كتاب الرأي

المرأة: ولادة التنظيم من رحم الفوضى الخلاقة

تعرضت المرأة عبر التاريخ لأشد أنواع القمع والاضطهاد عبر آلة العنف الممنهج بفعل السلطة المدركة بأن تحويل المجتمعات إلى قطيع والتحكم بزمامها يمر عبر استعباد واضطهاد المرأة، وعلى هذا الأساس عملت السلطة على بناء جميع استراتيجياتها وفق هذه العقلية.حيث لجأت السلطات إلى تبني استراتيجيات وسياسات شتى ومتغيرة ومتكيفة مع المتغيرات والتطورات التي تعتري المجتمعات عبر صيرورتها التاريخية بفعل تطور الوعي والإدراك وعامل الحضارة والنضالات المتطلعة نحو التحرر، مع سابق الإصرار بالإبقاء على أداتها المتمثلة بالعنف التي أثبتت فاعليتها عبر العصور مع تطوير أساليبه وأشكاله وفق الظروف الزمكانية، مسخرة جميع العلوم والمعارف والتكنولوجيا لشرعنته على أنه حالة طبيعية وجزء من سلوكيات الحياة اليومية ويجب التكيف والتعايش معه.حتى الآن حققت مكتسبات عظيمة في هذا المنحى إلا أن تلك الاستراتيجيات والسياسات في جميع المراحل التاريخية جوبهت ولم يتم التكيف معها، كونها مناهضة للطبيعة البشرية الحرة بالفطرة. وعلى هذا الأساس وبالرغم من اتباع السلطات سياسات التجويع في مسعى منها لحصر اهتمام وتفكير شعوبها في إطار تأمين الحاجات البيولوجية الضرورية فقط، إلا أنها وبسبب الإفراط في فرضها على المجتمعات تحولت إلى براكين للانفجار في وجهها مطالبة بالتغيير والدمقرطة والمواطنة الكريمة.حظيت تلك الانتفاضات بالمشاركات النسوية الواسعة عبر العصور والأمكنة لكونها أكثر الشرائح المجتمعية تعرضاً للاضطهاد، وبفعل النضالات التي خاضتها والتضحيات التي قدمتها حققت مكتسبات كبيرة وصانتها عبر دساتير بلدانها والارتقاء بها شيئاً فشيئاً كما هو في الغرب. وما زالت ماضية في نضالها ومناهضتها لجميع سياسات التمييز الجنسي وتحقيق المساواة في الحقوق والواجبات.ومع اجتياح ثورات الربيع للمجتمعات الشرق أوسطية وأفريقية سرعان ما انخرطت فيها المرأة على أوسع نطاق ممكن، لعلها تتمكن من تحقيق تقدم في سلم تحررها وضمان حقوقها دستورياً عبر تغيير بنية أنظمة الحكم التي بنيت في جوهرها على استعباد المرأة واضطهادها.وبعد عقد من الزمن على الفوضى الخلاقة التي تعمّ المنطقة بأسرها ونحن مقبلون على الاحتفال بيوم الثامن من آذار يوم المرأة العالمي، لما يحمله هذا اليوم من رمزية لانتصارات ومكتسبات المرأة نتيجة التضحيات والنضالات التي قدمتها عبر العصور.. بعد عقد من الزمن حيث كانت المرأة تستبشر خيراً بتغيير واقعها نحو الأفضل وإحداث طفرات نوعية على صعيد تحررها وكسر الصورة النمطية المصطنعة عنها، وتحطيم التابوهات وإعادة تصويب المفاهيم والتصورات التي تناولت قضية المرأة ونمط حياتها اليومية ودورها داخل المجتمع في مسعى منها لإعادة كتابة التاريخ من جديد وتصويب الانحرافات والمغالطات وإزالة التشوهات التي كانت وما زالت حجر عثرة أمام تحرر المرأة، ومن ثم المجتمع، وكانت كفيلة بإيصال المجتمعات إلى ما نحن عليه من تخلف وجهل وفقر وتشرذم وغيرها من الأزمات التي تعاني منها مجتمعاتنا الشرق الأوسطية والأفريقية.وبعد عقد من الزمن على انتفاضات الشعوب وحالة الفوضى الخلاقة المستشرية في عموم المنطقة والتضحيات الجمة التي قدمتها المرأة، ما زالت بدلاً من تحقيق المرأة لتحررها ونيل حقوقها غاصت في مستنقع العبودية أكثر مما كانت عليه في بعض المناطق بفعل عوامل داخلية وخارجية للإبقاء على شرق أوسط وأفريقي متخلف وجاهل. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر استعباد واضطهاد المرأة، وكانت أدواتهم هذه المرة عبر إطلاق التنظيمات الإسلاموية المتطرفة الإرهابية والحروب الأهلية بالوكالة.استراتيجيات وسياسات أنهكت البلاد والعباد وعملت على استنزاف البلدان وتهديم البنى التحتية وارتفاع معدلات التضخم وخط الفقر وحالة التشرذم التي تعاني منها شعوب المجتمع الواحد والفوضى العارمة وغياب العدالة والقانون وعدم وجود مشاريع بديلة لإدارة البلدان وتكرار الماضي واجتراره واستنساخه وحرفية تطبيقه دون مراعاة لتغير الظروف والتطورات، كل ذلك أثبت فشله على جميع الصعد وسبب الكوارث والأزمات التي نعاني منها في حاضرنا.سياسات واستراتيجيات نجحت في إيصال الغالبية من المجتمعات والشعوب إلى حالة الإنهاك والتبعية وأصبح محور همه وهدفه الوحيد الخروج من الأزمة مهما كلفه ذلك من تضحيات. والقبول بالجلوس على طاولة التفاوض وفق شروط وإملاءات الخارج والتي تكرس أجنداتها ومصالحها دون أدنى مراعاة لخصوصيات وإرادة شعوبها في رسم سياسات واستراتيجيات تحمل في طياتها أهدافها الرئيسية وهي الإبقاء على مجتمعات مليئة بالتناقضات. وهذا ما لم يكن ممكناً إلا عبر استعباد المرأة وتعنيفها. هذه السياسات المتبعة في حلحلة أزمات المجتمعات وطرح دساتير وتغيير أنظمة غير ممكنة إلا من خلال تغييب دور المرأة في صياغتها للدستور وغالباً ما تكون تعديلات وتغييرات شكلية وعرضية دون المساس بالجوهر، وتأجيل قضايا المرأة لما بعد الانتهاء من الأزمات على أنها قضايا ثانوية وليست أساسية وسبب ما تعانيه المجتمعات. مع العلم أن تحرر المجتمعات وتقدمها يبدأ من تحرر وتقدم المرأة. وعلى هذا الأساس وبعد سنوات من الأزمة التي تعاني منها المنطقة وبدلاً من استمرار المرأة في مسيرتها النضالية السياسية الهادفة إلى تغيير بنية أنظمة الحكم، توجهت نحو العمل في حقل المجتمع المدني في الغالب كنوع من الآليات الدفاعية حيال ما تتعرض له من قمع وعنف أثناء العمل في المعترك السياسي وصداماتها مع الذهنية الذكورية والسلطة وفقدان ثقتها بالقوى القائدة للتغيير والتطور والمستقبل الذي لن يكون إلا صورة مستنسخة من الماضي.لذا نجد بالرغم من بعض التغييرات التي طرأت على بعض المجتمعات عبر إسقاط الأنظمة والإتيان بالجديد وتشكيل حكومات إلا أنها لم تتمكن من إيصال مجتمعاتها إلى تحقيق الأمن والاستقرار، وبقيت تعيش في دوامة الصراعات على السلطة والمناصب وغاصت أكثر بمجتمعاتها في المستنقعات والعقد الكأداء التي يصعب الخروج منها، كون جميع الحلول التي تطرح تكون من أجل اللاحل وبعيدة كل البعد عن متطلبات وخصوصية المجتمعات.وحتى في الحكومات الجديدة المتشكلة يتم التركيز على حضور ومشاركة المرأة فيها، ولكن الحقيقة في الغالب تكون مشاركة المرأة كنوع من البروبوغاندا الدعائية ولا تتعدى وجودها إلا من الناحية الصورية دون المساس بطرح قضايا المرأة وضمان حقوقها دستورياً. لذا نشاهد معدلات العنف الممارسة ضد المرأة في تزايد مستمر.بالمقابل يوجد مناطق أخرى حاولت استخلاص الدروس من التاريخ وقراءة الحاضر والعبر من تجارب الشعوب الأخرى كما في مناطق شمالي وشرقي سوريا، حيث قادت المرأة تجربة مختلفة نوعاً ما لضمان مكتسباتها وحقوقها دستورياً، ومنذ الأيام الأولى من الحراك السوري وإيماناً منها بأن نجاح أي ثورة يتوقف بالدرجة الأولى على انخراط جميع الشرائح المجتمعية وفي مقدمتها المرأة وعلى كافة الأصعدة وبشكل خاص حضورها الفعلي على صعيد مراكز صناع القرار وبأن قضايا المرأة ومعالجتها تكون من قبل المرأة نفسها لأنها أعلم بأهدافها واحتياجاتها. وتمكنت بفضل التضحيات العظيمة التي قدمتها أن تحافظ على سلم وأمان واستقرار مناطقها، بل وحماية الإنسانية جمعاء من إرهاب داعش ومحاربة ذهنيته المتطرفة. هذا النموذج أفشل العديد من السياسات والاستراتيجيات الدولية والإقليمية المحاكة ضد المنطقة. لذا تحارب من قبلهم وما زالت، ولكنها استطاعت الاستمرارية والحفاظ على الثبات والمقاومة لكونها انتهجت الطريق الصحيح وانطلقت من مقدمات صحيحة. وحتى تضمن بقاء هذا النموذج وتعمميه على بقية المجتمعات لا بد من دعمه واستخلاص الدروس منه وتحويله من تجربة فردية خاصة إلى حالة ثقافية ومجتمعية عامة.هذه التجربة في جوهرها تناسب

اقرأ المزيد »

التدين القوموي والديني

محمد أرسلان عليلطالما كانت منطقة المشرق المتوسطي والشمال الافريقي ساحة لانتقال الثقافات والشعوب فيما بين بعضها البعض منذ آلاف السنين، وحتى راهننا لم تتوقف هذه الانزياحات رغم أنها اخذت أشكالا عديدة. كذلك لم تتوقف محاولة الغرب في سعيها للسيطرة على هذه المنطقة منذ ما قبل الميلاد إلى يومنا هذا، وما نراه من صراع ما بين قوى الهيمنة العالمية لفرض سيطرتها الأحادية عليها، إلا دليل على أهمية المنطقة استراتيجياً لكل من يطمح أو يسعى لأن تكون له الكلمة الأولى والأخيرة في الحاكمية الدولية. إنها شيفرة التاريخ والجغرافيا التي لم يفك طلاسمها ومعرفة أغوارها وأسبابها لهذا الوقت، ورغم محاولات الغرب منذ اليونانيين وحتى الآن أمريكا وروسيا والصين، إلا أنها لم تنجح لأنها فقط تراهن على أن السيطرة الأمنية أو العسكرية تكفيها للسيطرة عليها، ناسية أن أهم عامل هو العامل السوسيولوجي والاجتماعي والثقافي، الذي لم تعره أية أهمية قوى الهيمنة. لكن دائما ما كان للتاريخ تحركاته الخاصة به للخروج من حالة الجمود التي كان الانسان يريدها على الأقل للحفاظ على ما هو موجود بعيداً عن التطوير والتحديث، خوفاً من ضياع ما في الأيدي أو أن المجهول كان دائماً أداةً للتردد وهرباً من المغامرة التي يمكن اعتبارها أساس التطور الفكري والمجتمعي، وإن كانت بشكلها البدئي.بدأها الاسكندر قبل الميلاد للسيطرة على هذه الجغرافيا والمنطقة الشاسعة التي كانت متخمة بالعلوم والفلسفة والفن وكذلك بالذهب والحرير. غِنى هذه المنطقة هو ما كان يثير فضول وشهية الآخرين إما للتودد لشعوبها أو لفرض السيطرة عليهم. فعلها الاسكندر وأراد أن يبني امبراطوريته بمزج الثقافة اليونانية – الاغريقية مع ثقافة المنطقة وشعوبها، لكن الحظ لم يسعفه ليرى أحلامه تتحقق. وكذلك فعلها الرومان الذين ساروا على درب الاسكندر ليبنوا امبراطوريتهم التي لم تغب الشمس عنها طيلة قرون عديدة. فكان المماليك والعثمانيون ومن بعدهم جاء البريطانيين والفرنسيين والأمريكيين، الذين أرادوا ان تكون هذه المنطقة من مناطق نفوذهم لاستعباد شعوبها ونهب خيراتها، وهو ما كان طيلة القرون الماضية.صراع الغرب مع الشرق لا زال مستمراً وإن كان بأسماء مختلفة وعناوين شتى، وليبقى الجوهر ثابت لم يتغير منذ الاسكندر وحتى الآن. لربما كان السبب في ذلك أن من يسيطر على هذه المنطقة بمقدوره التحكم بالعالم من كافة النواحي. وهذا ما تريده أمريكا الان في الحفاظ على مكانتها العالمية وذلك من خلال بسط سيطرتها ونفوذها على المنطقة من غير أن يكون ثمة منافس لها فيها. وما الصراع الروسي – الأمريكي الآن في سوريا أو أوكرانيا أو المتوسط، إلا من أجل فرض أحد الأطراف إرادته على الطرف الآخر وعلى العالم بنفس الوقت. صراع لن يتوقف ما دام ثمة أوهام وأحلام تراودهم وتدغدغ غرائزهم لأجل ذلك. غرائز السيطرة والسلطة وجنون العظمة التي إصابة قوى الهيمنة العالمية والرأسمالية الشرقية منها والغربية حينما تلتقي مع بعضها البعض، بكل تأكيد الناتج سيكون وحشاً مرعباً يفتك بكل ما حوله من أجل الانتقام وفرض السيطرة على الجميع. هذا الوحش الرأسمالي الذي يسعى لتكون فوة الرأسمال بيده فقط والذي يتوارى خلف ألف قناع وقناع يسعى دائماً لخداع الآخرين بمعسول الكلام من أجل اقناع الشعوب على أنه فقط من سيجلب الرفاهية والاستقرار والكرامة لهم والديمقراطية.الصراع في سوريا لربما كان الانموذج الواضح والبيّن لحقيقة أن كِلا الطرفين لا يهمهم المجتمعات ولا الشعوب بقدر ما يهمهم النفوذ والسلطة والسيطرة وتحويل النظام العالمي من أحادي القطبية إلى متعدد الأفطاب. تصفية الحسابات في أماكن أخرى لا يعني إلا أن الجغرافيا الأساسية تعاني العقم في الحلول التي يريد كل طرف فرضها على الجميع. تركيا وداعش من جهة، النظام وإيران من جهة ثانية، كلٌ له أجنداته وأطماعه السلطوية وكل طرف يستقوي أو يتكئ على قوة دولية لتنفيذ ما يراه مناسباً وفق حساباته القومجية أو الدينوية. السيادة ووحدة الأراضي والدولة، كلها مصطلحات يتم التجارة بها في بازارات النخاسة السياسية للأطراف الإقليمية والدولية على حساب الشعوب. وهذا التناقض ما بدا بكل وضوح في التعامل وفق الأجندات وليس وفق المبادئ. حيث روسيا تتشدق بوحد الأراضي والسيادة في سوريا، ولكنها لا تعترف بهذه الأمور في أوكرانيا. ليخرج علينا الكهنة القومجيون واليساريون والدينيون ليدلوا كلٌ بدلوه وفق اصطفافه. فمنهم مع روسيا في تقسيم أوكرانيا وعودة الشعب في دونباس الى الوطن الام لأنهم من الشعب الروسي، لكنهم ضد تقسيم سوريا والعراق وضد توحد الشعب الكردي في وطنه كردستان. وكذلك منهم مع أوكرانيا لتصدر الفتوى من قوى الهيمنة العالمية الغربية والمسيحية السياسية منها والاسلاموية السياسية واللتان ما هما إلا وجهان لعملة السياسة الواحدة، للتوجه إلى أوكرانيا ومحاربة روسيا.المصلحة هي الأساس وهي المحدد الشرعي في اقصاء الشعوب في تحديد مصيرها. المصلحة متغلبة على المبادئ في كافة الحروب التي يتم فرضها من قبل الزعماء للحفاظ على سلطتهم من الانهيار أو الضياع. لتبقى المبادئ أسيرة الخطابات والبيانات الرنانة والتي لن تتعدى شاشات التلفزة، والتي تستهدف الشعوب فقط لزيادة تجهيلها وابعادها عن ممارسة حقها في السياسة ورسم مستقبل الوطن.بات الفكر القومجي المتطرف واليساري الانتهازي لا يختلف كثيراً عن الفكر الديني المتطرف، فكِلاهما بات لهما رجالٌ ينفثون حقداً وكراهية في المجتمع وليزيدوا تقسيمه أكثر على أساس عرقي وأثني وطائفي ومذهبي وايديولوجي عقائدي. المتدين القومجي العلمانوي واليساري الانتهازي الذي لا يقبل بالآخر ويصفه دائماً على أنه عميل وخائن، يحمل نفس عقلية المتدين الديني المتطرف الذي أيضاً لا يقبل بالآخر ويصفه على أنه كافر ومرتد وزنديق ومهرطق. وهنا تكمن المصيبة الكبيرة التي تعاني منها المجتمعات والشعوب، وهي أنهم ابتلوا بالمتدينين والكهنة القومجيون واليساريون والدينويون. وكل منهم يعمل على نشر وفرض آرائه في المجتمع ليحولوه إلى مجتمع متدين قومجياً أو دينياً وبذلك نكون وجهاً لوجه أمام مجتمع قطيع تم تنميطه واختزاله بالعصبوية القومجية والتطرف الديني والعلمانوية الغربية.بكل تأكيد أن الشعوب المتدينة لا تشعر بتأنيب الضمير عندما ترتكب خطأً أخلاقياً أو قانونياً، لأنها نشأت على مفهوم أن العبادة تمحي الذنوب، مثلما قال غوستاڤ لوبون. فمثل هذه المجتمعات لا يمكن لها أن تتطور وتواكب المستقبل جراء الأفكار التي تؤمن بها وتعتقد أنها الصحيحة، وكل ما عدا ذلك ما هو إلا هراء ينبغي القضاء عليه بالقتل أو الاعتقال أو النحر. فالتدين ليس شرطاً أن يكون دينياً، لربما يكون قومجياً عصبوياً متعصب أو علمانوياً يسارياً انتهازياً.فعندما يتم تحويل القومية إلى دين مقدس لا يمكن العبث به وتغييره، تكون النتيجة كارثية ومهولة على المجتمع الذي يؤمن بذلك. حيث يعتقد أنه من خلال الطقوس المقدسة القومجية فقط بمقدوره أن يبني وطنه ودولته التي تتآمر عليه قوى الشر. فبالنسبة له أن المؤامرة مستمرة عليهم من أجل القضاء على دولهم، مثلما هي المؤامرة هدفها القضاء على الدين. صراع مستمر منذ أكثر من قرن ما بين الكهنة المتدينين قومجياً ودينياً ولا زلنا نعيش نتائجه المأساوية التي دمرت المجتمعات وهجرت الشعوب. المغالاة في القومية والدين ربما

اقرأ المزيد »

الحرب الداخلية لنظام الهيمنة العالمية في أوكرانيا

أحمد شيخو- الكاتب والمحلل السياسيبعد سقوط أو انهيار الاتحاد السوفيتي في التسعينات ولأسباب متعددة ومختلفة، أصبح النظام العالمي الذي تشكل بعد حرب العالمية الأولى والثانية أحادي القطب وهو مستمر إلى اليوم الحالي، وهو في الوقت نفسه يشكل امتداد لنظام الهيمنة السلطوي والدولتي والذكوري الذي تشكل أول مرة منذ أيام السومرين من صارغون الأكادي إلى الرئيس الامريكي الحالي بايدن ، وإن تبدلت الجغرافيات وتغيرت القوى المركزية فيها بين الشرق والغرب، بسبب توفر وعي الحقيقة في الجغرافيات الجديدة التي كانت تنتقل لها نظام الهيمنة العالمي. إلا أنه مازال يحتفظ بالأهداف نفسها وإن تبدلت الأدوات في النهب والهيمنة.منذ حوالي ثلاث عقود ويعيش نظام الهيمنة العالمي حالة الأزمة وتحديداً الحداثة الرأسمالية التي تمتد جذورها واصطلاحها إلى القرن السادس عشر في أوربا ومع حروب الثلاثين سنة التي مرت بها وتبلور بعدها الدول القومية، كوسيلة ناجعة ومحققة لأهداف الدولتية والسلطة والهيمنة والنهب وبالضد من المجتمعات والشعوب أو بالتمويه على أهدافها الحقيقة في حالة الخداع والتضليل .إن الحرب الحالية التي تجري في أوكرانيا منذ أسبوع بين روسيا ودول حلف الناتو ، هي امتداد للحروب في الشرق الأوسط و المنطقة عامة كما هي أفغانستان والعراق وسوريا واليمن وليبيا والصومال وأرمينيا وازربيجان وغيرهم و علاوة على أنها استمرار لحالات الأزمة في بلدان المنطقة والعالم المختلفة وحالة الإبادة وممارسات التطهير العرقي والثقافي والتغير الديموغرافي التي تمارسها تركيا بحق الشعب الكردي وتدخلها واحتلالها لبعض بلدان المنطقة و حالة التدخل الإيراني ونفوذها وأذرعها . وذلك كون نظام الهيمنة العالمي يعاني من أزمات بنيوية حادة مختلفة وفي كافة المجالات الفكرية والسلوكية ولا يستطيع الاستمرار والبقاء من دون افتعال وإشعال فتيل الحروب والأزمات وإفساح المجال لأدواتها في المنطقة والعالم بخلق الحروب وحالات الفوضى وتهيئة ظروف للإرهاب والقتل المختلفة.إن الحرب في أوكرانيا هي حرب داخل نظام الهيمنة العالمي الواحد وليس صحيحاً وصفها بأنها حرب بين قطبين حيث أن روسيا الآن ليست الاتحاد السوفيتي وحتى أمريكا ليست كما كانت قبل حوالي 30 سنة. وبل نستطيع القول أنه من يعتقد أن هناك قطبين ويستطيع ان يعتمد على أحدهم في مقابل الأخر وبذلك يحقيق أهدافه والاستمرار في مصالحه وسلطاته فهو واهم وكما أنه سوف ينتهي ويعاني اصعب الظروف كون هذه القراءة ليست صحيحة وناقصة وتجسد حالة الابتعاد عن الذات والثقة بالشعوب والمجتمعات، ولعل حالة الإدارة الأوكرانية ورئيسها زيلينسكي الآن وهي تعد أيامها بعد أن كان السبب في ماحصل لأوكرانيا كونه ظن أنه يستطيع و بالاعتماد على الناتو والمنظومة الغربية في البقاء والحكم ومواجهة الطرف الروسي وفرض شروطه عليه. لكن ما حصل هو أنهم تركوه وحده يصارع الموت والانتهاء وهم يترقبون المشهد ويصفقون له وهو يدمر بلده وشعبه بسياسته وسلوكه.إن كمية الزخم الأوربي والغربي لدول الناتو ومن يدور في فلكه في إرسال الأسلحة والذخائر وفرض العقوبات على روسيا والتهيج الإعلامي والتجيش لا يعبر إلا عن أن الناتو وأمريكا يريدون تحويل أوكرانيا إلى بؤرة توتر ومستنقع ليتم استخدامه لتحقيق الأهداف المطلوبة ومنها أن يبقى ويستمر النظام العالمي وربما إعادة ترتيب بعض الأدوات وإعادة تشغليها وتموضعها وإعطائها أدوار جديدة حسب المرحلة الجديدة وكذلك استمرار ضخ القيم والأفكار والسلوكيات أي الحداثة التي تخدم أهمية ووجود نظام القطب الواحد ومؤسساته الدولية والإقليمية التي اصبحت لامعنى لها سوى إعطاء الشرعية لنظام القطب الواحد وتسهيل أموره وسياساته.إن الهجمات الروسية لا تملك المبررات والحق وكذلك موقف الناتو وأمريكا والاتحاد الأوربي ليس صحيحاً من الأزمة والحرب، ولعل الأخطر هو موقف حكومة زيلينسكي التابع للغرب والذي لا يعبر بالضرورة عن إرادة الشعب الأوكراني. إنها حرب الهيمنة والاحتلال وتقاسم النفوذ والربح بين القوى الدولية في أوكرانيا وليس صحيحاً أو مطلوباً أو مجبوراً من أحد الوقوف مع أحد الطرفين المتصارعين.إن مفهوم الاستقلال للدول القومية والسيادة غير صحيحة فهم أدوات ومؤسسات عميلة لنظام الهيمنة العالمية ولا يوجد دولة قومية إلا ويتم ربطها وأخذ شرعيتها ووجودها من نظام الهيمنة العالمية وكلامها عن الاستقلال والسيادة هراء ونفاق كبير. فأين هي الاستقلال والسيادة الأوكرانية ولماذا كل هذه التبعية من قبل حكومة زيلينسكي وأمثالها لنظام الهيمنة العالمية والملاحظ أنه تم ترك زيلينسكي وحيداً رغم كل تعويله وأرتباطه بنظام الهيمنة العالمية ودولها وقواها المركزية. ولماذا هذا التدخل والتجاوز الروسي إن كان هناك شيء اسمه السيادة للدول. ولعل كان من الممكن تجنب كل هذه الوضع لو كانت القيادة الأوكرانية تعتمد على مصالح شعبها دون خضوعها للأجندات الخارجية ومع اختيارها الخط الثالث بين الجهتين وليس التبعية لإحداها إن تم تركها طبعاً من قبل روسيا والناتو.لقد اصاب أردوغان والسلطة التركية التوتر والقلق وحتى الذعر من مصير ووضع زيلينسكي والحكومة الأوكرانية وحالة أوكرانيا التي تركت لوحدها مع بدء الحرب ولعل أردوغان ظن ويظن نفسه التالي كونه يمشي في طريق زيلينسكي، كما أن تركيا هي الدولة الثانية التي تعاني و ستعاني من أكثر تحديات الحرب في أوكرانيا نظراً للترابط والموقع الجغرافي وحالة الاقتصاد التركي وتفاعله مع روسيا وأوكرانيا علاوة على إمكانية تقليص المساحة الرمادية التي يلعب بها أردوغان بين أمريكا وروسيا في العديد من ملفات المنطقة والعالم وتدخله واحتلالها لشعوب ودول المنطقة ووجوده على البحر الاسود ووجود المضائق في تركيا.رغم أن السلطة التركية تحاول أن تمشي مع جهتي الحرب وتعطي إنطباع ورسائل أنها في المنتصف بين الجهتين المتصارعتين ، لكن من الوارد ومع ارتفاع حدة الاشتباكات والاستقطابات وفرض العقوبات والدعم اللوجستي والعسكري والأمني وتزايد التوتر في العلاقات ومحاولة استخدام كل طرف لأوراقه ضد الأخر في الحرب، أن لا تستطيع السلطة التركية أن تكمل مشوارها في الملعب الرمادي ولابد من الرجوع إلى مشغلها الأساسي وهو حلف الناتو وأمريكا وهو الأرجح أو المسير مع الدب الروسي وإعطاء إنطباع مختلف بانه حيادي وهنا ستكون تركيا ومستقبل السلطة وخاصة أردوغان في مفترق طرق ووضع صعب وربما كل تركيا وكيان الدولة ستكون في مهب الريح وستصبح سوريا الثانية.إن تداعيات حرب الهيمنة والنهب والتقسيم والنفوذ الدولي والإقليمي في أوكرانيا يصيب كل دول المنطقة والعالم وشعوبها ومجتمعاتها وفي النواحي المختلفة من الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية وحتى الثقافية والاجتماعية، من تدهور العملات الوطنية وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة والحاجة للقمح وللسلع المختلفة وحالات منع الأجواء أمام الطيران لبعض الدول إلى العقوبات التي تتزايد بشكل يومي وبشكل متبادل بين طرفي الصراع مما سيجلب اثار سيئة كبيرة إن لم تتوقف هذه الحرب ومناكفاتها وصراعاتها الجانبية التي تتزايد و التي من الصعب أن تتوقف في فترة قصيرة أو متوسطة .لا يفترض من شعوب ودول المنطقة أن تكون مجبورة الاختيار في الوقوف مع أحد طرفي الصراع في أوكرانيا، بل أن الوقوف مع أحد الجانبين هو موقف غير صحيح كون الصراع هو ليس حق وباطل أو فقط احتلال، بل ان هناك نظام هيمنة عالمي باطل ومتجاوز على الشعوب والمجتمعات والبلدان ويجري الصراع بين قواه

اقرأ المزيد »

الحرب في أوكرانيا

الكاتب والباحث السياسي الكردي– أحمد شيخو تتسارع الأحداث في أوكرانيا بين روسيا والناتو والظاهر أنها وصلت إلى مرحلة جديدة يصعب على الفاعلين الرئيسين التراجع في ظل استعمال القوى الصلبة من العسكرية والاقتصادية واهتزاز أركان النظام العالمي، وهنا يمكننا القول أنه يجسد أحد فصول الحرب العالمية الثالثة التي ربما يكون الأخير أو قبل الأخير في ظل الأحداث التي تشهدها روسيا ومناطق الشرق الأوسط بعد أعوام التسعينات وصولاً للعقد الأخير.لاشك أن تداعيات هذه الحرب على أوربا والمنطقة لن تقل عن تداعيات الحرب العالمية الأولى. من حيث إعادة إنشاء المنطقة ونظامها الإقليمي ورسم الخطوط الجديدة إن تعمقت ووصلت لمراحل حرجة.لقد شكلت تركيا منذ 1923 وترسخت دورها بعد 1952 بأن تكون لها وظيفة صد روسيا السوفيتية وأن تكون حائط صد أمام توغلها وتسللها وانتشارها ، ولقد قامت تركيا بهذا الدور على اكمل وجه مقابل أن يتم إطلاق يدها في إبادة الكرد والأرمن والسريان الأشوريين واليونان وغيرهم في تركيا. وأن لا يحصل الكرد في أي جزء من كردستان المقسمة على أي نوع من السيادة و حتى حالة الكيان الاجتماعي المنظم على أراضيهم. و كذلك أن لا يحصل في إيران ما حصل في سوريا والعراق، وأن يكون لها حصة من السمسرة والاقتصاد والثروات في الشرق الأوسط.ولكن في السنوات الأخيرة وبعد نظام الرجل الواحد الذي أوجده أردوغان وحزب العدالة والتنمية، حاولت تركيا إقامة علاقات مع روسيا وإيران في محور أستانة في سوريا وقبلها مع إيران وسوريا وإقامة مزيد من العلاقات مع روسيا والصين، ربما لزيادة عدد الأوراق التفاوضية في يديها و لاشك هذا كان ولايزال مزعج لإسرائيل وعدد من الدول العربية ولا تقبل به على المدى الطويل ، وإن تم حتى الآن بكن ربما لن يستمر في ظل التطورات الحاصلة.تقف تركيا الأن على الصراط المستقيم. فهي عاجزة عن حسم خيارها، وترعى سياسةً توازنيةً كلاسيكيةً مع الطرفين مع حلف أستانة بقيادة روسيا وحلف الناتو بقيادة امريكا، فهي تعرف التداعيات الخطيرة على تركيا و السلطة ومستقبل اردوغان شخصياً لكن عليها الاختيار وإن كانت تود ان تستمر الحالة الحالية التي سمحت لها باحتلال شمالي سوريا وشمالي العراق والدخول في الدول العربية تحت حجج واهية.لدى تركيا خيارين:1- أن تقف مع روسيا، وعندها ستصبح تركيا سوريا أو ليبيا أوالعراق أو اليمن الثانية. وفي هذه الحالة، سيؤازر النظام حركة الدولة القومية الكردية بكلّ ما أوتي من قوة، وسيوسّع رقعة خلية الدولة القومية الكردية في العراق. وعليه، من المتوقّع حينها تكوّن القطب المؤلّف من إسرائيل–الإدارة الكردية في العراق–KCK، والذي سينمّ عن نتائج عظمى وتحولات كبرى في منطقة الشرق الأوسط.2- أو أن تستمر مع حلف الناتو وهنا عليها أيضاً التوافق مع الكرد وفتح مسافة في علاقاتها مع روسيا والصين وإيران. وإلا ستكون امام فقدانها للأوراق التي كسبتها بالعلاقة مع روسيا وإيران و ربما سيكون تراجعه المحتمل في سوريا والعراق وليبيا وأماكن أخرى. علينا الإشارة أن النظام المهيمن العالمي لا يستطيع أن يتراجع عن خطواته وحضوره وتأثيره في الشرق الأوسط. وفي حال قيامه بذلك، فلا بدّ عندئذ من حصول مستجدات ستزعزع أركان المنطقة والعالم أجمع؛ بدءاً من حسم أمر إسرائيل وتصفيتها، ووصولاً إلى القضاء على الكثير من الدول العربية، الصغيرة منها والكبيرة وكذلك انتهاء تقسيم الكرد بين الدول الأربعة وصعود نجمهم وانهيار تركيا، وحتى اليونان وغيرها، كون هندسة المنطقة ووضعها الراهن هو من بقايا النظام العالمي الذي فرض نفسه وتقسيماته وأدواته وبؤر التوتر اللازمة له لتحقيق هيمنته حتى الآن. يمكننا أن نضع مثل هذه الأحداث المحتملة نصب العين، لدى الإشارة إلى “الحرب العالمية الثالثة” التي تتزايد وتيرتها مع فصل الحرب الجديدة في أوكرانيا. حيث من الوارد أن تستخدم أعتى أنواع الأسلحة، بما فيها الأسلحة النووية في حال تطورت الوضع إلى حد ومستوى تحديد نظام مهيمن إقليمي أو عالمي جديد . لا جدال في أنّ النتيجة والتداعيات على المنطقة لن تختلف كثيراً عن حال أوروبا إثر الحرب العالمية الثانية. بل وستكون أشدّ وطأة، وربما بعض المؤشرات ولئن ما قسناها مع الأحداث البارزة خلال الأعوام العشرة الأخيرة في المنطقة، من سوريا وليبيا واليمن والعراق ولبنان و افغانستان وغيرهم، فسندرك فحوى وحشية الأحداث المحتملة بصورة أفضل من حيث حالات الانهيار والجوع والإرهاب وتجاوز الدول على بعضها أو على بعض المتبقي من مايسمى بالسيادات . مهما تكن الأوضاع وبوصلاتها بعد شهور وسنين فإنّ النظام المهيمن وأن كان جديداً أو بصيغة وأشكال جديدة، لن يقنع بالوضع السائد للمنطقة والإقليم وخاصة وضع تركيا وإيران الحاليتين. بل سيطمع في التغلب والتفوق واخضاعهم بشكل كامل، مثلما هي حال كلّ نظام مهيمن يريد فرض هيبته. وهذا ما سيستوجب تخلي إيران عن نفوذها الإقليميّ المرتكز إلى الشيعية القومية، وإيصالها إلى حالة من الخنوع والمطاوعة، مثلما كانت عليه في عهد الشاه. لكنّ رضى إيران بهكذا وضع يعني قبول الموت. في حين أنّ جميع المؤشرات تدلّ على أنّ مساعي بسط النفوذ على المنطقة ستستمرّ باضطراد. وهكذا، ليس بعيداً عن الاحتمال مع بدء مرحلة جديدة من مراحل “الحرب العالمية الثالثة”. بينما لا يمكن لوضع اللااستقرار هذا أن يدوم طويلاً. سيكون للاتفاق بين تركيا–إيران–روسيا وقع بالغ الأهمية، رغم تطوّره على خلفية العداء للكرد. فليست عبثاً الادعاءات القائلة أنّ المحور في تركيا قد انحرف. فوضع تركيا الحاليّ لن يستمرّ فترةً طويلةً في حال بقائها داخل النظام المهيمن الغربيّ. حيث عوّلت تركيا على إلحاق الاتفاق الثلاثيّ بالنظام القائم، مقابل انتزاع تنازلات محدودة وقولها أنها بهذا الشكل والتحالف تحجمهم وتخدم نظام الهيمنة. و لكن هذا ما سيجعل إسرائيل منفتحةً على المخاطر. ومن غير الوارد أن تقبل الحركة الصهيونية بهكذا حال. وعلى النقيض، يتعين على إسرائيل أن تضاعف من نفوذها وهو الملاحظ مع اتفاقيات أبراهام، بصفتها أهمّ حليف أو خلية مهيمنة للنظام ضمن المنطقة. وستصبح مرغمةً اكثر بالضرورة على وقف أو حسر النفوذ المتزايد لكلّ من إيران وتركيا وروسيا كما تفعله الأن بعد الحضور الإيراني القوي في العراق و سوريا. موضوع الحديث هنا هو تنازع ضمنيّ غير مسمّى على الهيمنة الإقليمية، بين تركيا وإيران من جهة، وإسرائيل من الجهة الأخرى. فموقع إيران المناهض لإسرائيل واضح جداً. لكنّ ولوج تركيا في هذه الحال، ولو لمآرب أخرى مختلفة بقصد استمرار إبادة الكرد، سيؤجج من حدّة الصراع على الهيمنة داخل المنطقة، مهما لم يستسغ ذلك. أي أنه ترجح كفة احتمال أن يثمر ذلك عن نتائج معاكسة لآمالها.سيكون لهذا الوضع وقعه المتعاظم طردياً على السياسة الداخلية بشكل أكبر من الآن . فمن المتوقّع أن يتلاشى تحالف القوى التي أسفرت عن ظهور AKP، وأن يتأسس ائتلاف قوى داخلية جديدة بدلاً منه. والتطورات الجارية في AKP و CHP وCHP ملفتة للأنظار على هذا الصعيد. إننا تماماً على مفترق طرق لجهة القضية الكردية، التي زجّت تركيا في هذه الحالة المتناقضة.في

اقرأ المزيد »

أردوغان… في أفريقيا وكيل أم صاحب مشروع

أحمد شيخونتيجة حالة الانسداد أو الأزمة أو ربما الحرب العالمية الثالثة التي تعصف بالمنطقة والعالم، نلاحظ ثمة تحركات للقوى الإقليمية في ظل الانطباع الموجود لدى البعض أن القوى العالمية بدأت بتحجيم ظهورها والاعتماد على وسائل جديدة للحضور والتأثير أقل تكلفة وإنتقاداً لتحقيق أهدافها واستمرارية مصالحها العليا، أو اعتقاد البعض أن الوقت قد حان لظهور نظام إقليمي جديد يتم الإعداد له أو كحالة طبيعية لفشل الأنظمة الموجودة والشرعية الدولية في إيجاد الحلول للقضايا العالقة.من هذه القوى، نجد الدولة التركية وسلطتها المشكلة من حزب العدالة والتنمية والحركة القومية التركية تتمدد في السنوات الأخيرة في المنطقة مخلفة مزيد من التوتر والقلق في ظل حفاظها على حالات الفوضى وعدم تسهيلها لعوامل الاستقرار والحلول الديمقراطية.أحد الساحات التي تتزايد فيها الشكوك والريبة حول الدور التركي المتزايد فيها هي القارة السمراء، حيث كان لتركيا فيها عام 2009 حالي 12 سفارة لكن في الأعوام الأخيرة اصبحت لديها ما يقارب 43 سفارة من أصل 53 مع وجود أكثر من 37 مكتب عسكري والعديد من المراكز الاستخباراتية تحت اسماء وهمية و إعلامية ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات الخيرية والملحقين الدينين و الأئمة وغيرها.في السنوات العشرة الأخيرة ومع انشغال الدول العربية وحالة الربيع العربي والفراغات الأمنية وحالة البحث، تسللت تركيا وعبر الإخوان الإرهابيين وغيرها من التنظيمات والأحزاب الإسلاموية وحتى عبر بعض الليبرالين والقوميين المتعاونين مع الإخوان إلى عدد من الدول العربية و الإفريقية علاوة على دخولها واحتلالها لبعض الدول مثل سوريا والعراق وغيرها.الذي يدعوا إلى الملاحظة و التركيز هو التواجد والحضور التركي المتزايد عسكرياً وأمنياً واقتصادياً وعدد الاتفاقيات التي يقوم أردوغان بتوقيعها في كل فترة مع الدول الافريقية سواء في القرن الأفريقي في شرق أفريقيا أو في غربها ووسطها.إن زيارة أردوغان ومعه وزير الدفاع والداخلية والاستخبارات ومسؤول الأمن القومي التركي إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية و قبلها إلى العديد من الدول مثل النيجر وتشاد وبركينا فاسو ومالي ونيجيريا و ليبيا وغيرها تزيد الشكوك وعدم نزاهة هذه الزيارات وأوقاتها.صرح أردوغان في العديد من المناسبات عند الحديث عن أفريقيا أن أغلب القادة الأفارقة يتحدثون معه وهم يطلبون الطائرات التركية المسيرة وهذا يشير إلى الرغبة التركية في الدخول واستغلال الصراعات بين القوى في أفريقيا ودعم حالات عدم الاستقرار والحروب.تشكل حالياً ليبيا وأثيوبيا والصومال أهم القواعد العسكرية لتركيا في أفريقيا حيث ونتيجة استغلال أزمات هذه البلدان الثلاثة تمكن أردوغان وباتفاقيات التي يقول عنها أنها رسمية ومع حكومات رسمية استطاع من إنشاء قواعد عسكرية برية وبحرية في هذه البلدان الثلاثة، كانت في البداية عادة مراكز تنسيق وتعاون ومساعدة للمخابرات التركية مع بعض القوى في هذه البلدان وثم تم تطويرها وتزويدها بالمضادات الجوية والطائرات المسيرة وغيرها من المعدات العسكرية ومعدات المراقبة والتجسس.إن ظهور معدات وآليات عسكرية تركية في تشاد في الاسبوع الأخير وقبلها في الصومال وليبيا ربما سيتكرر في مالي وكونغو ونيجيريا وفي اثيوبيا التي ساعدت فيها تركيا الحكومة الاثيوبية بطائرات مسيرة ومضادات وأسلحة أخرى غيرت الحرب التي كادت أن تنتصر فيها جبهة تيغراي على الحكومة المركزية وعلى اثرها أتهمت منظمات دولية القوات الأثيوبية بقتل اكثر من 56 لاجئ في مخيم ديديبت بشمالي غربي تيغراي بالطائرات المسيرة التركية لكن ماذا تريد تركيا من التمدد في أفريقيا:1- امتلاك أوراق جديدة للضغط والتفاوض مع الدول العربية المحورية و القوى الإقليمية والعالمية عند اللزوم في الملفات الإقليمية والدولية والداخلية التركية.2- محاولة تقديم نفسها كخادم وكوكيل مطيع لنظام الهيمنة العالمية وسريع الاستجابة عند اللزوم و تلبية الأوامر وأن صلاحيته في السلطة والحكم في تركيا وأدواره لم تنتهي بعد.3- الاستفادة الاقتصادية من التبادل التجاري واستغلال هذه الدول وأوضاع بعضها الغير المستقرة في ظل أزمة تركيا ومحاولة تخفيف الازمة الاقتصادية في الداخل التركي وما كلام وزير خارجية أردوغان عن رغبتهم في إيصال التبادل التجاري إلى 50 مليار دولار إلا دلالة على ذلك بالإضافة إلى كثرة الاتفاقيات وعقود الشركات التركية في البناء والإنشاء والتصنيع والطرقات والموانئ والكهرباء والمياه في هذه الدول الأفريقية.4- الوصول إلى الانتخابات التركية وفي يد السلطة الأردوغانية الكثير من ما تسميها الإنجازات الإقليمية والدولية لاستعمالها ضد المعارضة التركية للدخول والفوز في الانتخابات التي ستكون صعبة على أردوغان وحكومته.5- خلق مناطق نزاع وتنافس جديدة مع الاتحاد الأوربي وروسيا والدول العربية لتمكين تثبيت حضورها واحتلالها ووجودها ووجود أدواتها على الأقل في سوريا والعراق وليبيا ولبنان والصومال والجزائر والسودان وغيرها.6- تشكيل جيش إنكشاري جديد ومتعدد الجوانب وبآليات مختلفة بين عسكري وأمني وثقافي وإعلامي وفني بأسماء تختاره الاستخبارات التركية وتكون اذرع للتمدد التركي وتثبيت نفوذها ونهبها لثروات وخيرات الشعوب الأفريقية والعربية. وصف برلمان الاتحاد الأوربي قبل أيام أن تركيا تهدد السلام والأمن والاستقرار الإقليمي تعليقاً على سياسات تركيا الخارجية وكذلك أشارت الجامعة العربية وتشير في كل مناسبة على رفض التدخلات الإقليمية في الدول العربية وشؤونها الداخلية ومنها التدخلات التركية والإيرانية، وأيضا يحاول العديد من أعضاء الكونغرس الأمريكي تنبيه وتحذير الإدارة الأمريكية إلى خطورة الدور التركي وسلبيته على الاستقرار وعلى الجهود الدولية لمحاربة داعش في سوريا والعراق والمنطقة بشكل عام وكذلك على التأثير السلبي والمثير للقلق للطائرات التركية المسيرة واسلحتها التي من الوارد أن تركيا تزود أدواتها بها كما تفعل مع الفصائل والجماعات الإرهابية في سوريا والعديد من دول المنطقة والتي ترتكب الجرائم والتجاوزات العديدة.رغم نظر الكثير من الخبراء والمحللين وحتى الدول بشك وريبة إلى الدور والتمدد التركي في أفريقيا ورؤيتهم عدم نزاهة هذه التحركات، لكن مازالت المواقف غير متبلورة بالشكل اللزم لرؤية الأهداف التركية الفعلية التي ستهدد الأمن والسلام والاستقرار في كل القارة الأفريقية ودولها فما تسمى الجماعات التركية الخيرية اصبحت ومنذ فترة تنشط في مناطق بوكو حرام وداعش في أفريقيا والدول الخمسة التي تحارب داعش وبوكوحرام وهذا يشير إلى أن خطورة الحضور العسكري الذي يزاد في غرب ليبيا مترافقة بإنشاء قواعد بحرية.أن مشروع التمدد التركي أو العثمانية الجديدة من ليبيا إلى مالي وإلى الصومال ماهو إلا جزء من مشروع لتحويل القارة السمراء إلى بؤرة لداعش وبالدعم والتنسيق التركي مع الجماعات الإسلاموية وما تركيا وأردوغان سوى وكلاء وبيادق وعملاء لنظام الهيمنة العالمية أو ما يقوله البعض الشرعية الدولية كما يحلو لهم تسميته و الذي يحاول ترتيب النظام الإقليمي والعالمي من أفغانستان إلى أوكرانيا وسوريا والعراق إلى مالي وأثيوبيا والصومال. وهنا تظهر أهمية التحركات المبكرة والسريعة من شعوب المنطقة ودولها و خاصة في أسيا وأفريقيا والتي تستوجب الفهم والإدراك الصحيح لحقيقة الدور التخريبي التركي وتوافقه مع المشاريع الخارجية لضرب المنطقة وشعوبها ودولها وكذلك بناء تحالفات و امتلاك أدوات وأوراق ضغط مضادة لتركيا حتى في داخل تركيا ومحيطها ، وما المحاولات التركية في الأشهر الأخيرة وتودده لبعض الدول التي ربما تكون هي أيضاً أدوات في نفس المشاريع كما تركيا إلا لإعطاء انطباعات غير صحيحة وتقليل النقد والتشهير بالدور

اقرأ المزيد »

الفصل بين الذات والموضوع…ثنائية الاستعباد والهيمنة والإبادة

من أين بدأ الفصل وهل كانت البداية للثنائيات المتناحرة وحالات الإبادة والتطهير العرقي والفاشية والاعتداء على الإنسان و الطبيعة؟كيف تدفق مسار الفصل تاريخياً و كيف تجسد في البنية المجتمعية وفي الذهنية والسلوك لشعوب المنطقة ؟هل يمكن القول أن الأسلوب العلمي المجسد للفصل بين الذات والموضوع هو أحد الأسباب الرئيسية لأزمة نظام الهيمنة العالمية وأدواتها في المنطقة والعالم ؟ما هي مميزات حركات الوعي الكردية وأهميتها بالنسبة للمنطقة والإنسانية؟ما هو الحل لمشكلة الفصل، وأين يكمن الحياة الحرة وبعدها الزمكاني؟ بداية الفصل بين الذات والموضوع:لم تشهد المجتمعات النيوليتية والمجتمعات التي تسبقها مشكلةً اسمها الفصل بين الذات والموضوع. لم تكن الثورة النيوليتية، التي أنجزها الكرد الأوائل على ذرى وحوافّ سلسلة جبال طوروس–زاغروس، تعرف التمييز بين الذات والموضوع. ولم تكن تحتوي على الفصل بين الإنسان الذات والطبيعة الشيء. بل كانت الحياة تنضح بالمعاني الخارقة الخلاّبة والمفعمة بالغبطة والحماس و كانت الحياة بعينها مسيرةً مليئةً بالمعجزات. وعليه، فقد كانت الحركة الحرّة تمثل كلّ شيءٍ في تلك الحقبة لدى البشرية التي حقّقت مجتمعيتها على شكل قبائل. كانت هنالك الحركة فحسب. والتي بدورها كانت حرةً وسالبةً للعقول.كانت الحياة تنسج وتنظّم حول المرأة الأم. بالتالي، كانت المعجزات تنسب إلى المرأة الأم، فساد الاعتقاد بألوهية المرأة ضمن هذا الإطار. أي إنّ ألوهية المرأة لم تكن صعوداً مكتسباً بالقوة الفظة. بل كانت رقياً ذهنياً معنياً بتحقيق الحياة وتبنّيها. لقد كان المجتمع النيوليتيّ ينجز على يدي المرأة الأم، وفي قلبها، وداخل ذهنها. فكلّ الاكتشافات والاختراعات المتعلقة بالزراعة وعالم الحيوان كانت تحمل ختمها. وتتجلى هذه الحقيقة في أول ملحمةٍ نصّت –ولو متأخراً– على الصراع الذي شنّته إينانا إلهة أوروك (أول مدينةٍ مشادة) ضد الإله أنكي (أول رجلٍ نهّابٍ وماكر)؛ مقارعةً إياه من أجل القيم التي سمّتها بـ”اكتشافاتي واختراعاتي المئة والأربعة”. فباعتبار أنّ الإلهة الأنثى ما تزال حامية أول مدينةٍ في وجه أول حالة تمدن، فإنّ مصارعة تلك الإلهة الأنثى حيال ألوهية الرجل تتضمن معانٍ غائرة. إذ تتطرق إلى قوة الثقافة المجتمعية للمرأة الأم، وإلى حركتها وتصدّيها للمدنية.من الصعب تفسير ثقافة المرأة الأمّ بعقلية المدنية الذكورية السلطوية الراهنة. فهذه الثقافة واقع ممتدّ على مدى آلاف السنين. وتصاعد نظام المدنية المركزية المعمّرة أكثر من خمسة آلاف عام كنظامٍ ذكوريٍّ مسيطرٍ على الدوام، إنما يبرهن هذه الحقيقة القائمة. وبما أنّ كلّ شيءٍ يتطور في المجتمع مع نقيضه، مثلما الحال في الطبيعة؛ فإنّ تصاعد الذكورية المتسلطة لنظام المدنية لا يمكن أن تجد معناها، إلا بوجود نظام المرأة الأمّ المقتدرة. إنّ ثنائيـة الـذات و الموضـوع، التـي تحكـم كـل مجـالات الوجود الاجتماعي، وهي العلاقة في مـستويات التفاعـل الـتي تأخـذ أشـكال الـصراع و التوافـق لتنـتج باسـتمرار الحيـاة ّ الفردية و الجماعية في الآن ذاته ، و التي تتجلى في مختلف الظواهر الإنسانية و الاجتماعية والتفاعلية وجدلية العلاقة بين الإنسان والطبيعة. لقد تبدّت ثنائية الذات–الموضوع أولاً في المجتمع السومريّ. وقد ظلّ هذا الواقع يعني الاشتباك مع المجتمع القبليّ ذي السيادة الأمومية (الكرد الأوائل) لحقبةٍ طويلةٍ من الزمن. وبالفعل، ما فتئت المجموعات النيوليتية القبليّة المرتكزة إلى سلسلة جبال طوروس–زاغروس تجد نفسها في حالة حراكٍ دائمٍ ضد هذه المدنية طيلة تاريخ المدنية السومرية. أي إنّ القبيلة ليست اتحاداً مبنياً على علاقات القربى وأواصر الدم المحضة كما تدّعي السوسيولوجيا الغربية. بل هي وحدة معنية بالإنتاج والتوالد والدفاع عن الذات ضد المدنية. واستمرت هذه المرحلة التي بدأت فيما بين أعوام 5000–4000 ق.م حتى يومنا الحاليّ. فرغم نموّ القوى الهرمية والمتواطئة مع المدنية بين طواياها، إلا إنّ المجموعات القبليّة صانت طبائعها ومزياتها الأساسية. أي إنّ القبائل هي وحدات المجتمع الأكثر إثماراً وإحرازاً للمكاسب، والتي يتحقق فيها الدفاع الذاتيّ والإنتاج والتوالد. أما الجانب الطاغي على وعي القبيلة وحركتها، فهو الوعي والحراك التشاركي التقليديّ، الذي لا يترك مجالاً للتمييز بين الذات والموضوع. من هنا، ورغم حملات التحضر والمدنية الجارية في جوارها، إلا إنّ تلك القبائل صانت وعيها وحراكها الجماعيّ هذا، ونمّته. وكلما تطورت الهرمية وترسخ التواطؤ مع المدنية، أضحى لا مهرب من تنامي التمييز بين الذات والموضوع في أحشاء الوعي والحراك القبليّ الذي تغير اشكاله وصيغه حتى يومنا هذا.المزدائيّ:ومقابل حراك الوعي هذا، والذي يعكس الهيمنة الأيديولوجية السومرية، فقد تصاعدت حركة مزدا العقائدية الاستحداثية جنباً إلى جنبٍ مع ثقافة الإلهة الأمّ التقليدية (ثقافة الإلهة ستار). إذ يستند النظام المزدائيّ العقائديّ إلى ثنائية قوى النور–الظلام. ويصل مضمونه إلى مستوى الثنائية الجدلية، فيعكس مدى بلوغه وعي حركة الأطروحة–الأطروحة المضادة الدياليكتيكية اللازمة من أجل النشوء والتكوّن. وهو بجانبه هذا حركة متقدمة بمسافاتٍ شاسعةٍ على ثنائية الإله الخالق–العبد المخلوق الفظة التي ابتدعتها الميثولوجيا السومرية. تتّخذ العقيدة المزدائية من الدياليكتيك الكونيّ أساساً في فحواها. ومثلما أنّ أيديولوجية الإله الخالق والعبد الشيء المخلوق لا تعبّر عن الواقع الكونيّ، فقد مهّدت السبيل ولأول مرةٍ أمام تحريفٍ يستعصي إصلاحه في الوعي البشريّ. إنّ حركة الوعي هذه، والتي تركت بصماتها على كافة الأديان، وبالأخصّ على الأديان التوحيدية؛ تشكّل أرضية الحركات الذهنية المرتكزة إلى الفصل بين الذات والموضوع، الذي بلغ يومنا الحاضر. هذا وإلى جانب الطاوية في الصين وبعض أشكال الوعي المختلفة في الهند، يمثّل الوعي المزدائيّ ذهنيةً مختلفةً يستمرّ البحث فيها دوماً عن تطوير دياليكتيك خلق الذات بالذات، عوضاً عن ثنائية الخالق–المخلوق.الزرادشتية:أما الحركة (والوعي) الزرادشتية، التي هي امتداد لشكل العقيدة (والوعي) المزدائيّة، فقد مكّنت من نشوء أخلاق الإنسان الحر. فالعقيدة الزرادشتية هي أول شكلٍ للوعي والحركة اللذين يسائلان الربّ الخالق. فمقولة “قل من أنت؟” المتأتية من التقاليد الزرادشتية إلى يومنا، تشكّل صلب الفلسفة التي تسائل الربّ الخالق. وقد قامت المدنية الإيونية، التي انتهلت هذه الفلسفة من الميديين، بتطويرها أكثر؛ راصفةً بذلك أرضية الفكر الذي ترك بصماته على عصرنا. إذ أفسح المجال أمام الإنسان الناضح بالحرية، مع تصاعد شكل الفكر الدياليكتيكيّ المنقطع عن الآلهة والمعتمد على قوة الإنسان الذاتية. أما تغلّب الميديين على المدنية الآشورية الجائرة المنحدرة في أصولها إلى المدنية السومرية، فيعدّ خطوةً تاريخيةً كبرى. وحركة الوعي الأخلاقيّ والسياسيّ تلك، التي عمّرت ثلاثة قرونٍ على وجه التقريب، كانت مؤثراً رئيسياً في إلحاقهم الهزيمة النكراء بالآشوريين. وهذا التطور التاريخيّ هو الذي فتح الطريق أيضاً أمام المدنية الإيونية. أي أنّ نجاح كلتا الحركتين بترك بصماتهما على مسار التاريخ في أعوام 600 ق.م لم يك محض صدفة. ومن غير الممكن استيعابهما بمنوالٍ صحيح، إلا في حال تناولهما معاً.و في التقاليد الزرادشتية، فيتمّ التمرد على وضع العبد. ويعمل من خلال مساءلة مصطلح الإله على سدّ الطريق أمام الفصل الصارم بين الذات والموضوع. فتدنو بذلك من مصطلح الإنسان الحر، ولو بحدود. فالإنسان هنا لا يشعر بالحاجة إلى الإله. بل هو قادر على الحراك بموجب أخلاق الحرية. كما يجري تمكين استقلال الثقافة الفلسفية ضمن الثقافة الإيونية بتطويرها للتقاليد الزرادشتية أكثر. فبينما يصبح الإنسان

اقرأ المزيد »

عُذراً أشقائي الكرد إنها المصلحة

محمد أرسلان عليقليل من الأوقات نعترف بهذه الأمور التي هي من البديهيات وليست واجب علينا الاعتراف بها وكأننا نرتكب الذنوب والمعاصي. وفي هذه الدقائق فقط اسمعوا منّا ما تريدون وما يُشفي صبركم الذي طال وسيطول لما يشاء ربنا. لكن في الكثير من الأوقات نكون منشغلين في ترف الحياة الدنيا وزينتها ومتاعها والإكثار من مالها وبنونها. جُلّ أيامنا تمرّ هكذا من دون تفكير عميق بما تعيشونه وما تصيبكم من مصائب الدهر جرّاء حكام مستبدين ومتكبرين. نستعطف حالتكم ووضعكم الذي تمرون به، ونتمنى أن تزول غيمة الظلم عنكم.نتذكر الكردي جابان الذي كان من أصحاب الرسول عليه السلام، لكننا لا نعير أي اهتمام لشعبه ومجتمعه الذي تركهم خلفه ليسير بجانب نبيّنا ويكون شاهداً ومشاركاً على هذه المرحلة من انتشار الدين.عُذراً؛ الكردي صلاح الدين الأيوبي فقط حينما نكون عاجزين عن فعل شيء لأشقائنا في فلسطين. و “حينما” هذه ليست إلا تعبيراً وتوصيفاً لكل حياتنا وليس لجزء منها. فمنذ أربعة عشر قرناً ونحن لا زلنا عاجزين أن نكون قدوة للآخرين، ولم نعمل على تطوير مجتمعاتنا وعلومنا التي تناسيناها وارتمى عليها غبار السنين. تقاتلنا على السلطة والمال ونسينا العدالة والتقوى.عُذراُ؛ محمد علي باشا الكردي من مدينة ديار بكر في شمالي كردستان الجزء المحتل من تركيا، على أنه باني مصر ومؤسس الجيش المصري، وأن ابنه ابراهيم طرد العثمانيين من مصر ليعلنها بلد مستقل عن ظلم وظلام العثمانيين. نتذكر أن إبراهيم باشا وبتعاونه مع الكرد في سوريا وتركيا، كاد أن يقضي على الاستانة عاصمة العثمانيين، لولا التدخل الروسي والبريطاني الذين اعترضتا على أن ينال الكرد فخر القضاء على العثمانيين. وليتحالفوا هم مع بعض كي يستولوا على تركتها بعدما باتت تعرف بالرجل المريض.عُذراً؛ سليمان الحلبي (الكردي العفريني)، الذي قتل الجنرال كليبر قائد الحملة الفرنسية على مصر لتنفيذ مشروع أو حملة “جيش الشرق”، التي أراد منها الفرنسيون احتلال المنطقة برمتها. لكن سليمان الحلبي طعن هذه الحملة وأودى بها مع جنرالاتها إلى نفس الحفرة اللتان دفنتا مع بعض، الفكرة والمنفذ.عُذراً؛ تفرتيتي التي قيل بأنها جميلة الجميلات. وقيل أنها من أصول سوريّة ونتغافل عن كتابة أصلها الحقيقي الكردي وأنها ابنة الملك الميتاني توشورتا وأن اسمها الحقيقي “تادو هيبا”. وأن زوجها من اخناتون كان زواج ثقافي وديني واقتصادي وسياسي ودبلوماسي.وكذلك في الأردن وعندما شرع الأمير عبد الله بن الحسين في تأسيس الجيش الأردني، كان من بين مؤسسي الجيش والدرك ضباط من أصل كردي أمثال الرئيس خليل بكر ظاظا والرئيس نظمي خليل بدر خان. وكان رشيد المدفعي مديرا للأمن العام سنة 1923م، والفريق صالح الكردي قائداً لسلاح الجو الأردني، ومساعدا للقائد العام للقوات المسلحة الأردنية 1962 – 1971 م.وفي السعودية كان سعيد بن عبد الله المللي المعروف باسم سعيد كردي اختاره الملك عبد العزيز ليكون قائداً للجيش السعودي في حرب فلسطين 1948، ثم تم تعيينه في عهد الملك سعود بن عبد آل عزيز رئيساً لمصلحة الاستخبارات العامة. وكذلك الامر كان للكرد دور كبيراً في اليمن وليبيا والسودان ولبنان وسوريا والعراق وغيرها من البلدان، والأمر يطول إذا تم ذكر ما قام به الكرد من أجل اشقائهم في الدين.كلّ هؤلاء وغيرهم الكثير نتذكرهم على أنهم كانوا في الماضي ودخلوا صفحات التاريخ الذي نقرأه ولا نتعظ منه في كثير من الأحيان. انشغلنا بالحاضر فقط كي نلبسه قناع الماضي الذي نريده فقط وليس كله. الماضي الذي كنا يوماً فيه أصحاب القرار لفتح أو غزو أو احتلال مدينة أو منطقة ما. لنأخذ مما استولينا عليه من بلدان ما يسر العين والقلب فقط، وأما العلوم والكتب التي افلح فيها علماء تلك البلدان، فقد أحرقناها ورميناها في المياه والأنهر، لأن ما دونَ بها لم يكن سوى بُدَع وتعمل على إعمال العقل. فحينما تُشهر الرماح والسيوف لا يبقى للعقل وظيفة ومسؤولية. حرقنا وأغرقنا العقل منذ قرون وابتدعنا عوضاً عنه عملية “النقل”.لذا، لا تلومونا اخوتي الكرد إن نحن ابتعدنا عنكم ولم نعد نتذكركم حتى، لأننا التهينا بالنقل ووأدنا العقل، مذ كنّا نؤد الطفلة الرضيعة، كما قيل لنا. لا نهتم بالتطور عن طريق العقل، لأننا نؤمن فقط بالتوسع عن طريق السيف كُنّا. هكذا كنا ولا زلنا ظاهرة صوتية، نجعجع كثيراً من دون طحن ودقيق. نردد الشعارات والتكبيرات والبيانات والتنديدات، ولا نفعل شيئاً حيالها. حتى حالة الـ “قلق” لرؤوساء المنظمة الأممية لم يصل إلينا. كل ما يصدر عنّا لا يتعدى آذاننا وجلستنا واجتماعاتنا. فلا تلومونا.هكذا اقتضت مصلحتنا الفردانية والمجتمعية، بأن نكون منشغلين فقط بأنفسنا ولا نتدخل في شؤون الغير. ومصلحتنا تكمن فقط في المال والبنون والسلطة، لا غير ذلك نفكر به وفيه. هذا هو سقف تفكيرنا من أجل الولوج للمستقبل ولا غير سواه. إنه تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا. لا جديد عندنا سوى التكرار. لم نكن أصحاب حضارة يوماً، بقدر ما كنا وزلنا أصحاب مدنية. وشتَّان ما بين المفهومين. الحضارة والمدنية. وكِلاهما متعاكستان وإن بدتا متشابهتين في مفاصل معينة.الحضارة تعني حلق وابداع الثقافة التي بدأت بالمجتمعية وقوانينها الأخلاقية من صدق واحترام ومحبة وضمير وقبول الآخر كما هو، بالإضافة إلى ابتكار وسائل وأدوات الحياة واستمراريتها، من زراعة وتسييس الحيوان والمقايضة الأخلاقية وبناء القرى. أما المدنية التي اعتاشت وبدأت من الاهتمام بالتطور العمراني بدءاً من المعابد والقصور والزيكورات ومنها إلى الاهرامات. كل ذلك ارتبط بالسوق ومداولاته، والكهنة ومعابدهم التي افرخت الشكل البدئي لإله المدنية والمدينة. صراع الحضارة والمدينة لا زال مستمراً بأشكال مختلفة وهو ما نراه في صراع الريف والفلاحين مع أبناء المدينة والعواصم ذات الأضواء المبهرة. وصوفوه زوراً أنه صراع ما بين التخلف والجهل وما بين العلم والتحضر.عُذراً اشقائي الكرد، إنها المصلحة الفردانية والأنانية التي اعمت بصائرنا وبصيرتنا عمّا يدور من حولنا. فأنتم في نظرنا فقط مقاتلين شجعان ومضحين بحياتكم من أجل الغير والآخر. ومعلوم أن المقاتل والجندي تنتهي مهمته حال انتهاء المعارك، هذا إن بقي على قيد الحياة، ليعود إلى أهله ويعيش كما كان، لا كما يريد. أما النصر فهو لنا ونحن من يجب أن يحتفل به ونطلق له أطنان والألعاب النارية ليعيش العالم الفرحة في القضاء على الإرهاب والعدو. وهذا ما نأمله منكم لا غير.حاربتم بكل شجاعة وقضيتم على داعش إن كان في العراق أو سوريا، وهنا تنتهي مهمتكم حسب أعرافنا وتقاليدنا التي تربينا عليها. وما عليكم سوى العودة لمنازلكم وعوائلكم وأنظمتكم وحكامكم، أو لتبقوا مستعدين لأي طارئ حينما نستدعيكم فقط نحن. أما المبادئ التي تتحدثون بها، لتكن لكم وزينوها كيفما أردتم وشئتم. لكن لنا مصلحتنا الخاصة بنا فقط ولا يمكنكم مشاركتنا فرحة الانتصار ولملمة مكتسباتها.لربما تكون لكم فلسفتكم في الحياة كما في القتال. تنادون بالعيش المشترك، وهو ما نريده أيضاً. وتنادون بأخوة الشعوب، وهو ما نطلبه أيضاً، ولكن حسب شروطنا ومصلحتنا ستكون تلك الأخوة وذاك العيش. وغير ذلك، إذا أنتم انفصاليون وعملاء لأمريكا وإسرائيل،

اقرأ المزيد »

حينما استباح المنافقون الأعراب وطني

محمد أرسلان علي كثيرة هي المآسي والويلات التي تجعل الوطن يئن مفجوعاً لما حلَّ به من فواجع تجعله يبكي ألماً ويعلن الحداد على وصل إليه الانسان لدرجة أنه لم يعد هذا الوطن يعني له شيئاً و/أو كأنه وسيلة تم استخدامه للوصول إلى غاية ما. وربما يكون لهم الوطن عبارة عن أي شيء يمكن الابتعاد عنه وعدم الارتباط به فقط لأنه وفق أوهامهم ليس إلا عن حضّانة قامت بدورها المغذي وينتهي دورها بانتفاء الحاجة له. هكذا هي ماهية بعض الشخوص التي لا تعير أي اهتمام بالذاكرة الحية للإنسان الذي لا يمكن له أن يعيش التاريخ على أنه المعلم والنهر الجامح الذي يوجه الأحفاد نحو الطريق السليم، مستفيداً من العثرات والعراقيل التي لاقاها أثناء مسيرته الحياتية. وبنفس الوقت ثمة مجموعة من الناس تعي جيداً ماهية الوطن وتلك البقعة من التراب التي ولِدَ عليها وفيها زرع بها أولى بكائياته وصراخه لترتد له صدىً يعلمه الارتباط بالمكان والذي ستتراكم لتغدو الذاكرة الجمعية له.صراع ما بين الذاكرة الجمعية للإنسان والتي جعلته يعيش المجتمعية التراتبية لتكوّن أولى الخلايا المجتمعية والتي انطلقت منها القوة المحفزة للفكر لاكتشاف “مغامرة العقل الأولى” كما سمّاها فراس السواح، والتي كانت السبب لما نعيشه الآن من وعي وتطور فكري وعلمي وثقافي وتكنولوجي، وبين واللا شيء بالنسبة للآخر الانسان الذي لا تهمّه تلك الرابطة المجتمعية ولا فضول العقل للمعرفة ولا للوعي، محاولاً بكل عجرفته الفردانية أن يبقى ذاك الذي يعيش على هامش الحياة والمجتمعات منتظراً أن يعتاش على ما يلقيه الآخرون من فتات المعرفة الضحلة والكلمات الفارغة المعنى، ليتلقفها وكأنها الحقيقة بالنسبة له.صراع ابتدأ منذ الأزل ولربما سيمتد كثيراً ولما شاء الرب حتى يحين وعده الحق في وضع الميزان ليلقى كل طرف وفرد ما عملت يداه في صراع على أمرٍ جدّ بسيط لا تكلفة له سوى بالعودة إلى الذات والابتعاد عن الاغتراب المجتمعي والارتباط بالذاكرة الاجتماعية وتراكماتها المعرفية كما كان باللوح المحفوظ. صراع تحول لمعارك وحروب ما بين الانسان والانسان فقط ليُثبت كل طرف أنه يمتلك ناصية الحقيقة وأن الطرف المقابل ليس إلا جاهلاً وعدوِ نفسه، لتتكرر تراجيدا “هابيل وقابيل” بألف وسيلة للقتل والدمار والحرق والنحر والفساد والتهجير، فقط لتستمر الحياة بثنائيتها القاتلة للطرفين ولتحتدم أكثر فأكثر مع التطور التقني لأدوات القتل النفسي والجسدي، والتي نعايشها ونحن في القرن الحادي والعشرون، التي لا تقِلُ رُعباً عن سابقاتها من أدوات الترهيب على زمن المغول والتتار وأحفادهم العثمانيون راهنناً.لطالما كان من يتشبثون باللهث وراء السلطة والمال والقوة يمتلكون أدوات الترهيب تلك يرعبون بها كل من لا يفسحون لهم المجال لإشباع جشعهم ونهمهم، فينهب كل ما تطاله أيديهم من خيرات ومال وأفكار من كلمات ومعاني ومصطلحات لينسبوها لأنفسهم، وكأن الفلسفة والعلم والمعرفة قد بدأت من عندهم فقط، وكل ما ينافي ذلك ما هو إلا هراء معرفي ينبغي على الكل الابتعاد عنه.صفات عديدة تم إلصاقها بهذه الفئة عبر التاريخ إن تم وسمهم بالمنبوذين والمهرطقين والخوارج والكفرة والمنافقين، والآن هم العملاء والخونة والعبيد والمستسلمين والخنوعين والبيادق والأقلام المأجورة. صفات كثيرة تعدت التسعة والتسعين صفة لخالق الكون الذي لا يضاهيه أحداً، إلا من تكبر وتجبر على الرب حتى بزيادة الأسماء والألقاب والأوسمة التي لا تزيدهم سوى نفاق ورياء.مسوخ وأشباه بشر يمتلكون المال والسلطة وأدواتها روجوا للظلم بأنه متعة للحياة وللفساد بأنه ذكاء وفهلوة وللكذب على أنه دهاء وللسرقة على أنها من فضل ربي، لتطول القائمة التي باتت وكأنها نزلت مع الوصايا لتكون الحادية عشرة، حتى تستطيع أن تعيش في هذه الحياة التي رسموها لنا ويريدوننا أن نتقبلها على أنها قضاء وقدرٌ وعلينا الايمان بها.بكل تأكيد إنه صراع ما بين الخير والشر، النور والظلام، الجنة والنار، الصديق والعميل وباقي الثنائيات التي لا زلنا متمسكين بها، لأنه لا منطقة وسطى ما بين الجنة والنار إلا لهؤلاء الأعراب المنافقين الذين يسعون بأن يمسكوا العصى من الوسط. وذكرهم الله عز وجلّ في كتابه: (ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا) التوبة – 97، ذلك لأنهم بعيدون عن التفرقة ما بين الخير والشر وبعيدون عن معرفة القوانين الأخلاقية والنواهي. ولأنهم يمتلكون خصائص متطبعة فيهم فقط حيث أنهم يحبذون لطافة الطبع والخنوع والانقياد للأقوى، ويحرصون على جمع المال بقربهم من بيده السلطة. والى الان نراهم في كل مكان يعيثون فساداً في وقتلاً وتهجيراً ودماراً في المجتمعات التي يدخلونها و/أو يحتلونها، كما فعلوا في عفرين وسري كانية/رأس العين وكري سبي/تل أبيض وإدلب في شمالي سوريا. نفس الأمر يتكرر إن كان في ليبيا واليمن والعراق ولبنان وأرمينيا وأفغانستان. بلدان أنهكتها الحروب وجعلت من شعوبها قرابين لمصالح وأجندات القوى الدولية الإقليمية وكذلك الأعراب المنافقين الذين استباحوا وطني وبلدان الشعوب الأخرى.ما تعيشه هذه المدن من نفاق ورياء قوى الهيمنة الإقليمية والدولية أكثر ألماً وحسرة وظلماً من فاجعة القتل بحدِ ذاتها، لأنها تريحه من العذاب الذي يعيشه على أقل تقدير كما يقال، لكن نفاق تلك الطبقة ليس له حدود وعابر للقارات والقوميات بنفس الوقت. بكل تأكيد لا يمكن لهؤلاء الاعراب ان ينتشروا في أي مكان وينشروا الفساد إن لم تكن ثمة قوة تدعمهم وتساندهم وتمولهم مادياً ولوجستياً واعلامياً.الكل متفق على إرهابية داعش والفصائل المتطرفة بغض النظر عن اسماءها والمنتشرة في كل مكان تقريبا تتربص الوقت كي تكشر عن أنيابها الوحشية للانقضاض على الشعوب والمجتمعات لتنهش فيهم وتقطعهم إرباً كرمىً لعيون خليفتهم أو ممولهم. وما حصل في الحسكة المدينة السورية من محاولة الهروب لعناصر داعش الإرهابيين من السجن، ما كان هذا الأمر ليتم بقوتهم الذاتية، إن لم يكن هناك من يقدم لهم الدعم والمعلومات، ليعيدوا نشر هذه الفئة الضالة في ربوع جغرافيا ميزوبوتاميا (سوريا والعراق) ثانية ليحرقوا ويدمروا ما تبقى، ما كان لهم أن يفكروا بالهروب لولا الدعم الذي يتلقونه من الدولة التركية وأردوغان خليفتهم المنتظر وكذلك قوى الهيمنة التي تحاول قطع ذنب داعش الأفعى لتُبقي على رأسه حراً عند أردوغان يرضعه من نفاقه ووحشيته الفاشية الدينوية والقومجية.وبحساسية نابعة من عمق جغرافيا وتاريخ وثقافة شعوب المنطقة كان رد قوات سوريا الديمقراطية قوياً ليقوض ويفشل ما أرادوه جحيماً على المنطقة أجمع. هذه القوات المؤلفة من كافة شعوب المنطقة متسلحة بفكر ووعي عميق يمتد جذوره لكافة الثقافات الحية والمنبعثة من جديد لتكون هي صاحبة هذه الجغرافيا ولتكون من جديد المهد الذي علم الآخرين معنى الحضارة والإنسانية والأخلاق والصداقة والتضحية وكافة العلوم.الأعراب ليس لهم علاقة بالقومية أو الدين أو العرق بكل تأكيد، لأنها صفة وخصوصية يحملها الانسان أينما كان وعاش، ولتتشابه عندهم تلك الغرائز ويجتمعوا على طاولة واحدة لينفذوا أطماعهم وسرقاتهم وليزينوها بعد ذلك بمعسول الكلام عن الايمان والله والديمقراطية وحقوق الانسان، وقلبهم المفجوع على أشبال خلافة داعش اللقطاء. وبنفس الوقت ليشربوا نخب النصر أمام آلاف القرابين من الشعوب والأطفال الذين يتم تقديمهم أمام مذابح الرأسمالية

اقرأ المزيد »

في ذكرى 24 لاعتقال أوجلان…رؤيته للقضية العربية و إسرائيل

الكاتب والباحث السياسي الكردي- المهندس أحمد شيخوتواجد الشعب الكردي كأحد أقدم شعوب المنطقة منذ حوالي 12 ألف سنة في سلسلة جبال طوروس وزاغروس الممتدة من الخليج العربي وبشكل قوس ماراً بأزربيجان وأرمينيا حتى لواء إسكندرون والبحر الأبيض المتوسط أي من مدن بوير أحمد وكرمنشان وشيراز حتى عفرين وأضنة وأنطاكيا وتركز وجوده في هذه المنطقة التي تم تسميتها تاريخياً بالهلال الخصيب أو بميزوبوتاميا ، حيث تفاعل أسلاف الكرد الهوريين والكوتين وغيرهم التي كانوا في شمال المدنية السومرية مع المحيط، وكان تلاقي ثقافة آل العبيد الهرمية وثقافة المدنية السومرية مع ثقافة جغرافية الكرد(كردستان) أي الآرية والنيولتيتية حلقة الحضارة الإنسانية( حوالي 6000_5500)ق.م، التي مهدت للحياة الحضارية البشرية حتى اليوم، وكانت مدينة حمص السورية منذ حوالي 1650 ق.م تشكل الحد الفاصل بين الأمبرطوريتين الفرعونية المصرية والأمبرطورية الميتانية الكردية التي كانت مركزها (واشو كاني) أو مدينة سري كانيه (رأس العين) السورية الحالية المحتلة من قبل تركيا واللتين تحالفاتا في أول اتفاقية دبلوماسية في التاريخ اتفاقية قادش سنة 1258ق.م .وظهرت القضية الكردية وكذلك الإنسانية بعد تشكل الطبقية والمدنية والدولتية كتغيرات بنيوية في المجتمع البشري بداً من المدنية السومرية إلى اليوم رغم أن ذلك التحول في المجتمعات البشرية في بدايتها كانت تجسد حاجة ملحة لمعالجة القضايا التي ظهرت قبلها.وتشكلت الهيمنة وأنظمتها من رحم الزقورات السومرية التي ولدت الدولة كشبكة نهب وهيمنة بأيد الكهنة ومازالت إلى اليوم منتوج كهني وإن تبدلت التسميات والميتولوجيات والأديان والعلوم والفلسفات المرافقة والمشرعنة لها ، ومن صارغون والأكاديين وحتى النظام الأحادي القطب الأمريكي الهيمنة هي نفسها وإن بدلت جغرافيتها في القرن الثاني والثالث عشر من الشرق الأوسط إلى أوربا الغربية إلى أمريكا بعد الحرب العالمية الأولى والثانية نتيجة تواجد وعي الحقيقة بشكل أكبر في الجغرافيات الجديدة. وفي هذا المسار تكاثفت وتراكمت وتركزت الألوهية و الهيمنة والسيطرة والتحكم والسلطوية وأدواتها وأجهزتها حتى تدخلت في كل الأوعية الشعرية للمجتمعات والشعوب وكذلك في الطبيعة والمرأة وجعلتها تعاني أشد الأزمات والمشاكل والأمراض والتصحر و التلوث وخطر الإنقراض لكثير من المكونات الحية.قاد أسلاف الكرد ومنهم سلالة خودا أول مقاومة تاريخية باسم شعوب المنطقة، وأنهوا أول إمبرطور وديكتاتور في التاريخ وهو سارغون وسحقوا عاصمته أكاد بالأرض قادمين من جبال زاغروس وبالتعاون مع شعوب بابل والمنطقة حينها وكذلك في عام 612ق. م قاد الكرد الميدين شعوب المنطقة وانهوا أكثر إمبراطورية ظلماً وجوراً في التاريخ وهي الأمبراطورية الأشورية وبذلك أنقذوا شعوب المنطقة الممتدة من الهند إلى شمالي أفريقيا وشكلوا الكونفدرالية الميدية التي كانت نموذجاً للحياة المشتركة إلا أن تحالف الفرس واليهود عليها، وربما ما فعله و يفعله الكرد الحاملين لفكر و فلسفة ورؤية المفكر والقائد عبدالله أوجلان من أخوة الشعوب والعيش المشترك والوحدة الديمقراطية اليوم وبالتعاون مع شعوب المنطقة وخاصة العلاقة الكردية-العربية الاستراتيجية في شمال وشرق سوريا التي هزمت داعش وأنقذت المنطقة والعالم هي استمرار وصدى للمسار التاريخي من الأخوة والتشارك والديمقراطية التي كانت سنة الحياة في المنطقة بين المجتمعات والشعوب.ولقد كانت جغرافية الكرد الجبلية وتوفر إمكانيات الحياة الغنية فيها سبباً لعدم بحث الكرد عن طرق وسبل الغزو والحرب والنهب وإقامة الدول والسلطات والأمبرطوريات وإنما كانوا في كل مرة يزداد خطر المدنيات عليهم وعلى شعوب المنطقة، ينزلون ويقولون كلمتهم ويقضون عليها وثم يفضلون العيش في طبيعتهم الجبلية وليس الاستيلاء والتحكم على مواقع أو جغرافيات جديدة ولعل الملاحم التاريخية كجلجامش و رستم زال وغيرها تذكر هذا في جنباته مع وجود الآلهات والآلهة الأم التي كانت تؤكد على دور المرأة في الحياة الكردية الجبلية والزراعية مثل الإلهة الأم ستار وغيرها كتعبير واضح عن ثقافة المساوة والحرية والأخلاق في معتقداتهم كما في الزردشتية وغيرها .ومنذ أن تمكن أحد الفصائل التي كانت من أضعف وأفقر رعايا الكونفدرالية الميدية وهي مجموعة الفرس من السيطرة على الكونفدرالية الميدية عام 550 ق.م بمؤامرة كيروس ذات الأب الفارسي والأم الكردية وقتله مع الفرس والخائن هربكوس الأمبرطور الميدي الكردي أستياج وإلى اليوم دخل الشعب الكردي في حالة لا يحسد عليه من الدفاع المستمر عن وجوده وكرامته وحريته وأرضه وجباله وسهوله وحياته الحرة.وفي الكونفدرالية الميدية و الأمبراطورية البارسية وحتى الساسانية وقبلها كانت الزردشتية تعبر عن البعد الروحي والسماوي في المجتمع الكردي ومحيطها، وسيدنا إبراهيم الذي من الممكن أن يكون كردياً غادر من ظلم الوالي البابلي نمرود حوالي 1700 ق.م إلى أرض كنعان ومصر كمسار للتفاعل التاريخي والطبيعي منذ الأزل بين كردستان ومصر ماراً بالقدس أو الشام. ويمكن في أحد الجوانب وصف مساره بأنه تجسد العلاقة و التفاعل لجغرفية كردستان مع بلاد كنعان وحوض مصر و شبه الجزيرة العربية كونه قدم من رها ( أورفا) الكردية وحاملاً ثقافتها وحياتها والتي تقع حالياً على الحدود التركية السورية الحالية.قدم الإسكندر330ق.م وعمل على تركيب حضارة ثقافية هلينية بين الشرق والغرب واستمر بعده قادة جنده وتلقوا العديد من الهزائم على يد الكرد وطبيعة مناطقهم يذكرها قذانوف وهيردوت في كتبهم ودرات رحى حروب طويلة بين البرس وإسكندر إلا أن كان الرومان والبيزنطة أسياد المنطقة و لقد قدم الإسلام زمن الخليفة عمر بن الخطاب سنة 641_642 م عبر جنوب العراق الحالي وعبر نصيبين على الحدود التركية السورية الحالية إلى الشعب الكردي. وتشاركت الشعوب العيش في الحضارة الإسلامية حتى نهاية الإمبرطورية العثمانية. وهنا أصبح للعلاقة الكردية-العربية وكذلك وحدة الشعوب الإسلامية من بديهيات الحياة والإرادة المشتركة و المصير المشترك، وسجل الكرد محطات مهمة في وحدة الأمة الإسلامية وتجميع إرادة المنطقة وبذلك مواجهة التحديات والتغلب عليها كما فعله الناصر صلاح الدين الأيوبي وغيره الكثير.ومن الجيد الإشارة إلى أن الكرد ورغم عيشهم في ظل دول وإمبراطوريات ليست كردية السلطة و لكنهم وأرضهم التاريخية وحياتهم الخاصة لم تفقد خصوصيتها بل كانت تعيش وفق مزاياها و ثقافتها ولغتها وكيانها الإداري و العشائري الخاص والأقرب إلى مفهوم الإدارات الذاتية ضمن الدول والأمبرطوريات الكبيرة، وضمن الحضارة الإسلامية كان للكرد أكثر من 50 دويلة أو إمارة ضمن الدولة او الخلافات الإسلامية من العصر العباسي وحتى منتصف العصر العثماني وتحديداً حوالي 1830م ومنها إمارات بوطان، روندوز، صوران ، أردلان، هكاري، الدولة المروانية وغيرهم ماعدا الدولة الأيوبية وحضور الكرد في الدول الإسلامية كمجموعات وأشخاص مؤثرين ومبدعين وفقهاء وعلماء وفنيين و قادة للجيش وولات وقضاة وغيرهم.و بتدخل الألمان في الإمبراطورية العثمانية 1830 م وكذلك دخول بانيلون بونابرت إلى مصر 1800 م، بدأت المركزية الشيدة وبدأت معها عصر التدخل الخارجي في المنطقة وشعوبها. وهكذا في القرنين الأخيرين ومع توافد الهيمنة الفكرية الأوربية أو ما يسمى الاستشراق ومدارسها الفكرية ونظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ظهرت مالم يحسب لها الحساب وهو تقسيم المنطقة وتفتيت شعوبها وفرض الهيمنة عليها ونهب خيراتها عبر عدة أدواة على راسهم الأداة المسمى بالدولة القومية التي أوجدتها الإمبرطورية الإنكليزية بالتعاون مع اليهود لإزالة العوائق أمام توسع بريطانيا وهيمنتها

اقرأ المزيد »

نهاية تاريخ الاخلاق ونهاية التاريخ والحضارة

محمد أرسلان علي لطالما كان الدين منذ قرونٍ عِدَّة من أهم الأدوات والوسائل التي تم استثمارها واستخدامها من قِبل الوصوليين والانتهازيين الذين لا همَّ لهم سوى التربع على عرش السلطة بكل أدواتها وأجهزتها، لسهولة سيطرتهم على الشعوب والمجتمعات وتوجيههم كيفما يشاؤون وأينما يريدون. وقد برعت هذه الفئة من الناس في الابداع وخاصة من ناحية الأسلوب والخطابة لربما لأنها كانت من أفضل العوامل التي كانت تؤثر بشكل مباشر على الشعوب بمختلف مكوناتهم وقومياتهم وانتشارهم الجغرافي. الدين بتطوره من الطوطمية ووصلوه للمرحلة التوحيدية، مرَّ بالكثير من المراحل المختلفة والتي تطورت معها مختلف الأساليب والكلمات والمعاني، فقط ليتم سهولة السيطرة على جموع الناس عبرها.التاريخ متخم لحد التقيؤ بأمثلة عن هذه الفئات والشخوص الذين استثمروا الدين بأفضل الأشكال وكانت لهم صولات وجولات في هذا الشأن وتربعوا على السلطة حتى انقلبت عليهم الأقدار وترهلت اساليبهم بعدما استحوذوا على السلطة، ظناً منهم أنهم بذلك اصبحوا من الخالدين. لكنه التاريخ الذي لطالما كان له مجرىً خاصاً به ليقول كلمته الفصل في نهاية الأمر. فسروا الدين وفق أهواءهم وأجنداتهم ووظفوه حيثما كانت أطماعهم وسلطتهم الجشعة. معظم الامبراطوريات عبر التاريخ قضت على من سبقتها باسم الدين وباسم “إعلاء كلمة الحق”، لكنها سرعان ما تتحول لسلطة استبدادية تحت مسمى “الحفاظ على الأمن والاستقرار”، وبهذا يحل الترف مكان الايمان، الرفاهية مكان التواضع، البذخ والاسراف مكان التقشف، المجون والليالي الملاح مكان غض النظر والنقل مكان العقل، وليتحول المجتمع إلى مجتمع مكبوت ومضغوط بألف حديث وتفسير وفتوى وفرمان سلطاني، ليُقتل كل من يفكر خارج صندوق الخليفة والسلطان على أنه زنديق ومهرطق وكافر وفي أحسن الأحول يشوى على نار هادئة ليكون عبرة لمن يحاول التفكير بالخروج من تحت ظِلال اللُحى المقدسة والمكرّمة من عند الله وكهنة المعابد.كان ذلك ولم يختلف كثيراً إلا بنسب مختلفة في الكثير من مراحل التاريخ الذي تم كتابته من قبل هؤلاء الكهنة ومؤرخي الملوك والخلفاء والسلاطين. من الامبراطوريات الأكادية، البابلية، الآشورية، البارثية، الرومانية. ومن مرحلة فتوحات الحروب الصليبية مروراً بفتوحات الحروب الاسلاموية وصولاً لآخر إصدار لها والتي تمثلت بالخرافة (الخلافة) العثمانية. ومرحلة الاستعمار الحديث الشرقي منه (الاتحاد السوفيتي) والغربي أيضاً (البريطاني والفرنسي وصولاً لأمريكا). ربما تختلف المسميات والمصطلحات والنسبة، ليبقى جوهر السلطة هو هو لا يتغير، ليس له علاقة بالمجتمع والشعوب بقدر ما كانت الاطماع والسرقة وبالتالي الهيمنة هي الهدف النهائي لمعظم الامبراطوريات التي مرت على جغرافيتنا عبر تاريخها المأساوي والتراجيدي بنفس الوقت. لنصل لثنائية طرفين متنافسين ومتصارعين لا زال كل منهما يروج لنفسه على أنه الفرقة الناجية والتي تمتلك كامل الحقيقة وتمتلك مفاتيح “الفردوس المفقود” والأخرى هي الباطلة.المشرقيين والمتأثرين بالاستشراق يظنون أنهم وحدهم يمتلكون مفاتيح تلك الجنة التي سيعيش فيها الكل بنعيم ورفاهية ولهم فيها ما “تشتهي أنفسهم”، وأن كل حروبهم هي لإعلاء “كلمة الله والحق”. لكن ما خُفي تحت هذه الراية من مآسي وويلات وقتل ونحر وسبي، ما يعجز الانسان عن كتابته. والطرف الآخر الغربي الذين يروجون على أنهم فقط يمتلكون مفاتيح “المجتمع الحر الليبرالي” وبمقدورهم نشر معايير حقوق الانسان والديمقراطية والمجتمع المدني، لكن ما خُفي تحت هذه الراية أيضاً لا يقل بشاعة عمّا تم اخفاءه تحت الراية الأخرى من نهب وحرق وتهجير وقتل واغتصاب وسرقات وفساد… الخ، والقائمة تطول لكِلا الطرفان.لكل طرف عقيدته ومفكريه وفلاسفته الذين يروجون لما هم يعتقدونه صحيحاً وصدقاً. فمن ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ…﴾. الإسراء(81)، وحتى “نهاية التاريخ” لفوكوياما و “صراع الحضارات” لهينتغتون، ذهب الطرفان يحفر للآخر بمعول المكائد والمؤامرات باطناً، وتقبيل ذقون البعض وكيل المديح مع رقصة (العرضة) ظاهراً. فحينما ينتشر الدين الاسلاموي السياسي في العالم يكون “الحق” قد انتصر، وبالمقابل حينما تنتشر الديمقراطية الليبرالية ومعايير حقوق الانسان في العالم تكون “الحقيقة” قد انتصرت. وما بين هذين الانتصارين، تم القضاء على الشعوب والمجتمعات وإعادة هندستها من جديد وفق ما يخططون ويرسمون من حدود أشباه دول هشّة، تئن تحت قوانين أنظمتها المستبدة.فلم تنتصر أمريكا والغرب عقب انهيار الاتحاد السوفيتي ولم تمتلك الحقيقة الكاملة، رغم ما تم زعمه من قبل مفسريهم فوكوياما وهينتعتون، بقدر ما تم استثمار الغرب للدين والمتدينين لمنافعهم الخاصة وأجنداتهم وحروبهم. وهذا ما نراه الآن على امتداد جغرافيتنا بشكل خاص والعالم بشكل عام. لأن الشر لا زال منتشراً بكل معانيه القذِرة والخير لا زال يبحث عن روّاده الذين سيرفعون رايته تجاه الفوضى المنتشرة في كل مكان. فما دام هناك مجتمعات وشعوب فلا يمكن للتاريخ أن ينتهي وكذلك لا يمكن للحضارة/ات أن تنتهي، بما أن الانسان والمجتمع في حالة تغير مستمر. وأن الانسان دائما ما هو يبحث عن الجديد الذي يشفي غليله الفضولي.لربما ينتهي تاريخ المدنية وكل ما يتعلق من تطور كان نتيجة ظهور تلك وهذه المدنيات وكذلك التاريخ المكتوب، لكن بكل تأكيد لا يمكن أن ينتهي التاريخ كما زعم الغرب في “صراع الحضارات”. هذا الصراع سوف يستمر طالما استمر الانسان في بحثه عن الجديد في كل شيء. لأن تاريخ الحضارة بدأ مع اتفاق الانسان مع بعضه على وضع بعض القوانين النافذة والتي تنظم حيواتهم الجماعية، والتي تم تسميتها بـ “الاخلاق”. فلا يمكن التفكير بمجتمع من غير اخلاق، لأنه حينها يكون العيش في ظل هكذا مجتمع، كالعيش في غابة والقوي يقتل الضعيف، وهو ما نره ونعيشه. دائماً ما لجأت المجتمعات إلى الاخلاق للحفاظ على تواجدها وبقاءها وتماسكها، وعكس ذلك لا يعني إلا مجتمع هشّ لا لون له ولا وجود، وما هو إلا مجتمع استهلاكي وغير منتج، ينتظر قدر الله أن يبقيه على قيد الحياة. وتتقاذفه قوى الهيمنة يمنة ويسرى حسب أهواءها وما تسعى إليه.مصلحتي ومصلحة وطني تقتضي أن أكون أو أتخذ هذا الموقف، فعندما تكون “المصلحة” هي مقياس سكوتي أو صراخي، فهذا لا يمكن وصفه إلا بأنه تقرب انتهازي وبراغماتي تتخذه بعض الأطراف للحفاظ على وجودها وسلطتها على حساب مجتمعاتها الهشة. فحينما تتغلب المصلحة على الأخلاق، حينها نكون نعيش “نظام التفاهة” كما عنون آلان دونو كتابه. حيث أن الأخلاق حسب أفلاطون هي شرط أساسي للوصول إلى “السعادة”، لأنه كان يرى “الأخلاق” بالابتعاد عن الشهوات حتى يحقق الفرد السعادة والعدالة والفضيلة. عن الشهوات بكل تأكيد لم يكن يقصد فقط الشهوات والغرائز الجنسية، بل كافة الشهوات من جشع وقتل ونحر ظلم واقصاء واستعلاء وغيرها من طبائع فاسد للإنسان والمجتمع وتوصل من يلهث وراءها لينقطع عن المجتمع والضمير الإنساني ويتحول كما رآها بن خلدون إلى “طبائع الاستبداد”.ويقيم السيد عبد الله أوجلان الأخلاق على أنها “الذاكرة السياسية للمجتمع”. وحسب رأيه بأن أي مجتمع يفتقد أو تفتقر إلى الأخلاق، ما هي إلا مجتمعات تكون ذاكرتها السياسية ضعيفة، وتشير إلى مدى فقدانها لقوتها المؤسساتية والقواعدية التقليدية. من هنا نُدرك لماذا تحاول دائماً أية سلطة كانت في أي زمكان كان بوضع الكثير من القوانين وإصدار القرارات على

اقرأ المزيد »

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

اخر الاخبار

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

error: Content is protected !!