام، وإنشاء مجلس أمن عربي    ولا يقتصر الإصلاح المنشود على البنية السياسية، بل يطال هذه الأجنحة الفنية أيضاً.   فثمة مقترحات متداولة داخل الأمانة العامة وفرق العمل لإعادة هيكلة اللجان الفنية ومعالجة الازدواج في اختصاصات المنظمات، وتغيير آلية عمل المجالس الوزارية المتخصصة وتوظيف الذكاء الاصطناعي في دعم القرار، وحسم مستقبل مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بين الدمج أو التعديل أو الإلغاء، وتطوير المجلس الاقتصادي والاجتماعي    وفي أولى رسائله، حدد فهمي مسارللمرحلة المقبلة تتمثل في تطوير آليات عمل المنظمة بما يواكب التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة، وتكثيف التشاور والتنسيق العربي لمواجهة الأزمات وتحويل التحديات إلى فرص.   ويرى مراقبون أن أولويته الأولى ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة بوصفها بيت للتوافق لا مجرد منصة ذات صفة بروتوكولية لإصدار البيانات وهنا يأتي التحدي الأصعب بإقناع الدول الأعضاء بأن المنظمة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات بصورة مؤسسية.       ويتوقع أن تتضمن أجندته اجتماعات أكثر انتظام لوزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، وتفعيل أدوات الإنذار المبكر، وتوظيف التكنولوجيا في دعم القرار، وربط الجامعة بقضايا التنمية والطاقة والأمن الغذائي والمائي، فضلاً عن دعوته إلى عدم حصر خيارات العرب في شريك واحد وتنويع الشراكات مع موسكو وبكين وأفريقيا للاستفادة من التوازنات الدولية.   ومن هنا يصبح التشاور المنتظم بين العواصم العربية، الذي يضعه فهمي في صدارة أولوياته، البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة؛ فمتى نجحت الجامعة في توفير منصة موثوقة لتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة، اصبح تطوير المنظمة نفسه أكثر قابلية للتحقيق.     تبقى جامعة الدول العربية، في المحصلة، صوت جماعي لا يستغنى عنه؛ يحفظ الحد الأدنى من فكرة البيت العربي ، ويمنح المواقف شرعية رمزية، وينسق تعاون مثمر قد يجعل منها قوة قادرة على فرض أمن جماعي أو سياسي خارجية موحدة.   وهنا يكمن التحدي في أن يحول بيت العرب من جامعة للدول العربية تعكس الانقسامات إلى أداة تسهم في تجاوزها.   الإصلاح الحقيقي لن يقاس بعدد القرارات الجديدة،

اقرأ المزيد »
كتاب الرأي

خطاب وزير خارجية بريطانيا إيدن: التأييد الذي اخطأ في التقدير 

  من مأدبة غداء في القاهرة إلى قصر سانت جيمس استعرض السفير الدكتور علي صالح موسى ، القائم بأعمال مندوب اليمن الدائم لدى جامعة الدول العربية السابق، أبرز التحركات العربية التي مهدت لقيام جامعة الدول العربية ، ويستمر في مقالته هذه تناول التطورات التي جرت ،حيث في الرابع عشر من يناير 1943، وبينما كانت الحرب العالمية الثانية تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، وضع رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد اللمسات الأخيرة على مذكرة حملت عنوان «استقلال العرب ووحدتهم»، وأرسلها إلى ريتشارد كيسي، وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط المقيم في القاهرة.   كانت المذكرة في كتيب بغلاف أزرق، فسميت باسم “الكتاب الأزرق” واهتمت بكومنولث عربي أولا، ثم الهلال الخصيب ، وبدأت القصة قبل ذلك بأربع سنوات.   ففي 20 يناير 1939، أقام نوري السعيد حفل غداء في القاهرة للوفود العربية المتوجهة إلى لندن للمشاركة في “مؤتمر المائدة المستديرة” ، الذي انعقد في السابع من فبراير من العام نفسه داخل قصر سانت جيمس لبحث القضية الفلسطينية، بحضور مندوبين من مصر والعراق والأردن والسعودية واليمن، إلى جانب المندوبين البريطانيين.   وقد رفض المندوبون العرب الجلوس مع ممثلي الوكالة اليهودية، وانتهى المؤتمر من دون أن يقترب خطوة واحدة من حل.   ومن هذا الفشل ،بنى نوري السعيد حجته أمام البريطانيين: الوحدة العربية ضرورة، وهي لا تتعارض مع تصريحات وزير الخارجية أنطوني إيدن، ولا تفوق قدرة لندن بعد أن انفردت بشؤون الشرق الأوسط إثر سقوط فرنسا.      في المقابل، تحتاج بعض الروايات المتداولة عن تلك المرحلة إلى مراجعة. فقد ذهب أحمد الشقيري إلى أن انضمام القوات العربية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين إلى الحلفاء في الحرب العالمية الأولى كان العانل الحاسم في هزيمة الدولة العثمانية، واكد أن المراجع الدولية مجمعة على ذلك من دون أن يدعم تأكيده إلى مرجع واحد.   وأما في ما يخص الحرب العالمية الثانية، فيروي الشقيري أن وزير الخارجية الألماني ريبنتروب ووزير الداخلية هيملر وجّها في الثاني من نوفمبر 1943 رسالتين إلى قادة عرب بمناسبة ذكرى وعد بلفور، أعلنا فيهما اعترافهما باستقلال العالم العربي ووحدته، وأن الخبر أشعل في الوطن العربي موجة عارمة من الابتهاج، حتى ارتفعت خطب الأئمة في المساجد بالدعاء لدول المحور بالنصر.     والحدث وقع بالفعل، لكن مضمونه كان مختلفًا. فنص برقية هيملر يتحدث عن أن الحركة الاشتراكية القومية رفعت منذ نشأتها راية الكفاح ضد اليهودية العالمية، وأنها لذلك تتابع عن كثب نضال العرب، لا سيما في فلسطين، ويوجه فيها التهنئة بذكرى وعد بلفور المشؤوم متمنيًا النصر. أي أنه لا ذكر صريح لأي اعتراف بوحدة العالم العربي أو استقلاله.   وكذلك لم توجَه البرقية إلى قادة عرب بصفة عامة، بل إلى المفتي أمين الحسيني تحديدًا. أما موجة الابتهاج في المساجد، فلا تسندها المصادر التاريخية الموثوقة إذ كانت ردود الفعل الشعبية العربية آنذاك متباينة ، بما يصعّب اختزالها في عبارة واحدة.     وفي مواجهة المساعي الألمانية لاستمالة العرب، كانت لندن قد تحركت بوقت مبكر. ففي 29 مايو 1941 ألقى أنطوني إيدن خطابًا أعلن فيه تأييد بلاده لقيام وحدة عربية، وتحدث ا عن “تقاليد طويلة من الصداقة” أثبتتها الأعمال لا الأقوال، وكرر عطف حكومة جلالته على أماني سوريا في الاستقلال.   بل ذهب أبعد من ذلك حين قال إن العالم العربي خطا خطوات عظيمة منذ تسوية ما بعد الحرب الأولى، وإن الكثير من مفكري العرب يرجون لشعوبهم قدر من الوحدة أكبر مما هم عليه، وإن من الطبيعي تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية والسياسية بين البلاد العربية ووعد بتأييد بريطاني تام لأي خطة تحظى بموافقة عامة.   وأرادت بريطانيا ومعها فرنسا تفادي مزيد من الاضطرابات في مستعمراتهما العربية أثناء الحرب، فكان الوعد بالاستقلال بعد انتهائها، كما ورأت بريطانيا أن قيام شكل مؤسسي ينتظم الدول العربية المستقلة يخدم مصالحها ويؤدي لحل “قضية اليهود في فلسطين” إذ إن تأسيس دولة يهودية لا يمكن أن يمر إلا عبر إطار عربي عام وعلى توحيد الموقف العربي وتنسيقه في هذا الشأن.   وهكذا كانت فكرة الوحدة العربية، في لحظة تأسيسها الأولى، هدف لمصلحة القوة الاستعمارية ، وهو مالم يكن كذلك ، وكما تشهد به التطورات والاحداث .

اقرأ المزيد »
كتاب الرأي

حين يصبح الوعي مسؤولية

  بقلم الكاتبة : ـ السالمة الروفي ـ المغرب   الوعي ليس أن نتحدث عن الأشياء، أو أن نمتلك الكثير من المعلومات، ونخوض في غمار الموضوعات دون معرفة عمقها والغاية منها. فالوعي أن نعرف كيف نتصرف حين تواجهنا هذه الأمور في الحياة، وأن نقف عندها متأملين أبعادها وغاياتها. فالإنسان الواعي لا تُقاس قيمته بما يحفظه من كلمات، وإنما بما ينعكس من معرفته ووعيه على سلوكه، وما يتركه من أثر طيب فيمن حوله.     وفي كثير من الأحيان، قد يعرف الإنسان الصواب، لكنه لا يختاره، بل يحاول أن يؤكد فكرته ويجعل منها الفكرة الأساسية. وقد يدرك الخطأ، لكنه يُصرّ عليه ويُصمّم على تأكيده. وهنا يتضح لنا الفرق بين المعرفة والوعي؛ فالمعرفة تمنحنا الإجابة بشكل واضح ومفهوم، أما الوعي فيمنحنا القدرة على اختيار الموقف الصحيح وتحمل نتائجه.     فالوعي الحقيقي يبدأ من الإنسان نفسه، لا من غيره، ومن داخله. فعندما يتوقف عن البحث المستمر عن عيوب الآخرين وانتقاص قيمتهم، وينظر إلى نفسه بمرآة الصدق، ويسأل نفسه: هل كنت متصالحًا مع ذاتي؟ وهل كنت عادلًا مع الآخرين؟ هل آذيت أحدًا بكلمة؟ وهل ظلمت إنسانًا عندما اتخذت حكمًا متسرعًا؟ وهل اعترفت بخطئي عندما أخطأت؟     فالوعي ليس أن نرى عيوب الناس بوضوح، بل أن نعجز عن رؤية عيوبنا. وما يميز عصرنا الحالي أن المعلومة أصبحت تصل إلينا في لحظات، وأصبحت مسؤولية الإنسان أكبر؛ فليس كل ما نقرؤه حقيقة، وليس كل ما نسمعه يستحق أن ننطق به، وليس كل من نختلف معه يصبح عدوًا.     لذلك، يجب أن تكون مسؤوليتنا أن نتوقف لبرهة قبل أن ننشر ما يصل إلينا أو ما نريد نشره، وأن نفكر مرارًا قبل أن نصدر الأحكام، وأن نتحرى الصدق في كل ما نتلقاه.     ومن هنا، تصبح الكلمة من أكبر المسؤوليات التي يجب أن يحملها الإنسان على عاتقه؛ فهي جسر للتواصل بين القلوب، وقد تكون سهمًا يخترق القلب، ويترك جرحًا لا يبرأ، ويبقى أثره طويلًا في ذاكرة الإنسان. لذلك، يجعلنا الوعي أكثر حذرًا وانتباهًا لما نقول، وأكثر إدراكًا لأثر كلماتنا، وحرصًا على ألّا نجعل من ألسنتنا وسيلةً للأذى.     فالوعي من دون احترام الاختلاف لا يكتمل أبدًا. وليس من الضروري أن نتشابه حتى نحترم بعضنا، أو أن نتفق في كل شيء حتى نحافظ على إنسانيتنا. فالإنسان الواعي يستطيع أن يختلف ويناقش ويرفض فكرةً دون أن يهين صاحبها أو يسيء إليه أو يجرحه.     وعندما ينتقل الوعي من الفرد إلى الأسرة، يصبح أسلوب حياة، ويمتد إلى المدرسة والجامعة ومكان العمل والمجتمع.     وحينها يتحول إلى قوة قادرة على صناعة التغيير. فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة الشعارات، وإنما تتقدم بأفراد يدركون أن لكل موقف أثرًا، وأن الكلمة مسؤولية، وأن لكل قرار نتيجة.     أما الوعي، فلا يعني أن الإنسان أصبح كاملًا، بل إن الوعي الحقيقي يجعله يعترف بنقصه، ويكون مستعدًا للتعلّم وتصحيح أخطائه، ويجعله أكثر تواضعًا أمام تجاربه وأخطائه.     وأجمل ما في الوعي أننا لا نحتاج إلى أناس يعرفون كل شيء، بل إلى إنسان يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يعتذر، ومتى يراجع نفسه إذا أخطأ، ويمتلك الشجاعة ليقول: «أخطأت».     فالوعي في عمقه لا يعني امتلاك الحقيقة، بل السعي إليها بصدق. وليس إصدار الأحكام على الآخرين، بل محاسبة النفس قبلهم. فحين يصبح الوعي مسؤولية، تتغير أشياء كثيرة في حياتنا؛ تصبح كلماتنا أكثر حكمة واتزانًا، وقراراتنا أكثر رشدًا، وعلاقاتنا أكثر إنسانية، وحتى اختلافنا تتغير نظرتنا إليه، فتصبح أكثر رحابة.     يجب أن نكون أكثر وعيًا بما نقول ونفعل، وأكثر إدراكًا للأثر الذي نتركه خلفنا؛ فكل إنسان يترك أثرًا. وهنا يبقى السؤال: ما نوع الأثر الذي نريد أن نتركه؟ وهل سنترك أثرًا يستحق أن يبقى؟

اقرأ المزيد »
كتاب الرأي

المرأه.. أساس كل مجتمع راقي وناضج

بقلم الكاتبة السالمة الروفي.. المغرب    عندما نتحدث عن المرأة فنحن لا نتحدث عنها ككائن فقط، بل على أنها محرك أساسي للمجتمع، وفاعل قوي داخل المنظومة الأسرية، فالحياة من دونها تتوقف ولا يكون لها طعم، والله خصها بالعاطفة والضعف، وهو الأمر ذاته الذي تكمن فيه قوتها، وعلى سبيل المثال نذكر السيدة خديجة رضي الله عنها، فقد كانت المساندة والمعينة للرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة، الشيء الذي يثبت أن المرأة هي الركيزة الأساسية في الحياة، من دونها تنهار البيوت وتذوب الأحلام وتنكسر الروح بسيوف الأيام، و تتبعثر أوراق الحياة، وينزف الفؤاد أنهارا ووديانا من الألم.   و على مر العصور لم تفشل المرأة في أن تثبت أنها المجتمع كله، واللبنة الأساس للتطور والازدهار، و ذلك من خلال نجاحها في مجالات عديدة، كالعالمة الفيزيائية والكميائية “ماري كوري”، التي تميزت بكونها أول امرأة تحصل على جائزة نوبل، والمرأة الوحيدة التي نالتها مرتين، في مجال النشاط الإشعاعي، بالإضافة إلى العالمة المصرية سميرة موسى، التي تعد أول عالمة ذرة، وأول معيدة في كلية العلوم، و غيرهن من النساء اللواتي تركن بصمة واضحة في كتب التاريخ.   لهذا علينا أن نعلم أن المرأة كرمها الإسلام وحفظ حقوقها، كما أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفق بهن، فلا يكرمهن إلا كريم ولا يهينهن إلا لئيم، فهي الأم والأخت والابنة، لذلك يجب معرفة أنها جنة وحجاب لكل رجل في الدنيا قبل الآخرة.

اقرأ المزيد »
السياسة

“تمحيص حقائق وأكاذيب وأساطير معاهدة مياه نهر السند”

(وجهة نظر هندية – رد على رسالة العميد (متقاعد) الدكتور راشد والي جنجوا المنشورة في صحيفة “داون” بتاريخ 9 أبريل 2026)   تعاني رسالة العميد (متقاعد) الدكتور راشد والي جنجوا من ذات الانتقائية في استحضار الوقائع التي يتهم بها الهند. ويكشف استعراض موضوعي وغير متحيز للحقائق أن عدداً من أطروحاته لا تقدم الصورة التاريخية الكاملة وتفتقر إلى الدقة القانونية.   ويستشهد الكاتب بإغلاق قناتي سنترال باري دوآب وديبالبور عام 1948 باعتباره دليلاً على النوايا العدائية للهند، لكنه يغفل السياق الأساسي للموضوع، وهو أن هاتين القناتين كانتا تستمدان مياههما من منشآت التحكم الواقعة بالكامل داخل الأراضي الهندية عقب التقسيم، وأن وقف تدفق المياه جاء في خضم عملية شديدة التعقيد لتقسيم الهند.   وقد تمت تسوية هذه المسألة سريعاً من خلال اتفاقية أبرمت بين الدولتينInter-Dominion Agreement تم توقيعها في 4 مايو 1948. وفي هذه الاتفاقية، أقرت باكستان نفسها بالحقوق السيادية للهند على منشآت التحكم، ووافقت على دفع رسوم الامتياز مقابل استمرار استخدام المياه.   ولا تعد هذه الواقعة دليلاً على سوء نية، بل على حرص الهند على تسوية جميع القضايا بروح ودية.   ويؤكد الكاتب أن معاهدة مياه نهر السند قد خدمت المصالح المائية لباكستان على نحو جيد، لكنه يتهم الهند، في الوقت ذاته وعلى نحو متناقض، بـ”المحاولات المستمرة للاستيلاء” على مياه باكستان.   والحقيقة أن معاهدة مياه نهر السند لعام 1960، التي وُقعت بعد ما يقرب من عقد كامل من المفاوضات، تُعد من أكثر المعاهدات سخاءً في العالم بشأن تقاسم المياه العابرة للحدود، من منظور دولة المصب.   فلم تكتفِ الهند بالتخلي عن حقوقها في نحو 80% من إجمالي مياه نظام نهر السند، بل دفعت أيضاً ما يقارب 62 مليون جنيه إسترليني (أي ما يعادل نحو 227.5 مليار روبية هندية بالقيمة الحالية) كتعويض لتمويل مشروعات الإحلال في كشمير المحتلة من جانب باكستان، وذلك لضمان استخدام مياه تمتلكها هي أصلاً.   ولا يوجد في التاريخ الحديث لمعاهدات المياه ما يماثل هذا القدر من التنازل من جانب دولة المنبع.   ويشير جنجوا بحق إلى أن الهند لا يُسمح لها سوى بتخزين تراكمي يبلغ 3.6 مليون قدم-فدان على الأنهار الغربية، وأن مشروعات الطاقة الكهرومائية من نوع الجريان النهري يجب ألا تؤثر في نظام تدفق المياه إلى المصب. وهذا هو موقف الهند أيضاً.   غير أن جوهر الخلاف يتمثل في تفسير باكستان لمفهوم “تغيير نظام التدفق إلى المصب”.   فقد دأبت باكستان على استخدام هذا التفسير للاعتراض على كل المشروعات الكهرومائية التي سعت الهند إلى إنشائها على الأنهار الغربية، بغض النظر عن حجم المشروع أو تصميمه. ولهذا النمط دلالة واضحة. فقد اعترضت باكستان على مشروع أوري 2 رغم أنه لا يتضمن أي سعة تخزينية.   كما اعترضت على مشروع “كالناي السفلى” رغم أن الفارق بين السعة التخزينية التي صممتها الهند وتلك التي احتسبتها باكستان لا يتجاوز كسوراً عشرية ضئيلة.   وفي كلتا الحالتين، كان الأساس الواقعي للاعتراض ضئيلاً إلى حد يجعله أقرب إلى ذريعة فنية منه إلى اعتراض جوهري.   كما أثارت باكستان اعتراضات على مشروعي كيشانجانجا وراتلي للطاقة الكهرومائية، وهما مشروعان من نوع الجريان النهري يتمتعان بالمشروعية ومتوافقان بالكامل مع أحكام المعاهدة، حيث طلبت من البنك الدولي تعيين محكمة تحكيم، متجاوزة بذلك آلية الخبير المحايد المنصوص عليها في المعاهدة.   ولا يعد اعتراض الهند على إجراءات التحكيم محاولة للتنصل من المساءلة، بل يستند إلى موقف مبدئي مفاده أن آليات تسوية المنازعات المنصوص عليها في المعاهدة يجب استنفادها بالكامل قبل اللجوء إلى التحكيم، وفقاً لما تنص عليه المادة التاسعة من المعاهدة ذاتها.   ومن ثم، فإن لجوء باكستان من جانب واحد إلى محكمة التحكيم، متجاوزة التدرج الإجرائي لتسوية المنازعات، يُعد في حد ذاته إخلالاً بالتزاماتها بموجب المعاهدة.   وفي يناير 2023، وجهت الهند إخطاراً بطلب تعديل معاهدة مياه نهر السند استناداً إلى المادة الثانية عشرة (الفقرة 3)، مشيرة إلى أن العرقلة المستمرة من جانب باكستان لآليات المعاهدة، ولجوئها الأحادي إلى التحكيم الدولي، يشكلان سلوكاً لا يتوافق مع روح المعاهدة.   ولا يمثل هذا الإجراء إلغاءً للمعاهدة من طرف واحد، وإنما آلية قانونية متاحة.   فالمعاهدة باتت تتطلب مفاوضات جديدة بما يعكس ستة عقود من المتغيرات، بما في ذلك التطورات التقنية، واحتياجات الهند التنموية على الأنهار الغربية، فضلاً عن استخدام باكستان لآليات تسوية المنازعات بسوء نية. ومن ثم، فإن الهند تمارس حقاً تكفله المعاهدة، ولا تنتهك أحكامها.   أما المقارنات التي وردت مع حالة مصر وإثيوبيا وحالة سوريا والعراق، فإنها في الواقع تضعف حجة جنجوا بدلاً من أن تدعمها.   ففي كلتا الحالتين لا توجد معاهدات ثنائية ملزمة قانوناً، وهو ما يضعف موقف دول المصب في هاتين الحالتين.   أما باكستان، فقد كانت تتمتع بمعاهدة مفصلة وملزمة قانوناً مع الهند، غير أنها أساءت استخدامها كأداة سياسية بدلاً من توظيفها لتحقيق أهداف التنمية.   إن أي تعليق مسؤول على معاهدة بهذه الدرجة من التعقيد ينبغي أن يرتقي فوق سرديات “المعتدي والضحية”. فقد صمدت معاهدة مياه نهر السند لأكثر من ستة عقود بفضل النهج السخي الذي اتبعته الهند.   وتعكس المخاوف الهندية إدراكاً مشروعاً لتغير الظروف حيث أن المعاهدة لا يمكن استخدامها للأبد كأداة سياسية لعرقلة استفادة الهند المشروعة من مياه أنهارها.   كما أن الخطاب التصعيدي الذي تتبناه باكستان يكشف بوضوح عن نواياها، ويبرر الموقف الذي تتبناه الهند.   كاتب المقال: مفوض الهند السابق لشؤون مياه نهر السند    

اقرأ المزيد »

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

error: Content is protected !!