السياسة

السياسة

معاهدة مياه نهر السند: تحليل قانوني مع إشارة خاصة إلى آلية تسوية المنازعات  

    نظام مياه نهر السند   يبلغ طول نهر السند حوالي 1800 ميل. أما روافده الغربية (كابول، وكُرَّم) فيزيد طولها على 700 ميل، في حين يبلغ مجموع أطوال روافده الشرقية (جيلوم، وتشيناب، ورافي، وبياس، وستلج) أكثر من 2800 ميل.   ويغطي حوض النهر مساحة تبلغ 450 ألف ميل مربع، ويُعد من أكبر أحواض الأنهار في العالم. ويقع معظم الحوض داخل الهند وباكستان، وقد أسهم في تشكيل تاريخ وثقافة ونظام البيئة في منطقة جنوب آسيا.   نبذة موجزة عن المفاوضات   2- أدى تقسيم الهند في أغسطس 1947 إلى نشوء نزاع حول مياه نهر السند، الأمر الذي استلزم في نهاية المطاف إجراء مفاوضات للتوصل إلى تسوية متفق عليها. وكانت “اتفاقية ما بين الدولتين” التي تم توقيعها في 4 مايو 1948 (اتفاقية دلهي) أول آلية لتنظيم استخدام المياه بين البلدين.   وبينما أقرت الاتفاقية بوجود نزاع بشأن إمدادات المياه، فقد نصت على أن “حقوق الملكية” لا تخول إقليم البنجاب الغربي المطالبة بأي حصة من مياه إقليم البنجاب الشرقي.   وقد قامت باكستان لاحقاً بإلغاء الاتفاقية في 23 أغسطس 1950.   3- وفي أوائل عام 1951، اقترح ديفيد ليلينثال، الرئيس السابق لهيئة وادي تينيسي، أن تقوم الهند وباكستان بتطوير نظام حوض السند بصورة مشتركة، بالاستعانة بالمساعي الحميدة للبنك الدولي. وعلى إثر ذلك، وجه رئيس البنك الدولي آنذاك، يوجين بلاك، في 6 سبتمبر 1951 رسالة إلى رئيسي وزراء البلدين يقترح فيها ذلك، وهو الاقتراح الذي وافق عليه الطرفان.   كما اقترح بلاك تشكيل فريق عمل يضم مهندسين من الهند وباكستان والبنك الدولي. وشهدت المفاوضات تقلبات حادة، وكادت تنهار في بعض مراحلها، غير أن إصرار البنك الدولي حافظ على استمرارها إلى أن تم توقيع المعاهدة في عام 1960.   المعاهدة وبنيتها القانونية   4- وُقعت معاهدة مياه نهر السند في 19 سبتمبر 1960 في كراتشي، ودخلت حيز النفاذ في 12 يناير 1961، بأثر رجعي اعتباراً من “تاريخ السريان”، وهو 1 أبريل 1960. وتتألف المعاهدة من 79 فقرة موزعة على 12 مادة، وتضم ثمانية ملاحق. وبينما لا تشير الديباجة إلا إلى المفوضين المخولين بالتوقيع عن الهند وباكستان، فقد وقع و. أ. ب. إيليف نيابة عن البنك الدولي، الذي يعد طرفاً في المعاهدة فقط فيما يتعلق بالأغراض المحددة في المادتين الخامسة والعاشرة، والملاحق (و)، و(ز)، و(ح).   5- وتنص المعاهدة على أنه لا يجوز تفسير أي نص فيها على أنه يؤسس لمبدأ قانوني عام أو يشكل سابقة قانونية، وقد أُدرجت الإشارة إلى السوابق القانونية لتفادي الاستناد إلى حجج تقوم على حقوق التقادم أو الارتفاق. وتخصص المعاهدة الأنهار الشرقية (رافي، وبياس، وستلج) للهند، والأنهار الغربية (السند، وجيلوم، وتشيناب) لباكستان، وذلك مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها.   الأهداف   6-       تحدد ديباجة المعاهدة أهدافها على النحو التالي:   “إن حكومة الهند وحكومة باكستان، إذ تحدوهما الرغبة في تحقيق أكمل وأفضل استخدام ممكن لمياه نظام أنهار السند، وإذ تدركان ضرورة تحديد وترسيم، بروح من حسن النية والصداقة، حقوق والتزامات كل منهما تجاه الأخرى فيما يتعلق باستخدام هذه المياه، ووضع الترتيبات اللازمة لتسوية جميع المسائل التي قد تنشأ مستقبلاً بشأن تفسير أو تطبيق الأحكام المتفق عليها في هذه المعاهدة، بروح من التعاون، فقد عقدتا العزم على إبرام هذه المعاهدة تحقيقاً لهذه الأهداف”.   آلية تسوية المنازعات   7- تحت عنوان “تسوية الخلافات والمنازعات”، تعهد المعاهدة إلى اللجنة الدائمة لنهر السند، التي تضم ممثلين عن البلدين، بدور في تسوية المسائل المختلفة، ولا سيما المسائل ذات الطابع الإداري والاستشاري.   8- وتُعد المادة التاسعة هي المادة المحورية في إطار تسوية المنازعات، إذ تميز بوضوح بين “المسألة” و”الخلاف” و”النزاع”. فأي مسألة تُعرض أولاً على اللجنة.   وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، يُعتبر أن “خلافاً” قد نشأ، ويُحال إلى خبير محايد. أما الخلاف فلا يعتبر “نزاعاً” إلا إذا كان خارج نطاق الفقرة 2 (أ) من المادة التاسعة، أو إذا أبلغ الخبير المحايد اللجنة بذلك.   9- تتمتع اللجنة بسلطة تقديرية في تقرير ما إذا كان ينبغي التعامل مع أي خلاف من خلال خبير محايد أو اعتباره نزاعاً، ولا يصدر هذا القرار إلا باتفاق داخل اللجنة.   وعند نشوء نزاع، ترفع اللجنة تقريراً إلى حكومتي البلدين، ويجوز لأي منهما دعوة الأخرى إلى تسويته بالاتفاق، كما يمكن الاستعانة بوسطاء.   ولا يجوز إنشاء هيئة تحكيم إلا باتفاق الطرفين، أو عند إخفاق المفاوضات أو الوساطة في حل النزاع.   الشروط المسبقة لإنشاء هيئة تحكيم   10- تكتسب العبارة الافتتاحية للملحق (ز) الخاص بـ (هيئة التحكيم) أهمية بالغة، إذ تنص على ما يلي: “إذا اقتضت الضرورة إنشاء هيئة تحكيم بموجب أحكام المادة التاسعة، تسري أحكام هذا الملحق.” وتفيد عبارة “إذا اقتضت الضرورة” أن هذه المرحلة لا تتحقق إلا بعد استيفاء شروط مسبقة معينة؛ فلا يجوز إحالة أي مسألة إلى هيئة تحكيم بمجرد رغبة أي من الطرفين.   ولا ينشأ النزاع إلا إذا اتفق المفوضان على اعتباره كذلك، أو إذا أبلغ الخبير المحايد اللجنة بذلك، وعندئذ فقط، وبعد استنفاد المفاوضات والوساطة، يمكن أن تقتضي الضرورة اللجوء إلى التحكيم.   11- ويبرز هنا اختلاف جوهري في طريقة التعامل بين “الخلاف” و”النزاع”. ففي حين يجوز لأي من المفوضين، بصورة أحادية، المبادرة بإحالة الخلاف إلى خبير محايد، لا يوجد حكم مماثل يجيز لأي منهما اعتبار الخلاف نزاعاً بصورة أحادية. إذ يتعين أن يكون ذلك بقرار من اللجنة وباتفاق المفوضين معاً.   ومن ثم، لا يجوز بأي حال الشروع بصورة أحادية في إجراءات إنشاء هيئة التحكيم. فالمعاهدات الثنائية تقوم عادة على مبدأ التقرير المشترك، وهو ما ينطبق أيضاً على معاهدة مياه نهر السند.   أثر الشروع في اتخاذ إجراءات أحادية، ومخالفة أحكام المعاهدة، والخيارات المتاحة للطرف الآخر   12- إذا لم يكن النزاع قد نشأ وفقاً لأحكام المعاهدة، فإن اتخاذ أي من الطرفين قراراً أحادياً بالشروع في إجراءات إنشاء هيئة تحكيم قد يشكل انتهاكاً للمعاهدة، ومن ثم يكون إجراءً غير مشروع. ومن الطبيعي أن يسعى الطرف الآخر في المعاهدة إلى البحث عن سبل الانتصاف المناسبة.   13- ويثير ذلك التساؤل التالي: إذا أخل أحد الطرفين بجانب جوهري من المعاهدة بما يقوض الغرض الأساسي منها، أفلا يجعل ذلك استمرار تنفيذها أمراً مستحيلاً؟ وكثيراً ما يُستند في هذا السياق إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 (“الاتفاقية”) باعتبارها الاتفاقية الأكثر صلة للإجابة عن هذا التساؤل، نظراً لأن العديد من أحكامها تعكس قواعد القانون الدولي العرفي.   ومع ذلك، فإن الهند وباكستان ليستا طرفين في هذه الاتفاقية، كما أن معاهدة مياه نهر السند تسبقها زمنياً.   14- ومع ذلك، وحتى إذا جرى الاحتجاج باتفاقية فيينا، فإنه يتعين قراءتها جنباً إلى جنب مع حكمها الأساسي

اقرأ المزيد »
السياسة

السردية الزائفة لباكستان ضد الهند للتغطية على سوء إدارتها لموارد المياه

كوشفيندر فوهرا الرئيس السابق للجنة المياه المركزية، والأمين بحكم منصبه لحكومة الهند، والمفوض الهندي السابق لشؤون نهر السند   هناك الكثير من المعلومات المضللة حول معاهدة مياه نهر السند (IWT)، والتي يتم نشرها عبر مقالات متنوعة تظهر في الصحف والمجلات والمنتديات الإلكترونية، بما في ذلك في باكستان.   ولا تمثل المقالات التي يكتبها من يُسمون بالنخبة أو الباحثون سوى خطاب بلاغي عام يهدف إلى تشكيل تصور عام لدى الرأي العام في باكستان، خالٍ من الحقائق.   ورغم أن الهند علّقت العمل بالمعاهدة، فمن المهم الوقوف على الأسباب الحقيقية لما يُوصف على نطاق واسع في باكستان بأنه أزمة ندرة المياه. إذ تواصل باكستان تحميل الهند مسؤولية مشكلاتها المائية، وكأن الهند ملزمة بتوفير أي كمية من المياه تراها باكستان ضرورية.   وبموجب المادة الثالثة من معاهدة مياه نهر السند، كان يقع على عاتق الهند الالتزام بالسماح بتدفق مياه الأنهار الغربية، باستثناء الاستخدامات المصرح لها بموجب المعاهدة.   وبالتالي فإن كميات المياه التي تصل إلى باكستان في أي وقت تعتمد على عوامل طبيعية مختلفة، مثل معدلات هطول الأمطار، وذوبان الثلوج في مناطق المنابع، إلى جانب الاستخدامات المسموح بها للهند.   ووفقاً لعدد من المؤسسات البحثية، تتلقى باكستان في المتوسط نحو 140 مليون فدان-قدم من المياه سنوياً في حوض نهر السند من الأنهار الغربية، وهو ما يزيد على الكمية المقدرة عند توقيع المعاهدة والبالغة 135 مليون فدان-قدم.   وفي المقابل، تشير التقارير إلى أن تدفقات الأنهار الشرقية انخفضت بنحو 15% مقارنة بالتقدير الأصلي البالغ 33 مليون فدان-قدم.   ومن ثم، يثار التساؤل: لماذا هذا الخطاب المتكرر ضد الهند؟ وعند التعمق في القضية، يتضح أن الحقيقة ليست بعيدة. فمن أصل نحو 140 مليون فدان-قدم من المياه، لا تقوم باكستان بتحويل سوى حوالي 104 ملايين فدان-قدم لأغراض الري، بينما تُهدر الكمية المتبقية داخل منظومة النقل والتوزيع أو تصب في البحر.   وعليه، فإن المشكلة الحقيقية لما يسمى بأزمة ندرة المياه في باكستان تكمن في سوء إدارة الموارد المائية المتاحة، إلى جانب مجموعة من العوامل الأخرى التي نادراً ما يناقشها الخبراء داخل البلاد.   كما يكاد يغيب أي نقاش عام حول تقاعس وإخفاق الجهات المعنية، بما فيها (الحكومة الباكستانية)، في إدارة هذا المورد الحيوي، ولا سيما في ظل التغيرات الجذرية التي شهدها الواقع المائي منذ توقيع المعاهدة عام 1960.   ويطرح ذلك تساؤلاً حول ما إذا كان تحميل الهند المسؤولية بصورة دائمة، وتبني خطاب “الضحية”، يشكل محاولة لصرف الانتباه عن المشكلة الحقيقية، والمتمثلة في سوء إدارة الموارد المائية داخل باكستان. فلنستعرض الحقائق المختلفة.   استخدام المياه في باكستان خلال خمسينيات القرن الماضي، كانت باكستان تستخدم نحو 66 مليون فدان-قدم من المياه، لري ما يقرب من 21 مليون فدان في حوض نهر السند. ومنذ ذلك الحين، ارتفع حجم المياه المستخدمة في الحوض إلى نحو 104 ملايين فدان-قدم لري حوالي 34 مليون فدان.   ويُلاحظ أن كمية المياه المستخدمة لكل وحدة من الأراضي المروية تكاد تكون مماثلة لما كانت عليه عام 1960. إلا أن الواقع على الأرض قد تغير بصورة كبيرة، إذ استمر عدد السكان في الارتفاع، مما أدى إلى انخفاض نصيب الفرد من المياه. غير أن هذا الأمر ينطبق أيضاً على الهند.   وعليه، فإن أساليب إدارة المياه التي كانت مطبقة عند توقيع المعاهدة أصبحت اليوم متقادمة تماماً، وأصبحت تستلزم فهماً أشمل للعلاقة المتداخلة بين المياه والغذاء والطاقة. وقد حققت الهند تقدماً كبيراً في هذا المجال، بينما لم تُبدِ باكستان الجدية الكافية لاتخاذ خطوات مماثلة.   وعلى الرغم من أن الهند لا تحصل إلا على 33 مليون فدان-قدم من المياه (أي ما يعادل 20% من إجمالي مياه الحوض)، فإنها تروي نحو 26 مليون فدان في الجزء الشرقي من حوض نهر السند، وهو ما يعكس تدني إنتاجية استخدام المياه في باكستان.   ضعف حوكمة الموارد المائية في باكستان أشار تقرير دراسة صادر عن مجموعة البنك الدولي بعنوان “باكستان: تحقيق استفادة أكبر من المياه” (والذي تتضمن بياناته معلومات محدثة حتى سبتمبر 2018)، إلى تقييم طويل الأجل لتأمين المياه في باكستان حتى عام 2047. وخلصت الدراسة إلى أن باكستان تُعد من الدول الغنية بالموارد المائية، بما في ذلك حوض نهر السند، وأن هناك 16 دولة فقط تمتلك موارد مائية أكبر منها.   غير أن ارتفاع عدد سكانها، باعتبارها سادس أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، يؤدي إلى انخفاض نصيب الفرد من المياه.   ويجب التأكيد هنا على أن تراجع نصيب الفرد من المياه في باكستان يرجع أساساً إلى الزيادة السكانية، في حين أن الكميات الإجمالية من المياه التي تتلقاها في حوض نهر السند لا تزال، في المتوسط، مساوية أو حتى أكبر من تلك التي كانت مقدرة عند توقيع معاهدة مياه نهر السند.     وأضاف التقرير أن التحديات المتعلقة بالأمن المائي لا تحدد بالضرورة مستقبل الدولة الاقتصادي. ومن اللافت أن هناك 32 دولة يقل فيها نصيب الفرد من المياه مقارنة بباكستان، ومع ذلك يبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها عشرة أضعاف نظيره في باكستان.   ولا توجد سوى ست دول من بين هذه الدول الاثنتين والثلاثين يقل مستوى دخلها عن باكستان، وجميعها دول أفريقية تعاني محدودية الاستثمار في الري واعتماداً كبيراً على الزراعة التقليدية المعتمدة على الأمطار.   كما يؤكد التقرير أن باكستان لا تستغل مواردها المائية على النحو الأمثل، وأن ضعف إدارة الموارد المائية يقوض أمنها المائي. وأشار إلى أن المخاطر المائية طويلة الأجل لا تحظى بالتقدير الكافي، كما أن التدابير الرامية إلى الحد منها تظل محدودة.   وأضاف أن إدارة الموارد المائية في باكستان تعاني من عدد من أوجه القصور، من بينها ضعف حوكمة البيانات المائية، وهشاشة عمليات التخطيط، وانتشار التلوث، والاستغلال المفرط للمياه الجوفية، وانخفاض إنتاجية المياه، وضعف أنظمة التنبؤ الموثوق بالفيضانات والجفاف، إلى جانب تحديات أخرى.   وبالنظر إلى أن أكثر من 90% من المياه في باكستان تُستخدم في أغراض الري، فإن من الضروري تقليل الفاقد المائي وتحسين إنتاجية استخدام المياه لمواجهة التحديات الراهنة.   كما يلفت التقرير إلى أن باكستان لم تنشئ قدرات تخزينية كافية للمياه، علماً بأن نحو 80% من التدفقات المائية السنوية ترد خلال فترة تقارب أربعة أشهر.   ومن ثم، فإن عدم توافر سعات تخزينية مناسبة يحول دون توفير إمدادات مائية موثوقة لموسم الزراعة الشتوي.   ومن ثم، فإن الاستمرار في توجيه اللوم إلى الهند بسبب أوجه القصور في الحوكمة المائية داخل باكستان لن يسهم بأي شكل في معالجة هذه المشكلات.   بل يتعين على باكستان أن تعمل بجدية على تحسين إدارة مواردها المائية، لاسيما وأن متوسط الموارد المائية المتاحة لها يُعد كافياً.   إهدار المياه وانخفاض

اقرأ المزيد »
السياسة

الحقوق المائية: استعادة حصة الهند المشروعة

  بقلم: السيد أتول جاين، الرئيس الأسبق للجنة المركزية للمياه.   إن تأكيد دولة رئيس الوزراء الموقر في خطاب عيد الاستقلال العام الماضي بأن “الحقوق المائية هي حق أصيل للمزارعين الهنود” يمثل تحولاً حاسماً في نهج الهند تجاه مياه نهر السند. وهو لا يعد بأي حال من الأحوال خروجاً عن المسار، بل هو تصحيح طال انتظاره لضبط النفس التاريخي الذي أضر بالهند بشكل غير متناسب، في حين مكن من استمرار إساءة الاستخدام في المصب.   وهو يشير إلى أن الهند لن تسمح بعد الآن بترك حصتها المشروعة من المياه دون استغلال كافٍ وإهدارها في وقت يواجه فيه مزارعوها الندرة.   عندما تم توقيع معاهدة مياه السند في عام 1960، قدمت الهند، بصفتها دولة المنبع ، تنازلاً كبيراً بالموافقة على قصر نفسها على نحو 20% فقط من مياه نهر السند، وتخصيص الحصة الأكبر البالغة 80% لباكستان.   وقد عكس هذا القرار نية طيبة استثنائية؛ وكان الأمل معقوداً على أن تقابل هذه السخاوة بسلوك مسؤول وروح تعاونية. وبدلاً من ذلك، وعلى مدى العقود الماضية، لم يتم تبادل تلك الروح بالمثل قط.   يجب أيضاً قراءة تصريح دولة رئيس الوزراء الموقر في سياق الأعمال الإرهابية المتكررة العابرة للحدود المنطلقة من باكستان، والتي أفسدت الثقة. إن الواقع القائم منذ أمد بعيد، والمتمثل في العبارة القائلة بأن “الدم والماء لا يمكن أن يتدفقا معاً”، لم يعد مجرد بلاغة لفظية.   فقد أكدت حوادث مثل هجوم بولواما الإرهابي، إلى جانب هجمات أخرى في الوادي، بما في ذلك منطقة باهالجام، كيف يقوض العداء المستمر الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الترتيبات التعاونية مثل المعاهدة.   فلا يمكن لأي اتفاق، مهما كان محكم الصياغة، أن يظل بمنأى عن الانهيار الكامل للثقة.   على المستوى الهيكلي، تضمنت المعاهدة نفسها تباينات أصبحت غير مقبولة بشكل متزايد؛ إذ فرضت قيوداً كبيرة على استخدام الهند للمياه المخصصة لها، ومع ذلك لم تفرض أي التزام مماثل على باكستان لتبرير متطلباتها أو ضمان الاستغلال الفعال.   وينعكس هذا في عدم الكفاءة علي نطاق واسع ، والخسائر في نظم الري (المقدرة بنحو 47 مليون فدان قدم)، وعدم كفاية السعة التخزينية، وسوء إدارة المياه لديهم، مما يؤدي إلى تدفق كميات كبيرة من مياه السند (تصل إلى 35 مليون فدان قدم) إلى بحر العرب دون الاستفادة منها.   وفي غضون ذلك، تحملت الهند تكلفة ضبط النفس؛ حيث ظلت مناطق مثل راجستان وهاريانا تعاني من ندره المياه، وتقيدت إمكاناتها الزراعية على الرغم من توفر المياه التي يحق للهند استخدامها. وهذا الاختلال هو بالتحديد ما يسعى التصريح إلى تصحيحه.   ومن ثم، فإن “الحقوق المائية” تتعلق بالاستغلال المشروع وليس بالمنع. إن الهند تؤكد أن كل قطرة من نظام مياه نهر السند سيتم استخدامها الآن بشكل إنتاجي في الري، والطاقة الكهرومائية، والتنمية.   وتسلط المشاريع الهندية على الأنهار الغربية، بما في ذلك “باجليهار” و”سالال”، الضوء على بُعد آخر من أبعاد التحدي. فبمرور الوقت، أدت الترسبات (الطمى) إلى تقليص كفاءتها وقدرتها التخزينية.   وقد تأخرت عمليات جرف الرواسب، وهي ضرورية للحفاظ على سلامة السدود وأدائها، لسنوات بسبب اعتراضات لا أساس لها وعقبات إجرائية وضعتها باكستان. ولم تؤدِ الحاجة الملحة في نهاية المطاف لإزالة الرواسب المتراكمة إلا إلى زيادة تكلفة مثل هذه التأخيرات .   ستعطي الهند الأولوية للتدخلات التقنية الحديثة في الوقت المناسب مستقبلًا، دون أن تظل رهينة للتحركات السياسية المغرضة والمبالغ فيها والمقنعة في شكل خلافات تقنية.           الرسالة الأعم واضحة: أولاً، ستستغل الهند بالكامل حصتها المشروعة من المياه في المناطق التي تعاني من الفقر المائي. ثانياً، لن تقبل بعد الآن بإطار يستمر فيه عدم الكفاءة والهدر دون رادع في جانب واحد، في حين يتم السعي إلى فرض قيود مصطنعة وغير علمية على الجانب الآخر.   ثالثاً، ستؤكد استقلاليتها التقنية، بما يضمن المضي قدماً في إنشاء البنية التحتية وصيانتها بوتيرة سريعة، تماشياً مع الفكر العلمي الحالي وأفضل الممارسات الدولية.   هذا ليس تنصلاً من أي مبادئ عرفية؛ بل هو استجابة لتدمير الركائز التأسيسية للمعاهدة. فعندما تُنتهك الوعود التي تدعم المعاهدة بفعل العداء والإرهاب والمعلومات المضللة وإساءة الاستخدام، يصبح إعادة ضبط الأمور أمراً حتمياً.   لعقود من الزمن، مارست الهند ضبط النفس، حتى وإن كان ذلك على حساب تنميتها بشكل ملموس. والآن، تفسح تلك الحقبة المجال لحقبة من الوضوح والتوازن.   إن “الحقوق المائية” هي التزام طال انتظاره بأن مياه الهند ستخدم شعبها، ومزارعيها، ومستقبلها.   وبينما قد تحاول بعض المصالح الخاصة تصوير ذلك خطأً على أنه تهديد، فإنه ليس سوى تصحيح مسار ضروري في سياق متغير.  

اقرأ المزيد »
السياسة

في أول موقف رسمي للأمين العام الجديد.. نبيل فهمي يدين تفجير دمشق ويؤكد دعم الجامعة العربية لاستقرار سوريا

رندة رفعت في أول موقف رسمي له تجاه تطورات الأوضاع الأمنية في المنطقة، أدان السيد نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، بأشد العبارات التفجير الإرهابي الذي استهدف مقهى للمحامين بالقرب من القصر العدلي في العاصمة السورية دمشق، اليوم الأربعاء 2 يوليو، والذي أسفر عن سقوط عدد من الضحايا والمصابين.   وأكد فهمي أن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية يمثل عملاً إرهابياً مداناً يتنافى مع جميع القيم الإنسانية والقوانين الدولية، معربًا عن خالص تعازيه ومواساته لأسر الضحايا، وتمنياته بالشفاء العاجل لجميع المصابين.   وجدد الأمين العام التأكيد على موقف جامعة الدول العربية الداعم لجهود الحكومة السورية في مكافحة الإرهاب بكافة صوره وأشكاله، وتعزيز أمن واستقرار البلاد، بما يحفظ سلامة الشعب السوري ووحدة الدولة ومؤسساتها.   وشدد فهمي على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لمواجهة الإرهاب وتجفيف منابعه، بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار في سوريا والمنطقة، مؤكدًا أن مكافحة الإرهاب تمثل مسؤولية جماعية تتطلب تنسيقًا وتعاونًا مستمرين بين مختلف الأطراف.

اقرأ المزيد »
السفر

تشكيل جديد للمجلس الخاص بمجلس الدولة برئاسة المستشار محمود أبو الدهب.. اعتماد القيادات القضائية العليا

  القاهرة – رندة رفعت أصدر السيد المستشار محمود إبراهيم محمد أبو الدهب، رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة الإدارية العليا، اليوم الأربعاء، قرارًا بالتشكيل الجديد للمجلس الخاص لمجلس الدولة، وذلك في إطار تنظيم العمل القضائي والإداري بالمجلس، واستكمال تشكيل الهيئة العليا المنوط بها إدارة شؤون مجلس الدولة والإشراف على اختصاصاته المختلفة.   وجاء التشكيل الجديد للمجلس الخاص على النحو التالي: السيد المستشار/ محمود إبراهيم محمد أبو الدهب رئيس مجلس الدولة – رئيسًا للمحكمة الإدارية العليا. السيد المستشار الدكتور/ حسين عبد الله أمين حسين قايد النائب الأول لرئيس مجلس الدولة – رئيسًا للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع. السيد المستشار/ عمر ضاحي عمر ضاحي نائب رئيس مجلس الدولة – رئيسًا لشؤون المحاكم الإدارية والمحاكم التأديبية. السيد المستشار/ طارق محمد لطيف عبد العزيز نائب رئيس مجلس الدولة – رئيسًا لإدارة التفتيش الفني. السيد المستشار/ سيد عبد الله سلطان عمار نائب رئيس مجلس الدولة – رئيسًا لمحكمة القضاء الإداري. السيد المستشار/ فتحي إبراهيم محمد توفيق نائب رئيس مجلس الدولة – رئيسًا لهيئة مفوضي الدولة. السيد المستشار/ مصطفى حسين السيد أبو حسين نائب رئيس مجلس الدولة – رئيسًا لقسم التشريع.   ويُعد المجلس الخاص بمجلس الدولة أعلى سلطة إدارية داخل المجلس، ويتولى إدارة شؤونه، والنظر في المسائل المتعلقة بتنظيم العمل القضائي والإداري، بما يضمن تعزيز كفاءة الأداء ودعم استقلال القضاء الإداري، في إطار أحكام الدستور والقانون.   ويأتي هذا التشكيل في ضوء حركة التنظيم القضائي داخل مجلس الدولة، بما يعكس الاستفادة من الخبرات القضائية الرفيعة، ودعم مسيرة تطوير منظومة العدالة الإدارية وترسيخ سيادة القانون.

اقرأ المزيد »
السياسة

تعزيزًا لدور المرأة في صنع السياسات الاقتصادية.. حزب الإصلاح والنهضة يعيّن الدكتورة مي الدراوي أمينًا للجنة التنمية الاقتصادية

قرار لرئيس الحزب الدكتور هشام مصطفى عبدالعزيز ضمن استراتيجية تطوير الكوادر وتعزيز المشاركة النسائية في العمل السياسي   رندة رفعت في خطوة تعكس اهتمامه بتعزيز دور المرأة في صناعة السياسات الاقتصادية ودعم الكفاءات الوطنية، أصدر الدكتور هشام مصطفى عبدالعزيز، رئيس حزب الإصلاح والنهضة، قرارًا بتعيين الدكتورة مي الدراوي أمينًا للجنة التنمية الاقتصادية بأمانة المرأة المركزية، وذلك في إطار خطة الحزب لتطوير هياكله التنظيمية والاستفادة من الخبرات المتخصصة. واستند القرار إلى أحكام القانون رقم (40) لسنة 1977 بشأن نظام الأحزاب السياسية وتعديلاته، فضلًا عن النظام الأساسي واللائحة الداخلية للحزب، بما يعكس التزام الحزب بالأطر القانونية والتنظيمية في إدارة شؤونه الداخلية.   ونص القرار على تولي الدكتورة مي الدراوي مسؤولية قيادة لجنة التنمية الاقتصادية بأمانة المرأة المركزية، على أن يُنشر القرار عبر المنصات الرسمية للحزب، ويُعمل به اعتبارًا من تاريخ صدوره مع إلغاء أي قرارات سابقة تتعلق بالموضوع.   ويأتي هذا التعيين في وقت يولي فيه حزب الإصلاح والنهضة اهتمامًا متزايدًا بتمكين المرأة سياسيًا واقتصاديًا، انطلاقًا من قناعته بأن توسيع مشاركة النساء في اللجان المتخصصة يمثل ركيزة أساسية لدعم عملية صنع القرار، وإثراء النقاش حول القضايا الاقتصادية والتنموية.   كما يعكس القرار توجه الحزب نحو الاستفادة من الكفاءات والخبرات القادرة على تقديم رؤى عملية تسهم في دعم أولويات التنمية، وتعزيز دور اللجان النوعية في إعداد المبادرات والسياسات التي تستجيب للتحديات الاقتصادية، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة ورؤية الدولة المصرية لبناء اقتصاد أكثر تنافسية وشمولًا.   ويؤكد حزب الإصلاح والنهضة من خلال هذا القرار مواصلة نهجه في الاستثمار في الكفاءات الوطنية، وترسيخ مفهوم المشاركة المؤسسية، بما يعزز من حضوره في المشهد السياسي، ويدعم مساهمة المرأة في صياغة السياسات العامة وصناعة المستقبل.

اقرأ المزيد »
السياسة

 العلاقات المصرية التركية تشهد مرحلة جديدة من الشراكة في جنوب الصعيد

رندة رفعت عقد سفير الجمهورية التركية لدى مصر، صالح موطلو شن، مؤتمرًا صحفيًا موسعًا بالقاهرة، استعرض خلاله مسار العلاقات المصرية التركية، مؤكدًا أن العلاقات بين البلدين تشهد تطورًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، في ظل الإرادة السياسية المشتركة لتعزيز التعاون في مختلف المجالات.   وأكد السفير أن مصر وتركيا ترتبطان بعلاقات تاريخية وثقافية واقتصادية عميقة، مشيرًا إلى أن المرحلة الحالية تمثل فرصة مهمة للبناء على هذا الإرث المشترك، والانطلاق نحو شراكة أكثر اتساعًا في مجالات التجارة والاستثمار والصناعة والثقافة والسياحة والتعليم.   وأوضح أن التعاون الاقتصادي يعد أحد أبرز محاور العلاقات الثنائية، لافتًا إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين يواصل النمو، مع وجود رغبة مشتركة في رفع معدلات التجارة والاستثمارات المتبادلة، وتشجيع رجال الأعمال على تنفيذ مشروعات جديدة تسهم في دعم الاقتصادين المصري والتركي وتوفير فرص العمل.   وأشار إلى أن الشركات التركية العاملة في مصر تواصل توسعها في العديد من القطاعات الصناعية والإنتاجية،وخصوصا المنيا ،مؤكدًا أن السوق المصرية تمتلك مقومات كبيرة لجذب المزيد من الاستثمارات، في ظل ما تشهده من تطوير للبنية التحتية، وإقامة مناطق صناعية ولوجستية حديثة، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي الذي يجعلها بوابة للأسواق العربية والإفريقية.   وفي الشأن الثقافي، أكد السفير أن العلاقات بين الشعبين تمثل الركيزة الأساسية للعلاقات الثنائية، مشددًا على أهمية تكثيف الأنشطة الثقافية والفنية والأكاديمية، وزيادة برامج التبادل بين الجامعات والمؤسسات التعليمية، بما يسهم في تعزيز التقارب بين الشعبين.   وأضاف أن تركيا تحرص على المشاركة في الفعاليات الثقافية التي تستضيفها مصر، إلى جانب تنظيم أنشطة مشتركة تعكس عمق الروابط الحضارية بين البلدين، مؤكدًا أن الثقافة تعد أحد أهم الجسور لتعزيز التفاهم والتواصل بين الشعوب.   وتناول السفير كذلك التعاون في قطاع السياحة، مشيرًا إلى وجود فرص كبيرة لزيادة حركة السياحة المتبادلة، خاصة في ظل الإمكانات السياحية التي تمتلكها كل من مصر وتركيا، وما تتمتعان به من مقومات تاريخية وحضارية وطبيعية متميزة.   كما تطرق إلى عدد من القضايا الإقليمية، مؤكدًا أهمية استمرار الحوار والتنسيق بين القاهرة وأنقرة بشأن الملفات ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة، ويعزز جهود تحقيق السلام والتنمية.   وأشار إلى أن العلاقات المصرية التركية لا تقتصر على الجوانب السياسية والاقتصادية، وإنما تشمل أيضًا التعاون في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والنقل، مؤكدًا أن هناك فرصًا واسعة لتوسيع الشراكات خلال المرحلة المقبلة.   وفي ختام المؤتمر، أعرب السفير صالح موطلو شن عن ثقته في مستقبل العلاقات بين البلدين، مؤكدًا أن الفترة المقبلة ستشهد مزيدًا من التعاون والتنسيق على مختلف المستويات، بما يحقق المصالح المشتركة للشعبين المصري والتركي، ويعزز من مكانة البلدين كشريكين رئيسيين في المنطقة.   كما اعرب عن سعادته بتخرج نجله، مؤكدًا اعتزازه ببدء مسيرته العملية، ومتمنيًا له التوفيق والنجاح في حياته المهنية.

اقرأ المزيد »
السياسة

بين البيان والقرار : رهان فهمي على «بيت العرب»

  بقلم الدكتور /علي صالح موسى  اعتمد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، خلال اجتماعه يوم 22 يونيو (حزيران) 2026 في الأردن وبتفويضٍ من القادة العرب، تعيين الدبلوماسي المصري المخضرم نبيل فهمي أميناً عاماً للجامعة لمدة خمس سنوات اعتباراً من مطلع الشهر المقبل يوليو (تموز) ، خلفاً لأحمد أبو الغيط الذي قاد المنظمة عشر سنوات. وبذلك يصبح فهمي الأمين العام التاسع منذ تأسيس الجامعة عام 1945، في توقيت وصفه بأنه «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية».   ولم يكن اختياره بالإجماع مجرد إجراء إداري، بل رسالة سياسية هدفها تدعيم التضامن العربي، كون التعيين جرى على المستوى الوزاري بتفويض من قمة تعذّر التئامها في ظل ظروف المنطقة، فنال شرعية القمة دون انعقادها.   في ميزان الأرقام تبدو جامعة الدول العربية منظمةً بالغة النشاط. فعلى امتداد ثمانية عقود من العمل، أنتجت مجالسها وقممها ما يقارب ثلاثة عشر ألف قرار؛ نحو 926 قراراً على مستوى القمم الاعتيادية، و9249 قرارا على مستوى وزراء الخارجية وحده، وما يفوق 2500 قرار في المجلس الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب 269 بياناً وشبكةٍ مؤسسية تضم أكثر من عشرين منظمةً واتحادا متخصصاً، وعشرات من اللجان الوزارية، وأمانة عامة موزّعة على تسعة قطاعات تنفيذية. غير أن هذا الزخم الكمّي يصطدم بسؤال محيّر: لماذا تتهم الجامعة بالعجز والغياب؟   لا تكمن المشكلة في ضعف الجامعة ، بل في طبيعة مخرجاتها.   فالقرار في الجامعة، بحكم قاعدة الإجماع المتوارثة منذ ميثاق 1945، مُلزِم لمن يقبله فقط؛ وهو ما حوّل آلاف القرارات إلى نصوصٍ تعبيرية أكثر منها أدوات تنفيذ. فالجامعة في بنيتها منظمة حكومية – تنسيقية أداتُها بيد الدول، لا كيان يُلزم أعضاءه أو يعاقب المخالف، ولهذا فإن نشاطها يعكس توازنات النظام العربي وانقساماته أكثر مما يتجاوزها أو يصنع واقعاً جديداً.   وبهذا المعنى، لا يصحّ قياس فاعلية الجامعة بعدد ما تصدره من قرارات، بل بنسبة ما يتحوّل منها إلى التزام فعلي على الأرض، وهي النسبة التي ظلّت متواضعة في الملفات السياسية والأمنية الكبرى.   ومن المفارقات الدالة أن البُعد «الوظيفي» للجامعة ظل أكثر حيوية من بُعدها السياسي. فالمنظمات المتخصصة، من صندوق النقد العربي إلى «الألكسو» والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري ومنظمة العمل العربية والمنظمة العربية للتنمية الإدارية و«أكساد» و«عربسات»، حقّقت إنجازات ملموسة في التمويل والتعليم والنقل والاتصالات والزراعة، بينما بقي الأداء السياسي والأمني هو الحلقة الأضعف.   وكأن الجامعة تنجح حيثما لا تتقاطع المصالح السيادية ، وتتعثّر حيثما تتقاطع؛ وهي ملاحظة تفسّر لماذا تُختزل الجامعة في الأذهان بصورتها السياسية المتعثّرة رغم رصيدها الوظيفي المتراكم.   خلف الواجهة السياسية للجامعة تمتدّ منظومة واسعة هي مصدر حيويتها الوظيفية. فمنذ تعديل المادة الثامنة من معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي عام 1977، اصبح المجلس الاقتصادي والاجتماعي المرجعيةَ لمنظمات العمل العربي المشترك، تدور في فلكه أكثر من عشرين منظمة واتحادا متخصصاً تعمل بوصفها «بيوت خبرة». وهي موزعة بين الكويت وأبوظبي والقاهرة وتونس ودمشق والرباط والرياض والخرطوم، حقّقت إنجازات ملموسة ومقدرة    وإلى جانب هذه المنظمات والاتحادات ، يعمل نحو ثمانية عشر مجلساً وزارياً متخصصاً، يضم كل منها جميع الدول الأعضاء ويجتمع سنوياً عبر مكتبٍ تنفيذي وسكرتارية فنية في الأمانة العامة، وتتوزّع على المجالات الاقتصادية (النقل والكهرباء والمياه والسياحة والبيئة) والاجتماعية (الصحة والشباب والسكان)، فضلاً عن مجالس العدل والداخلية والإعلام والأمن السيبراني المستحدث عام 2023 ومقره امانته الفنية في الرياض .   وتُكمل الصورةَ شبكة من اللجان الوزارية ذات الطابع السياسي التي تتولّى متابعة ملفات بعينها كمبادرة السلام العربية وملفات فلسطين وسوريا والسودان والسد الإثيوبي وكذلك اللجان الفنية الدائمة التي ترفع توصياتها إلى المجلس الوزاري تمهيداً لاعتمادها. غير أن هذه المنظومة المترامية، على ثرائها، تظل بحاجة إلى تحديث في الحوكمة يربط نشاطها بنتائج ملموسة.   وعن فكرة الإصلاح فهي لم تكن غائبة يوما؛ فهي مسار مستمر تعود محاولاته إلى ماقبل تسعينيات القرن الماضي، وتجدّد في مشروع قرار قمة الجزائر عام 2022 الذي أكّد الأهمية القصوى للتطوير.   وهناك مقاربة للإصلاح توصي بمراجعة الميثاق ومنصب الأمين العام وأوجه الإنفاق، مع ترشيد نفقات البعثات الخارجية ، و مقترحات الانتقال من الإجماع إلى الأغلبية المُلزِمة، وتعزيز صلاحيات الأمانة العامة، وإقرار دورية منتظمة للقمم وتداول منصب الأمين العام، وإنشاء «مجلس أمن عربي»،    ولا يقتصر الإصلاح المنشود على البنية السياسية، بل يطال هذه الأجنحة الفنية أيضاً. فثمة مقترحات متداولة داخل الأمانة العامة وفرق العمل لإعادة هيكلة اللجان الفنية ومعالجة الازدواج في اختصاصات المنظمات، وتغيير آلية عمل المجالس الوزارية المتخصصة وتوظيف الذكاء الاصطناعي في دعم القرار، وحسم مستقبل مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بين الدمج أو التعديل أو الإلغاء، وتطوير المجلس الاقتصادي والاجتماعي كآلية حاكمة تربط القرار بالتمويل والمتابعة ، مع إدماج التنمية المستدامة والرؤية العربية 2045 إطاراً مرجعياً.   وكل المقترحات على وجاهتها تصطدم بحقيقةٍ يصعب الالتفاف عليها: وهي ان المشكلة ليست في النص وحده. فكثير من المنظمات الدولية لا تملك سلطة إلزامية ومع ذلك تؤدي أدوارها بفعالية، لأن خلفها إرادةً سياسية جامعة. والعقبة الكبرى أمام الجامعة هو النظام العربي ذاته أمام صعود فواعل غير عربية    وفي أولى رسائله، حدّد فهمي مسارين للمرحلة المقبلة: تطوير آليات عمل المنظمة بما يواكب التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة، وتكثيف التشاور والتنسيق العربي لمواجهة الأزمات وتحويل التحديات إلى فرص.   ويرى مراقبون أن أولويته الأولى ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة بوصفها بيت للتوافق لا مجرد منصة ذات صفة بروتوكولية لإصدار البيانات؛ وهنا يأتي التحدي الأصعب بإقناع الدول الأعضاء بأن المنظمة قادرة على إنتاج «قيمة سياسية مضافة» وإدارة الخلافات بصورة مؤسسية. ويُتوقع أن تتضمن أجندته اجتماعاتٍ أكثر انتظاماً لوزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، وتفعيل أدوات الإنذار المبكر، وتوظيف التكنولوجيا في دعم القرار، وربط الجامعة بقضايا التنمية والطاقة والأمن الغذائي والمائي، فضلاً عن دعوته إلى عدم حصر خيارات العرب في شريك واحد وتنويع الشراكات مع موسكو وبكين وأفريقيا للاستفادة من التوازنات الدولية.   ومن هنا يصبح التشاور المنتظم بين العواصم العربية، الذي يضعه فهمي في صدارة أولوياته، البوابةَ الأولى لإعادة بناء الثقة؛ فمتى نجحت الجامعة في توفير منصةٍ موثوقة لتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة، اصبح تطوير المنظمة نفسه أكثر قابليةً للتحقيق.   تبقى جامعة الدول العربية، في المحصلة، صوتاً جماعياً لا يُستغنى عنه؛ يحفظ الحد الأدنى من فكرة «البيت العربي »، ويمنح المواقف شرعيةً رمزية، وينسّق تعاونا مثمراً، قد يجعل منها قوةً قادرة على فرض أمنٍ جماعي أو سياسةٍ خارجية موحّدة. وهنا يكمن التحدي في أن يحوّل «بيت العرب» من جامعة للدول العربية تعكس الانقسامات إلى أداةٍ تسهم في تجاوزها.   الإصلاحٍ الحقيقي لن يُقاس بعدد القرارات الجديدة، بل بقدرة العرب على تحويل قرارٍ واحد إلى فعلٍ ؛ وذلك، في نهاية المطاف، قرار سياسي قبل

اقرأ المزيد »
السياسة

تحذير أممي: النساء أول ضحايا الأزمات الاقتصادية في المنطقة العربية.. ومطالب بتحرك عاجل لإنقاذ الوظائف والدخل

رندة رفعت حذّر موجز سياسات جديد من التداعيات المتسارعة للأزمات الاقتصادية على أوضاع النساء في المنطقة العربية، مؤكدًا أن استمرار الضغوط المالية يهدد بتقويض المكاسب التي تحققت في مجال مشاركة المرأة في سوق العمل، ويزيد من مخاطر الفقر وعدم المساواة.   وأشار الموجز إلى أن النساء يتعرضن بصورة أكبر لخسائر الوظائف وتراجع فرص العمل، خاصة مع ارتفاع نسبة العاملات في القطاع غير المنظم، الذي يفتقر إلى مظلات الحماية الاجتماعية والتأمينات وإعانات البطالة، الأمر الذي يجعلهن أكثر عرضة لفقدان مصادر الدخل خلال فترات الركود الاقتصادي.   وأضاف أن الشركات والمؤسسات التي تقودها نساء تواجه تحديات متزايدة نتيجة تشدد شروط الإقراض واستمرار العقبات الهيكلية التي تحد من فرص الحصول على التمويل، ما ينعكس سلبًا على قدرتها على الاستمرار، والحفاظ على الوظائف، وتوسيع أنشطتها.   ودعا موجز السياسات إلى تبني إجراءات عاجلة وموجهة لحماية النساء من التداعيات الاقتصادية، تشمل توسيع برامج دعم الدخل والحماية الاجتماعية للعاملات في القطاعين الخاص وغير الرسمي، والحفاظ على الإنفاق في قطاعي التعليم والصحة، إلى جانب توفير أدوات تمويل أكثر مرونة للمشروعات التي تقودها نساء.   كما شدد على أهمية ضمان ألا تؤدي سياسات تجميد التوظيف في القطاع العام إلى تقليص فرص الشابات في الالتحاق بسوق العمل، مع تعزيز نظم رصد أسواق العمل من خلال جمع وتحليل بيانات مصنفة حسب الجنس، بما يدعم رسم سياسات أكثر عدالة وكفاءة.   وأكد الموجز أن حماية فرص عمل النساء لم تعد قضية مرتبطة بالمساواة بين الجنسين فحسب، بل أصبحت ركيزة أساسية لتحقيق التعافي الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الاجتماعي وضمان التنمية المستدامة في الدول العربية، محذرًا من أن تجاهل هذه التحديات قد يفاقم الفجوات الاقتصادية والاجتماعية لسنوات مقبلة.

اقرأ المزيد »
السياسة

سفير الصومال لدى مصر يترأس الاجتماع الدوري لمجموعة سفراء الدول الإفريقية بالقاهرة ويبحثون تعزيز التعاون المشترك وأولويات المرحلة المقبلة

رندة رفعت ترأس سعادة السفير علي عبدي أواري سفير جمهورية الصومال الفيدرالية لدى جمهورية مصر العربية والمندوب الدائم لدى جامعة الدول العربية،اليوم، الاجتماع الدوري لمجموعة سفراء الدول الإفريقية المعتمدين في القاهرة، بمشاركة عدد من السفراء والممثلين الدبلوماسيين للدول الإفريقية. وناقش الاجتماع عددًا من الموضوعات ذات الأولوية لتعزيز التعاون الإفريقي، وفي مقدمتها مراجعة أنشطة المجموعة خلال الفترة الماضية، واستعراض خطط العمل والأولويات المشتركة للمرحلة المقبلة، إلى جانب بحث سبل تعزيز التنسيق والتعاون الدبلوماسي بين الدول الإفريقية، وعدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.   وفي كلمته الافتتاحية، أكد السفير علي عبدي أواري أن استضافة الصومال لهذا الاجتماع تمثل مصدر فخر واعتزاز، مشددًا على الدور التاريخي الذي تضطلع به الصومال في دعم وحدة القارة الإفريقية، والتزامها الراسخ بتعزيز العمل الإفريقي المشترك وتطوير آليات التعاون بين الدول الأعضاء.   كما استعرض السفير ما تشهده الصومال من تطورات على مختلف المستويات، مشيرًا إلى أن البلاد تمضي بخطى ثابتة نحو تنفيذ رؤية الصومال الوطنية 2060، التي ترتكز على ترسيخ الأمن والاستقرار، وتعزيز الوحدة الوطنية، وبناء مؤسسات الدولة، وتحفيز النمو الاقتصادي، ودعم الابتكار، وتوطيد علاقات الصومال مع الدول الإفريقية والمجتمع الدولي.   وخلال الاجتماع، قدمت سفارة جمهورية الصومال الفيدرالية في القاهرة فيلمًا وثائقيًا استعرض أبرز إنجازات الحكومة الفيدرالية ورؤية الصومال 2060، مسلطًا الضوء على ما تحقق من تقدم في مسيرة التنمية، والفرص الاستثمارية الواعدة، ومؤشرات النمو الاقتصادي، والأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى للدولة.   وأشاد سفراء الدول الإفريقية بحسن تنظيم واستضافة الصومال للاجتماع، مثمنين الجهود التي بذلها السفير علي عبدي أواري وفريق عمل السفارة لإنجاح أعماله.   كما أثنوا على ما تحقق من إنجازات في الصومال، مؤكدين أن العرض المقدم عكس بوضوح حجم التقدم والإصلاحات الجارية، والطموحات التنموية التي تتبناها الحكومة الفيدرالية ضمن رؤية 2060.   وفي ختام الاجتماع، أعرب السفير علي عبدي أواري عن خالص شكره وتقديره لسفراء الدول الإفريقية على مشاركتهم الفاعلة ومداخلاتهم البناءة، مؤكدًا تطلع الصومال إلى مواصلة تعزيز التعاون والتنسيق مع الأشقاء في القارة، بما يسهم في تحقيق مزيد من التنمية والازدهار لإفريقيا

اقرأ المزيد »

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

اخر الاخبار

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

error: Content is protected !!