الرأسمالية الرقمية (الافتراضية)
الكاتب والباحث السياسي – أحمد شيخو منذ أن ظهرت المدنية والطبقة والدولة والهيمنة بعد تلاقي ثقافتي تل حلف ذات المشارب الآرية وثقافة آل عبيد ذات المنابع السامية في ميزوبوتاميا السفلى وظهور الظروف والأرضية لبناء مدينة أورك وما تلاها حوالي 6000 ق. م ، كان استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وسرقته ونهب كدحه. وترافق هذا الانحراف في السلوك البشري مع مقاومة المجتمعات وأهم عنصر للحياة المستقرة والحرة فيها المرأة الحرة، وكانت الميتولوجيا والتصورات الذهنية والأفكار الغيبية كنافذة تصورية وكطاقة روحية لرفض الشذود والاستغلال في التعامل البشري مع جنسه ومحيطه وأيضا كوسيلة تستخدم بعد تدجينها وترويضها لضمان حماية النظم السلطوية النهية وربطها بالحالة التصورية الغيبية وفرض مفهوم العبد والعبودية والطاعة العمياء للنظم السلطوية كطريق ووسيلة للوصول إلى الجنة والحياة المفقودة والتي تم تلويثها وتمزيقها ونهب قيم الأمومة-والمرأة-الآله فيها، كرمز للعطاء والمساواة والديمقراطية .ومع الإمبراطوريات ومستوطناتها ولعل أشهرها الإمبراطورية الأشورية ظهرت الرأسمالية التجارية وفي القرن الثالث عشر ومع حالة الجمود والسكون والتشرذم وعدم الاستقرار والحروب البينية المتصاعدة التي لحقت بأمصار الخلافة العباسية التي أصبحت مترامية الأطراف و شكلية رمزية، بعد تحكم الأنساب التركية القادمة من أواسط آسيا فيها، انتقلت التفوق التجاري إلى أوربا وفي القرن السادس عشر أصبحت الرأسمالية التجارية حالة هيمنة عالمية وفي تزايد وانتشار واسع إلى أن وصلنا للقرن الثامن عشر والثورة الصناعية وظهور الرأسمالية الصناعية التي تنامت بشكل كبير مع حالة الاستعمار والاحتلالات إلى أن وصلنا لدور المال والعولمة والبنوك الدولية و البورصة أي الرأسمالية المالية في نهايات القرن التاسع عشر .ربما كانت للرأسمالية وبأنواعها الثلاثة خصائص جوهرية أو أركان ثابتة لا تتغير مع تغير الاشكال والأدوات ومنها:1- الأنانية والفردية المتضخمة وبالتالي إضعاف المجتمع وتقسيمه وتشرذمه لأن المجتمعات لم تقبل يوماً الخضوع الكامل لكل أنواع الرأسماليات وظلت تحتفظ بقواها القادرة على التفاعل عبر أنسجتها السياسية والأخلاقية أي بينيتها وتركيبتها الديمقراطية.2- العمل المأجور بتنوع تسمياتها من العبد إلى الموظف الحالي الذي يعمل بأجر زهيد ويقبل كل أنواع الحياة المفروضة عليه.3- الربح والقيمة الأعظمية دون الاكتراث بالبيئة والمناخ والطبيعة والإنسان.4- الملكية الخاصة المتضخمة وتطويرها لملكية الدولة أو رأسمالية الدولة وشرعنتها بمختلف القوانين الوضعية.5- تسليع المرأة وتبضيعها وجعلها وسيلة للبيع والشراء وإناء للمتعة وآلة لإنجاب الأولاد وخداعها بالمفاهيم الليبرالية للحرية الشكلية الفردية والزائفة دونالرأسمالية الرقمية (الافتراضية) اعتبار للكيانية الحرة للمرأة والطاقة المبدعة لها ولحقها في قرارها المستقل فيما يخص كينونتها وجنسها وطريقة تشكلها للعائلة الديمقراطية والمجتمع برمته.6- الهيمنة الفكرية والفلسفية أو الأيدولوجية والعمل لخلق أرضيات وأجواء للتأثير في تشكل معظم السياقات النضالية الاجتماعية والتيارات السياسية والثقافية والسلطات-الدولتية حتى تكون في النهاية في خدمة الرأسمالية الرقمية (الافتراضية)مالية وتعزيز هيمنتها كما فعلتها أغلب التيارات والأحزاب وحركات التحرر الوطنية والدول حول العالم التي اعتنقت وتلاحمت وأخذت الميول والأفكار القوموية والإسلاموية والجنسوية أساسا لها.7- المحافظة على الدولة وتطويرها كوسيلة احتكار للعنف و لكونها أداة النهب والتحكم والاستغلال وإضعاف المجتمعات وتجديدها مع كل ثورة وحركة تغير كانت تقوم بها المجتمعات عبر العمل من الطبقة البرجوازية لانتصار الثورة المضادة وضخ دماء جديدة في هذه الأداة والاستفادة من الأخطاء السابقة وإفشال كل الجهود المجتمعية الديمقراطية.8- اقتصاد السوق والاحتكارات المختلفة والتحكم بآليات العرض والطلب والأسعار وعلاقات الانتاج.يمكن القول أن الرأسمالية تجدد نفسها دائما بعكس الطرف والنظم الأخرى التي تظل دوغمائية وقالبية فتكون مصيرها السقوط، ولقد أثبتت الرأسمالية أنها أكثر قدرة على الاستمرارية والحياة مما كان يتصور خصومها، حيث تغلبت على أخطر التناقضات في اللحظات المناسبة، ويمكن القول والاعتبار أن الثورة التكنولوجية أو استغلالها والتحكم بها والهيمنة عليها هي المرحلة الحالية و المقبلة من مراحل تجديد الرأسمالية لنفسها في إطار مرونتها وقدرتها على الاستمرار كما استفادت من الثورة الصناعية.لكن مع وصول الرأسمالية إلى مرحلتها الراهنة إلى الرأسمالية الافتراضية أو الرقمية وتكاثفها وأدواتها الجديدة، دخلت البشرية في عصر جديد تتخذ فيه الرأسمالية أبعادا جديدة مضافة وربما مقاربات جديدة من القضايا السابقة والأركان الثابتة لديها مع التأكيد أن جوهرها واعتبارها للإنسان والمجتمع والطبيعة كمواد أولية للربح والاستخدام والهيمنة تظل نفسه. و التغير المصاحب لتطور تقنيات المعلومات يؤثر على أسس نمط الإنتاج ويزعزع استقرار حتى مبادئه الأساسية، ويؤدي ظهور التكنولوجيا الرقمية إلى تعطيل العلاقات التنافسية لصالح علاقات التبعية، ما يعطل الآليات الكلية ويجعل الاستحواذ مقدّما على الإنتاج وبذلك يتم إرجاع البشرية إلى عهود الاستعباد وبنماذج عصرية.الرأسمالية الرقمية (الافتراضية)إن طبيعة الهيمنة الرقمية، يبين البدأ بالنموذج الاقتصادي الذي يشترك فيه كل نشطاء الاقتصاد الرقمي ومنها استعمال المعطيات ومعالجتها باللوغاريتمات التي تزداد دقة كلما ازدادت المعطيات وفرة، وبذلك صار لاستراتيجيات غزو الفضاء السيبراني نفس الغاية مهما كان الاقتصاد الأصلي، أي السيطرة على فضاءات الملاحظة والتقاط المعطيات الصادرة عن الأنشطة البشرية.لقد أشار الاقتصادي الفرنسي، المتخصص في التكنولوجيا، سيدريك دوراند، أن الرأسمالية الرقمية تمثل “إقطاعية تقنية” قائمة على الريع والافتراس والسيطرة السياسية للشركات متعددة الجنسية، ويقول أن هذا الوصف أكثر تعبيرا عن علاقات الإنتاج التي يسر نحوها هذا النمط من الانتاج الافتراضي العالمي.بذلك هي الظاهرة هي التي تسمح باستغلال القوة الجماعية لتردّها في شكل سلطة، وهنا تتجلى المسألة الإقطاعية، فالمنصّات تحوّلت إلى إقطاعات (الإقطاعة هي مجموع ما يملكه الإقطاعي من أراض وما عليها)، ليس لأنها تعيش على “أرض رقمية” مأهولة بالمعطيات فحسب، وإنما أيضا لأنها تقيم حواجز صارمة على خدماتها ومعلوماتها، تلك الخدمات التي تغدو أساسية لا غنى عنها لكونها صادرة عن ما تسمى القوة الاجتماعية المتحكمة.أن التغير الذهني و السلوكي المرافق في أداء الفرد والمجتمع بسبب التفاعل مع التطور في تقنيات المعلومات وبرامجه المختلفة، يؤثر على أسس علاقات و نمط الإنتاج ويعطيها أبعاد جديدة، ويؤدي ظهور التكنولوجيا الرقمية لصالح علاقات التبعية، ما يعطل بعض الآليات والمعاير السابقة ويجعل القرصنة والاستحواذ والتجاوز متفوقاً على الإنتاج، كما هي المعلومات والميول والتوجهات والنبضات المحتملة التي تكون في قبضة الرأسمالية الرقمية وطبقتها النخبوية التي لاتتجاوز نسب أقل من السابق وربما اقل من 5% السابق في عصور الرأسماليات السابقة.جاء عام وباء كورونا التي ربما تكون أحدى إبداعات الرأسمالية الرقمية وأدواتها، ليظهر مدى اعتماد العالم على التكنولوجيا في ظل الإغلاقات في أغلب الدول حول العالم للحد من انتشار فيروس الوباء. ليس فقط نتيجة استخدام التكنولوجيا الرقمية في العمل من البيوت والتعلم عن بعد، بل أيضا في التسوق الالكتروني عبر الانترنت وطرق الدفع والتحويل الرقمية والتفاعل الاجتماعي الافتراضي بين الرجال والنساء. لقد اصبح قطاع “التكنولوجيا المالية” واحدا من القطاعات الأسرع نموا الآن في الاقتصاد العالمي، وحتى الصين، التي وإن كان اقتصادها تحول للرأسمالية بشكل منضبط ومقيد ومختلف عن الرأسمالية الغربية، ولكنه أكثر توحشا وتنافسا الآن بقوة في مجال التكنولوجيا والتكنولوجيا المالية تحديداً، وربما وصل لمنافسة وادي السيلكون الأمريكي أو الإسرائيلي المتفوقين في العالم والمنطقة بالتقنيات المختلفة من الاقتصادية إلى العسكرية والأمنية.نستطيع القول إن الرابح الكبير من









