الكاتب والباحث السياسي – أحمد شيخولدى محاولة البحث في أزمات المنطقة ومحدداتها ومضامينها وبنيتها الإشكالية وأبعادها و خاصة من الناحية الاجتماعية الاساسية التي ترسم ملامح معظم الأبعاد والمحددات الأخرى للأزمة نجد قضية الإدارة وماهيتها وبنيتها والذهنية التي تجسدها ممارسة وسلوكاً ، هي التي لها التأثير الكبير في إخراج الأزمات وتصدريها بالأشكال والصيغ المختلفة للوسط للاجتماعي.ورغم قيام الكثير من ثورات الشعوب والمجتمعات في المنطقة والعالم وحركات التحرر الوطنية ،إلا أن الثورة المضادة هي من كانت التي تسود بعد فترة قصيرة من ظن الثوار أنهم انتصروا ، وذلك لأن الثورات والثوار لم ينقطعوا عن نفس نظام الإدارة السابق من الحكم السلطوي المركزي ، فهم إما تسلموا السلطة فتمركزوا وفسدوا وأضاعوا البوصلة المجتمعية أو أنهم لغوا الإدارة والحكم الطبيعي الجماعي كلياً فتفردوا صوب الفوضوية وعدم وجود اية إدارة وفتحوا الباب والمجتمع لكل التدخلات. وفي الحالتين الهزيمة ظلت هي النتيجة ولو بعد حين.تنبع أحد البنود الأساسية في القضية الاجتماعية من اعتداء السلطة المركزية والدولتية على ظاهرة الإدارة واغتصابها باسم الثورية والوطنية والقومية. ذلك أنه، ومن دون الاعتداء على الإدارة وتحريفها وتشويهها؛ لا يمكن للظواهر الأخرى من القمع والنهب والتبعية للخارج أن تتحقق، ولو تحققت، فستكون مؤقتة؛ نظرا لعدم التمكن من مأسسة القمع والاستغلال والنهب. أي أنه تتأسس آليات القمع والاستغلال والنهب على المجتمع، بالتناسب طردا مع مدى تحقق الانقضاض وإضعاف الإدارة المجتمعية الذاتية والتعدي عليها ومحاولة تصفيتها. وهكذا تصبح جميع الظواهر الاجتماعية في مستنقع القضايا الإشكالية المتأزمة بدون اية حلول.إن نظام المجتمع الطبيعي الذي تم إضعافه قد تفتت بالحكم الهرمي المركزي ومن يومها يواجه ذلك النظام الطبيعي القضايا الاجتماعية الداخلية في بنيته اساساً وكذلك القضايا القادمة من التفاعل مع المحيط والخارج وهكذا تفاقمت وازدادت ثقل القضايا وترسخها طردياً في ثنايا الثقافة المادية والمعنوية المجسدة والمعبرة عن المجتمع وتدفق الحياة فيه.ويمكننا القول أن النزاعات والصراعات بين الصيغ الاجتماعية المختلفة من الكلانات والقبائل والعشائر والتجمعات المختلفة وصولاً لدول المدن والمدنيات والإمبراطوريات والممالك والسلطنات والسلالات تشير إلى البنية الإشكالية تلك. و الأفكار الميثولوجية والمصطلحات الإلهية المختلفة البارزة وكذلك الأديان السماوية والعلمانوية الوضعية في العالم الذهني والتفكري والمؤسساتي في مضمونها هو تعبير عن القضايا الاجتماعية المتزايدة تلك وتداعياتها. و بمقدورنا رصد كل هذه الظواهر في المجتمع السومري وما تلاه . فالحروب الناشبة بين الآلهة وبأسمائهم وأماكنهم المختلفة ، ليست في حقيقة الأمر سوى إشارة إلى علاقات الإنتاج و تنافر وصدام المصالح فيما بين السلالات الهرمية المتصاعدة وحكام دولة المدينة والمركزية التي ترسخت مع الصراعات والنتائج والتداعيات المرافقة لها. وكانت نماذج أولية من صراعات السلطة والنفوذ، والاحتكارات الاستغلالية، ورغبة النهب والسرقة والقضايا الاجتماعية للصراعات الجذرية الكائنة في أرضية واساس التناقضات والمشادات الطبقية بين المدينة والريف وكذلك بين الطبقات التي بدأت تتبلور بشكل فارق و تبلور علاقات الإنتاج والربح والدولتية والمركزية. وهذه كانت منذ 4000 ق.م في ميزوبوتاميا السفلى، وثم جميع مجتمعات المدنيات والأنظمة المركزية السائدة حتى اليوم .ومع هذه الصراعات واشتدادها ظهرت الإدارة المركزية السلطوية أي الحكم الدولتي منتصراً وساد لأسباب عديدة ، إلا أن المجتمع وطبيعته الإنسانية لم يتخل أبداً عن رغبته في إدارة ذاته، بل كرر دوماً من مطالبه وحقه في الإدارة المجتمعية الذاتية الديمقراطية كحاجة أولية للطبيعية الإجتماعية في وجه الحكم السلطوي المركزي الدولتي المصطنع. وظلت المجتمعات وببناها وهياكلها المختلفة من العشائر والقبائل والاتحادات والخصوصيات المختلفة والتجمعات العديدة تعيش وهي معنية ومعبأة بالوعي والإدراك العميق المنتبه إلى أن التخلي عن الإدارة المجتمعية الذاتية الديمقراطية يعني التشرد و الأسر وفقدان الهوية وقبول الخضوع والذل والمهانة وفقدان الحماية. ويمكننا رصد الكثير من حركات المقاومة للمجتمعات في سبيل صون هويتهم وعدم التخلي عن إردتهم الحرة و إدارتهم الذاتية وذهنيتهم التشاركية. ونستطيع ملاحظة هذه الظاهرة بنحو واسع النطاق حتى يومنا الحالي. و كما أن المقاومات والهجمات التي واجهتها المدنية السومرية على يد الأراميت الذين هم قبائل صحراوية (القبائل العربية البدئية) غرباً، وقبائل الكوتيين و الهوريين (أسلاف الكرد ) شمالاً وشرقاً، والتي يتم ذكرها في اللوحات السومرية على شكل ملاحم هي تعابير عن تلك الحالة من الإصرار على الحرية والإدارة المجتمعية وعدم القبول بالخضوع التام للمركزية الدولتية السائدة مع السومريين وما تلاهم.قضية الإدارة الذاتية للخصوصيات وللبنى المجتمعية المختلفة وهياكلها وللاتحادات والتجمعات المجتمعية تتجسد وتتبلور في هيئة قضية الديمقراطية خلال مراحل التحول إلى قوم أو ملة أو شعب أو أمة مع الإسلام وما تلاها منذ القرون الوسطى. لكن من المهم والواجب تعريف الديمقراطية بجانبين أو بصفتين فيها:1- احتواؤها العكس و التضاد لمأسسة وتدويل السلطة القسرية المفروضة على الشعب وتمركزها الشديد.2- إعطائها المساحة وإضفاؤها المزيد من التوافق والتشاركية على الإدارة الذاتية المتبقية من المجتمع التقليدي، ومأسستها لثقافة النقاش والاجتماعات والحوار، معززةً إياها بتأسيس نموذج مصغر من البرلمان والشورى ومجالس النقاش والحوار. حيث تحقق الإدارة المجتمعية الذاتية الديمقراطية مشاركة جميع الوحدات الاجتماعية والاتحادات المعنية والخصوصيات المختلفة بوصفها ذاتية ديمقراطية إدارية، وتؤمن تمأسسها وترسخها.ومن المفيد ذكر بعض نماذج مهمة في المسار التاريخي للديمقراطية :1- ديمقراطية أثينا: لا تعتبر ديمقراطية أثينا ديمقراطيةً كاملة، كونها لم تتخط العبودية. وفي الوقت نفسه لا تعد دولةً أيضاً، كونها لم تقبل التدول الذي في نموذج أسبرطة(Sparta)، وهذا المثال اللافت للإنتباه على صعيد الانتقال من الديمقراطية التامة نحو الدولة، يمدنا بالعديد من الدروس التي تسري على يومنا أيضاً بشأن الديمقراطية الحقة. فالديمقراطية المباشرة، وانتخاب الإدارة بالانتخابات السنوية، وعدم امتلاك المنتخبين أية امتيازات تفوق على عامة الناس، وظاهرة الإدارة المسارة بالديمقراطية، وثقافة الاجتماعات التي تؤمن مشاركة المواطنين في النقاشات الحياتية و السياسية، وبالتالي تحقق تعبئتهم بالتدريب والوعي؛ كل ذلك قيم متبقية من إرث ديمقراطية أثينا إلى الحاضر.2- ديمقراطية سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام: وتجسد ذلك في دستور المدينة أو صحیفة المدینة في المدينة المنورة( يثرب) في عام 623م ,هو أول دستور مدني في تاريخ الحضارة الإسلامية ويحتوي على 52 بنداً منها 27 بند مرتبط بالعلاقة بين أصحاب الأديان والقبائل، ولاسيما اليهود و حتى عبدة الأوثان و يبقى هذا الدستور الديمقراطي معلماً من معالم الحضارة الإسلامية والثورة المحمدية ومجدها السياسي والإنساني و الديمقراطي. و تمت كتابته فور هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، ويهدف دستور المدينة إلى تحسين العلاقات وكيفية التفاعل بين مختلف الطوائف والجماعات والقبائل والعشائر في المدينة، وعلى رأسها المهاجرين والأنصار و اليهود وغيرهم، حتى يتمكن بمقتضاه المسلمون واليهود وجميع التكوينات المجتمعية من العيش المشترك و من التصدي لأي عدوان خارجي على المدينة. وبإبرام هذا الدستور وبإقرار جميع التكوينات الاجتماعية صارت المدينة المنورة حالة ودولة وفاقية تشاركية ديمقراطية ولجميع التكوينات وفقها حق الحماية الذاتية والعيش بالخصوصية المجتمعية الديمقراطية وإدارة أمورها الخاصة وصارت جميع الحقوق الإنسانية مكفولة، كحق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، والمساواة والعدل. 3- ديمقراطية زرادشت: