
رندة رفعت في تحرك دبلوماسي واسع على هامش القمة الثامنة عشرة لتجمع بريكس في العاصمة الهندية نيودلهي، كثّف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لقاءاته مع عدد من أبرز قادة الدول الفاعلة في التجمع، بالتوازي مع مشاركة مصر في الجلسات الرئيسية للقمة وطرح رؤيتها بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي، وإصلاح النظام متعدد الأطراف، وأمن الطاقة والغذاء، وسلاسل الإمداد، إلى جانب الأزمات الإقليمية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والسودان والتوترات في الشرق الأوسط. وتكشف مجمل التحركات المصرية في نيودلهي عن مقاربة تتجاوز المشاركة البروتوكولية في القمة، نحو توظيف عضوية مصر في بريكس باعتبارها أداة لتوسيع شبكة الشراكات الاقتصادية والسياسية، وتعزيز موقعها كحلقة وصل بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، مستفيدة من موقع قناة السويس، واتساع السوق المصرية، ومجموعة اتفاقات التجارة الحرة التي ترتبط بها القاهرة. بريكس كمنصة لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية الدولية جاءت كلمة الرئيس السيسي أمام قادة بريكس وشركائها لتضع الرؤية المصرية في إطار أوسع يرتبط بإعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي. فالقاهرة تنظر إلى التجمع باعتباره أحد الأطر الرئيسية القادرة على تطوير التعاون بين دول الجنوب العالمي، في وقت تواجه فيه الاقتصادات الناشئة والنامية ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف التمويل، واضطرابات سلاسل الإمداد، وأزمات الطاقة والغذاء، وتداعيات التوترات الجيوسياسية. وأكد الرئيس المصري أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تنفصل عن بناء اقتصادات أكثر قدرة على الصمود، وتنويع مصادر النمو، وتعزيز التكنولوجيا والابتكار، ونقل التكنولوجيا وتوطينها، فضلًا عن توسيع التعاون جنوب–جنوب. وهنا تبدو الرسالة المصرية واضحة: بريكس بالنسبة للقاهرة ليس مجرد تجمع اقتصادي، وإنما منصة لإعادة بناء شبكة أوسع من الشراكات الدولية على أساس المصالح المتبادلة وتقليل فجوات التنمية والتمويل والتكنولوجيا. مصر تطرح موقعها الجغرافي كورقة اقتصادية استراتيجية أحد أبرز محاور التحرك المصري في القمة تمثل في التأكيد على المزايا التنافسية لمصر أمام المستثمرين والشركات الهندية. وخلال لقاء الرئيس السيسي مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، طرحت القاهرة هدفًا لرفع حجم التجارة الثنائية إلى 12 مليار دولار، بالتوازي مع العمل على زيادة الاستثمارات الهندية في مصر، خصوصًا في قطاعات التصنيع والتكنولوجيا والطاقة النظيفة وصناعة السيارات. ولا تنفصل هذه الرسالة عن الرؤية المصرية الأوسع لموقع البلاد داخل منظومة التجارة الدولية. فقناة السويس، والموانئ المصرية، وشبكات النقل واللوجستيات، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، تمثل في الحسابات المصرية أدوات استراتيجية يمكن توظيفها لجذب الاستثمارات وإعادة توزيع سلاسل القيمة والإمداد، وليس فقط كممرات لعبور التجارة. ومن ثم، فإن القاهرة تحاول تثبيت صورة مصر باعتبارها منصة إنتاج وتصدير وربط لوجستي بين أفريقيا وأوروبا وآسيا. الشراكة المصرية الهندية تدخل مرحلة اقتصادية أكثر عمقًا يحمل لقاء السيسي ومودي أهمية خاصة، في ضوء الارتقاء بالعلاقات المصرية الهندية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2023. ويبدو أن المرحلة المقبلة من العلاقات تستهدف الانتقال من الإطار السياسي والدبلوماسي إلى شراكة اقتصادية واستثمارية أكثر كثافة. فالقاهرة تسعى إلى استقطاب مزيد من الشركات الهندية في مجالات التصنيع والطاقة الجديدة والمتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعات الدوائية وتكنولوجيا المعلومات وصناعة السيارات. وفي المقابل، تشجع نيودلهي شركاتها على استكشاف الفرص الاستثمارية في السوق المصرية، بما يعزز دور القطاع الخاص ومجتمعات الأعمال في البلدين. وتكتسب هذه النقطة أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ يمكن أن تتحول مصر إلى قاعدة للشركات الهندية الراغبة في الوصول إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية. البعد الأفريقي حاضر بقوة في تحرك القاهرة لم يقتصر النشاط المصري في نيودلهي على العلاقات مع الهند، بل امتد إلى تعزيز التنسيق مع جنوب أفريقيا. وخلال لقاء الرئيس السيسي بالرئيس سيريل رامافوزا، طرحت القاهرة تطوير العلاقات الثنائية والارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، إلى جانب العمل على رفع مستوى اللجنة المشتركة بين البلدين. الأهم سياسيًا أن المباحثات حملت رؤية تتعلق بمستقبل التكامل الاقتصادي الأفريقي. فمصر شددت على أهمية مشروعات الربط القاري والممرات التجارية بين شمال القارة وجنوبها، بما يعزز التجارة البينية الأفريقية ويدعم التكامل الاقتصادي. وتتقاطع هذه الرؤية مع عضوية البلدين في الاتحاد الأفريقي والنيباد ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، فضلًا عن وجودهما داخل بريكس. وبذلك تسعى القاهرة إلى تقديم نفسها ليس فقط كدولة عربية متوسطية، وإنما كإحدى نقاط الارتباط الأساسية بين شمال أفريقيا وشرقها وجنوب القارة والأسواق الآسيوية والأوروبية. إندونيسيا والقضية الفلسطينية: توسيع شبكة التنسيق السياسي وفي لقائه بالرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، برز البعد السياسي إلى جانب الاقتصادي. وأكد الجانبان أهمية العلاقات الثنائية في ضوء توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين مصر وإندونيسيا في أبريل 2025، كما ناقشا التطورات الإقليمية، بما في ذلك الحرب الإيرانية وحرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية. وفي الملف الفلسطيني، أكد الجانبان مركزية القضية الفلسطينية وضرورة التوصل إلى تسوية عادلة على أساس حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب رفض تهجير الفلسطينيين وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية. وهذا الموقف يعكس استمرار القاهرة في استخدام علاقاتها مع القوى الآسيوية والنامية لبناء توافق سياسي أوسع حول القضية الفلسطينية، بعيدًا عن الاقتصار على الدائرة العربية والإقليمية. إيران والرسالة المصرية بشأن أمن المنطقة أما لقاء الرئيس السيسي بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فقد حمل رسالة مباشرة بشأن خفض التصعيد الإقليمي. وأكد الرئيس المصري ضرورة قيام إيران بكل الجهود الممكنة لوقف التصعيد والتوصل إلى تسوية سلمية شاملة ومستدامة، مع التشديد على صون سيادة دول المنطقة وحماية مقدرات شعوبها. كما أكدت القاهرة ضرورة وقف الاعتداءات على الدول العربية، في إطار مفهوم مصري يقوم على احترام حسن الجوار والسيادة الوطنية وعدم توسيع دائرة الصراع. ويعكس هذا الموقف محاولة مصر الحفاظ على مساحة للحوار السياسي في منطقة شديدة الاستقطاب، مع التمسك في الوقت نفسه بمبدأ سيادة الدول ورفض توسيع نطاق المواجهات. الأمم المتحدة: القاهرة تدعم إصلاح النظام متعدد الأطراف وفي لقاء الرئيس السيسي بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، ظهر البعد الدولي للتحرك المصري. فالقاهرة أكدت دعمها للتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها، إلى جانب تأييد جهود إصلاح منظومة العمل الأممي، بما يشمل ترشيد الإنفاق ومراجعة الولايات وتعزيز التنسيق بين الهيئات الدولية. ويكتسب هذا الموقف دلالة سياسية في ظل الطرح المصري المتكرر بشأن الحاجة إلى نظام دولي أكثر توازنًا وقدرة على التعامل مع مصالح الدول النامية. كما أعاد اللقاء تأكيد الأولويات المصرية تجاه غزة والسودان، حيث شدد الرئيس السيسي على ضرورة تحقيق تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، وعلى مسؤولية المجتمع الدولي في ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى سكان قطاع غزة. وفي الملف السوداني، أكدت القاهرة أن أمن السودان ووحدته وسيادته يمثل خطًا أحمر بالنسبة لمصر. جنوب أفريقيا والسودان والمياه:

















