محمد أرسلان علي

الأنظمة السلطوية، تنمر للداخل وظاهرة صوتية للخارج

محمد أرسلان عليلطالما أثبتت الأنظمة الاستبدادية والسلطوية بأنها غير معنية بشعوبها بقدر ما تهتم بمصالحها واستمرارية حكمها وتربعها على عرش الفساد. كانت ولا زالت عقلية الأنظمة الشعبوية عبر التاريخ هي العنوان الرئيسي لكل من يسعى للسلطة والنفوذ. وكأن هذه الأنظمة حينما تقرأ التاريخ ليس من أجل الاتعاظ واستنباط الدروس والعبر، بل من أجل تكرار نفس العقلية والسير وفقها. لذلك لم يكن التاريخ بالنسبة لهذه الأنظمة سوى عبارة عن أرقام وقصص تروى من أجل قضاء الوقت في ليالي السمر وشرب نخب الاستبداد والظلم في دهاليز وأقبية السجون المتخمة بمن كان يفكر بالتغيير والبحث عن الأفضل.منذ أكاد وحتى الهيمنة الغربية لقوى رأس المال الناهبة لكدح وجهد وثقافة الشعوب الأصيلة التي ارتبطت بثقافتها وأرضها. عملت هذه الأنظمة الأحادية المنطق على التمكيج بألف لون ولون من اجل استمرارية بقائها على السلطة ممسكةً بسيف ديموقلديس تُرهب به الشعوب التواقة لنيل حريتها وكرامتها. لا تختلف البتة عقلية الانظمة الاستبدادبة عن بعضها البعض وإن اختلف الزمان والجغرافيا. فمنذ سرجون الأول الذي بنى امبراطوريته الأكادية على حساب الشعوب والمجازر التي قام بها، وحتى قوى الهيمنة الغربية (امريكا واوروبا) منها والشرقية (روسيا والصين)، كقوى أساسية باحثة ع النفوذ الامبريالي ومعتمدة على أدوات اقليمية ومحلية لصراع آلهة النفوذ المالي للسيطرة على الكوكب. أدوات كانت ولا زالت تعيش على تنفيذ ما هو مطلوب منها، كي تبقى على قيد حياة السلطة والفساد والاقصاء والتهجير.تركيا وايران وغيرهما الكثير من الأنظمة الشمولية الأحادية المنطق في منطقتنا عملت كل ما في وسعها من أجل ربط المجتمعات والشعوب بألهة العصر المقنعين بشعارات الديمقراطية وحقوق الانسان من ناحية، وبالدين والقومجية من ناحية أخرى. كان الدين أفضل أداة ووسيلة لذر رماد الجهل والعتمة في عقول القطيع الذي عُميت بصيرته بعدما فقد بصر فؤاده. من الدين الذي استثمروه في بناء أشباه دول وأنظمة فاشلة وهشّة، محتفيةً باستقلالها وسيادتها الوطنية، وخلود زعمائها وعمائمها وعباءاتها، رعاها الله وحفظها.منذ غزوها واحتلالها المغولي والتتاري وحرقها للمدن والثقافة والانسان، مروراً باستيلائها على الجغرافيا وباسم الدين واعلانها عثمانيتها، وحتى بناء جمهوريتها الاتاتوركية التي بدأت بالمجازر الجماعية بحق الأرمن والكرد والعرب والآشور-السريان والى يومنا هذا واحتلالها لمناطق في شمالي سوريا والعراق وليبيا وأرمينيا، هي نفسها العقلية الطورانية التي لا تقبل بالآخر إلا إذا كان من الخانعين والساجدين لسلطنتها الفاشية والنازية الشعبوية، والمتمثلة بأردوغان آخر من يدعي أنه من سيبعث العقلية العثمانية من جديد بنفس أدوات الدين. على نفس النهج تربعت الأنظمة الاستبدادية على عرش السلطة الذي لا يمكن ان تتنازل عنه ولو كان على حساب قتل الشعوب وتهجيرها أو تدمير المجتمعات ومدنها. هي العقلية الإلغائية نفسها عند معظم الأنظمة الاستبدادية وإن اختلفت النسبة، إلا أن جوهرها لا يتغير مع مرور الزمن. الاصرار على اللغة والواحدة والعلم الواحد والوطن الواحد هو دينها الجديد الذي اخترعته هذه الأنظمة لتبرير مقتلتها وافقارها للشعوب وجعل جلَّ همها البحث عن لقمة خبزها على حساب حرية وكرامة شعوبها.لم يسلم منها العرب والكرد والأرمن والاشور-السريان ولا التركمان الذين كانوا قرابين على مذبح السلطة الناهبة لساسة وأخلاق المجتمعات. لذا، نرى هذه الأنظمة كيف أنها تتنمر على شعوبها في الداخل وتعمل بهم آلة الحرب والدمار والقتل والتهجير والافقار، لكننا بنفس الوقت نرى نفس الأنظمة كيف أنها تقدم كافة أنواع التنازلات والخنوع وتقبل الذل أمام قوى الهيمنة في الخارج. مثلما حدث ويحدث في سوريا والعراق وليبيا واليمن وغيرها من الدول. أي أنَّ هذه الأنظمة السلطوية والفاشية الاستبدادية هي وحش متنمر ذو أنياب على الداخل، بينما تتحول إلى ظاهرة صوتية للخارج لينطبق عليها المثل “اسمع جعجعة ولا أرى طحناً”. زعيقها وصراخها للخارج لا يتعدى البيانات والادانات والوعيد الفارغ تحت مسمى “نحتفظ بحق الرد”.وحتى ننتهي من الانظمة السلطوية الأحادية المنطق، المقاومة ستستمر بأشكال مختلفة وأساليب شتى ليبقى الهدف دائما بناء المجتمع الانسان الحر. حينها سيكون لكل حادث حديث.

اقرأ المزيد »

رسائل غزل أردوغان لتطبيع علاقاته مع دول المنطقة

محمد أرسلان عليمحاولات تدوير الزوايا الحادة التي كانت عنواناً لسياسات أردوغان مع رؤوساء ودول المنطقة وحتى العالم، باتت تسير بخطى متسارعة في الآونة الأخيرة وجعلها منفرجة ومنفتحة أكثر، وخاصة ما رأيناه من خلال مغازلة السعودية والتخلي عن قضية خاشقجي، وكذلك مع مصر ومحاولة الاعلام التركي الترويج بأنه تركيا عملت على تسمية سفيرها المزمع ارساله للقاهرة، وكذلك بعض رسائل المودة التي اطلقها من اجل إعادة العلاقات مع سوريا وحتى انه مستعد للقاء رأس النظام في سوريا والصلاة معه في المسجد الأموي الذي وعد حينها أن يصلي فيه لوحده، والتخلي عمّا تبقى من خطوط حمر كان قد رسمها على رمال وسراب أوهام الجغرافية السورية، وغيرها الكثير من رسائل الغزل والتطبيع التي يتقاذفها ويرسلها مسؤولين أتراك مباشرة أو عن طريق وسائل الاعلام الموالية لأردوغان بشكل غير مباشر لجس نبض الطرف الآخر.طرقٌ شتى يستثمرون بها لتبييض وجه النظام التركي وأردوغان وتسويقه كي يتم قبوله كما كان مسبقاً وكأن شيئاً لم يحدث خلال السنوات الماضية، وأنَّ ما حصل حتى الآن يمكن اعتباره سوء تفاهم لم يتعدَ زوبعة في فنجان المصالح الآنية ما بين الدول والأنظمة، وأن العلاقات ما بين الرؤوساء في المنطقة أهم بكثير من بقاء الدول والمجتمعات وحتى السيادة. لأن هذه الأمور يمكن بناءها من جديد على أساس بناء الثقة بين الزعماء من جديد. إنها السياسة المتبعة في المنطقة والتي لم تتغير وباتت الأساس في العلاقات التي تمت على حساب الشعوب.كثيراً ما كان الزعماء وعلاقاتهم الشخصية مع بعض هي المحدد الرئيس في مستوى العلاقات ما بين الدول والشعوب، وعليه كانت العلاقات وحتى الحدود ما بين الدول يتم التعامل معها وفق ذلك. لطالما كانت العلاقات ما بين العراق وسوريا متوترة ومقطوعة بسبب العلاقات السيئة والمتوترة ما بين صدام والاسد والذي كان السبب في انشطار البعث إلى قسمين يتأرجح ما بين هاتين الدولتين. كذلك كانت العلاقات ما بين سوريا ومصر وكذلك سوريا والاردن تحددها مزاجية وسلوكيات الزعيم وليس المؤسسات ومصالح الشعبين مع بعضهما البعض.فإذا كانت هذه الأمور هي المحدد والعامل الرئيس في العلاقات ما بين الدول، فليس بعيداً أن نرى أردوغان يحتضن زعماء ورؤوساء دول المنطقة وهم يقبلون شوارب بعضهم البعض ويضحكون مرددين لنفتح صفحة جديدة و (عفا الله عمّا مضى). وأن المؤامرة كانت علينا جميعاً والكل غير بريء منها ولننظر للمستقبل وننسى الماضي قليلاً. ربما تكون هذه اللغة هي التي سوف نسمعها في قادم الأيام مع احتفال كل دولة على حدا في انتصارها على المؤامرة وكيف أنها أجبرت أردوغان على الركوع أمامها وأنه جاء صاغراً وخنوعاً. وسيتم تصويره على أنه سبب البلاء الذي كنّا نعيشه وأنَّه علينا مسامحته لأننا أهل الكرم والعفو عند المغفرة. كل طرف سيقنع من تبقى في الوطن بهذا الكلام غير المسؤول، حتى يتم اقناعنا بأن سبب الفتنة كلها هي قوى الهيمنة الغربية والرأسمالية والصهيونية، ونبتعد كل البعد عن تسمية هذه الأدوات بمسمياتها، لننسى حجم الويلات والقتل والدمار والتهجير والخراب المادي والمعنوي والنفسي الذي لا يمكن تعويضه بتاتاً. هكذا هي الأنظمة التي لا همَّ لها سوى استمرارية تربعها على عرش السلطة والفساد.أما أردوغان فلا يهمه لا زعماء المنطقة ولا شعوبها بقدر ما يبحث الآن عن قشة تنجيه من مستنقع الفشل الذي يلاحقه نتيجة سياساته الفاشلة وتدخلاته في شؤون دول الجوار الاقليمي، وكذلك ساساته القمعية في الداخل التركي تجاه الكرد على وجه الخصوص. الانتخابات في تركيا باتت على الأبواب وأن أردوغان بارع وداهية كبير، يعرف جيداً كيف يجيّر حتى خصومه لمصالحه السلطوية، سيعمل كل ما في وسعه من أجل النجاح في الانتخابات القادمة.يعلم أردوغان جيداً بأن وساطته لحل الأزمة الروسية الاوكرانية لن تنجح، لأنه يدرك جيداً أن روسيا لا تثق به مطلقاً نتيجة تجاربها معه في الأزمة السورية وكيف أنه أيضاً كان الضامن غير الموثوق به من كِلا الضامنين الآخرين. ثلاثة ضامنين لا يثق أحد بالآخر ولكنها لعبة الأمم والسياسة والمصلحة التي تجبر الفرقاء على الجلوس مع بعضهم البعض لرسم المستقبل على رمال الشكوك والريبة التي يكنها كل طرف للآخر.الوضع الاقتصادي في تركيا يعيش أسوأ حالاته وكذلك ارتفاع البطالة وهروب الاستثمار الاجنبي منها، كل ذلك أجبر أردوغان على بعث رسائل غزل للسعودية والامارات التي ينظر إليها أردوغان كمحفظة نقود يأخذ منها ما يشاء حتى ينتهي من الانتخابات. كل ما يقوم به الان اردوغان لن يتعد الانتخابات التي سيتغير كل شيء من بعدها. لكن في نفس الوقت الكل اختبره ويعرفه جيداً وخاصة براغماتيته التي لا تسير على خط واحد والكل يعلم انه بارع في اللعب على حبال عدة من أجل مصالحه، لكنها الفوضى التي تجبر الكثير على السير معه حتى انتهاء وظيفته.وربما يغازل الكرد في شمالي كردستان كي يستحوذ على أصواتهم التي تعتبر بيضة القبان في أي انتخابات في تركيا، لكنه بنفس الوقت سيستخدم العصا معهم كي يرهب كل من يرفض ان ينصاع إلى لعبته. ولكي يرضي الفاشية القومجية في تركيا ربما يتهور ويقوم ويغزو مناطق من شمالي سوريا أو شمالي العراق كما هي العادة في كل مرة.ما حصل مؤخراً في باكستان وقبلها تونس، ربما كانت رسالة واضحة لأردوغان بأن نهايته أيضاً قد حانت وعليه الاستعداد لهذه اللحظة وألا يستكبر كثيراً مثلما حاول عمران خان أن يفعل في باكستان.شهور سريعة أمامنا وربما يكون صيفاً حاراً بنفس الوقت على الجميع وخاصة لما نعيشه من تداعيات للأزمة الاوكرانية الروسية. فمثلاً؛ عدم تشكل حكومة وانتخاب رئيس في العراق، وحل البرلمان في تونس واعفاء عمران خان في باكستان، والتوتر ما بين الكوريتين وكذلك تايوان والصين، ولبنان الضائع ما بين الفساد الداخلي والحسابات الاقليمية والدولية، وليبيا واليمن اللتان تعيشان فشل الاجتماعات والتسويات الشكلية، وأخيراً ما تعيشه الأراضي الفلسطينية والتوترات مع الاسرائيليين، كل ذلك ربما يشير إلى أننا سنشهد تطورات متسارعة ربما تشدنا إحداها وتُلهينا عن الأخرى.ما يهمنا من كل هذا هو أن نراقب مراحل تشكل النظم الجديدة التي ستأخذ شكلها نوعاً ما من الاصطفافات التي ستتشكل وفق التطورات والمستجدات التي تسير بسرعة في الأطراف، ولكن المهم ألا تُلهينا هذه الأحداث عمّا يتم التخطيط له في قلب الشرق الأوسط. لأن أي تشكيل جديد للمنطقة سيبدأ من العراق وسوريا وعليه ستتخذ الأطراف شكلها وفق ذلك. إنها ميزوبوتاميا مهد الحضارة البشرية التي انطلقت منها ثقافة بناء القرى والمدن وما كل العلوم المؤدية لذلك، وبكل تأكيد منها ستبدأ ثانية وسيلعب شعبها كما في التاريخ دوراً مهماً في بناء المجتمع من جديد على أساس الاخلاق السياسية وأنسنة الانسان واخراجه من غابة الحداثة الغربية التي حولت المجتمع والانسان الى مجرد قطيع مستهلك يلهث وراء المال والماديات على حساب الحياة والمعنى وجمالها.

اقرأ المزيد »

أجراس الارثوذكسية والكاثوليكية تقرع في اوكرانيا

محمد أرسلان عليلا زالت طقوس الدين تعتبر من المحددات الرئيسية لأي عملية عسكرية تقوم بها أطراف كانت تدعي العلمانوية والليبرالية وحقوق الانسان والديمقراطية. هو الدين لا زال المسيطر على العقل الظاهري والباطني للإنسان رغم إدعائه عكس ذلك في الكثير من الأحيان. كانت ولا زالت الحروب قديماً وحتى راهننا تأخذ طابعها الديني البحت وتظهر طقوسه بشكل جلي في أية حروب تدور رحاها في العالم. رأينا ذلك حينما أعلنا بوش في حربه في افغانسان والعراق بكل وضوح وكذلك نراها اليوم بشكلها الفظ في أوكرانيا.تفننت الرأسمالية وقواها التي تختفي تحت أقنعتها الاقتصادية والعلمية والمالية في تصدير الدين بأشكال محتلفة وأدوات عديدة، بدءاً من استغلالها الدين بشكله الفظ من خلال الحركات الاسلاموية بأسمائها المتعددة والكثيرة من الاخوان المسلمين التي تعتبر الأم الولادة لباقي التنظيمات والتيارات المتعددة الصفات والاسماء، من القاعدة وطالبان وداعش والأولاد الشرعيين لها وصولاً لما تبقى من فصائل وحركات منتشرة في اصقاع العالم. من الدين إلى الدولة التي كانت بمثابة الدين الجديد لقوى الهيمنة الرأسمالية وتفننت في تصديره كأحد المصطلحات الأكثر قدسية من الدين حتى في الكثير من الأحيان. من الفردوس المفقود وحتى الوطن والدولة المقدسة راحت الشعوب والأنظمة تتقاتل وتتصارع على أحقية بقاء طرف على حساب الطرف الآخر الذي يعتبر من وجهة نظرها كافر ومن الخوارج الذين يجب إقامة الحدّ عليهم.منذ بداية القرن العشرين وحتى الآن لم يتوقف الصراع ما بين الأنظمة القومجية والحركات الاسلاموية وخاصة الاخوان المسلمين، وجعلوا من ميدان الدولة حلبة صراع ما بين الطرفين اللذان يرغبان في السيطرة على السلطة، واحد باسم الدين والآخر باسم القوموية. على أساس أن التعصب القومي كان يعتبر خروج عن الدين في أكبر عملية خداع تمت في القرن العشرين، ولنكتشف ونحن في الربع الأول من القرن الحادي والعشرون بأن القومجية والدين ما هما إلا وجهان لدين وعملة واحدة يتم تسييرهما من قبل قوى الهيمنة الرأسمالية إن كان بشكل مباشر أو غير مباشر.قوى الهيمنة الرأسمالية حولت القومية إلى دين جديد مقدس ينافس الدين في طقوسه وشعائره المقدسة، والذي بات عنوانٌ لكل من يبحث عن الفردوس المفقود والمتمثل بالدولة القومجية التي باتت حلم كل شعب بأن يضحي بنفسه من أجل الوصول أو بناء هذه الدولة (الفردوس المفقود) والتي يقابلها الجنة في باقي الأديان. وبذلك تحول المجتمع إلى قطيع يتم الزج بهم في حروب يطغى عليها القداسة التي تدغدغ مشاعر الانسان البسيط لتلهمه وتحفزه على الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله من الناحية الدينية من جهة والحفاظ على سيادة الدولة وسيادتها من الناحية القومجية. وما بين هذين الجهادين القاتلين للمجتمع والشعوب، يتربع كهنتهم على عرش السلطة يفتون بوجوب الجهاد والقتال من أجل الدولة (الوطن) و/أو الدين. إنه تسلسل مفردات التاريخ لتأخذ معاني جديدة مع حفاظها على الجوهر. فالذين كانوا يفتون باسم الدين قبل قرونٍ عدة من أجل نشر دين الله كما الفتوحات (الإسلامية) والحروب (الصليبية)، وفق مسمياتنا، واللتان استغلتا بساطة الناس في حثّهم على القتال وترك متاع الدنيا، لأن متاع الآخرة خير وأبقى، هم نفسهم الآن ولكن يتقدمون المشهد بفتاوي قومجية بعد أن اعتنقوا الدين الجديد، ونزعوا العمامة ليلبسوا مكانها ربطة العنق والبدلة الرسمية.كِلا الطرفين كانا ولا زالا يناديان بأنهما لا هدف لهما سوى الرفع من قيمة الانسان وكرامته. وتحت مسمى (كرمنا بني آدم) بالنسبة للدينويين الآخرويون وتحت شعار (الديمقراطية وحقوق الانسان) بالنسبة للدنيويين والقومجيون العلمانيون واليساريون. فالتضحية بالنفس من أجل الأمة الدينية التي لا تعترف بالحدود لأنها من صنع الكفرة، يقابله التضحية بالذات من أجل الدولة القومجية والسيادة الوطنية التي هي أيضاً لا تعرف بالحدود شكلاً واعلامياً لكنها متشبثة ومستميتة بها من حيث الجوهر على أساس أنه أفضل الأمرّين.الخطاب الديني المتطرف والذي حول الدول لمستنقعات تجميع حثالات المجتمع والشعوب من الإرهابيين والمتطرفين تحت مسميات عديدة من داعش والقاعدة وباقي التيارات المتطرفة من كافة أصقاع العالم في سوريا والعراق وليبيا واليمن وأرمينيا والآن في أوكرانيا. لا يختلف أبداً عن الخطابات التي يتم اطلاقها في راهننا من قبل قادة الدول الغربية ورئيس أوكرانيا وكذلك روسيا، عن تشكيل كتائب وفرق أممية قومجية نازية لتجميعهم في أوكرانيا، وليتم تحويلها إلى ميدان قتال ما بين الطرفين المتطرف والمتعصب إن كان دينياً أو قومجياً. سوريا والعراق واليمن وأرمينيا والآن أوكرانيا من الناحية الجغرافية اسقطت القناع عن أن كِلا الطرفين المتقاتلين (الديني المتطرف والقومجي المتعصب) بغض النظر عن قومياتهم وجنسياتهم العرقية، ما هم إلا أدوات وبيادق مأجورة يتم استخدامهم في حروب ومعارك ليست لهم فيها ناقة ولا جمل، لكنها القدسية التي أعمت بصيرة الانسان لتكون وسيلة لحروب الآخرين (أمريكا وروسيا) بدلاً عن أن يكون هو نفسه غاية الحياة ومبتغاها.ثنائية التطرف الديني ما بين السني والشيعي تقابلها ثنائية التعصب القومجي ما بين الغربي والشرقي، وبهذا الشكل لا زلنا نصرّ على الثنائيات القاتلة للإنسان والمجتمع تحت مسميات حماية الدين والدولة. أوكرانيا الجغرافيا أظهرت حقيقة هذه المصطلحات التي لم تكن يوماً من أجل بناء المجتمع والانسان الحر والكريم، بقدر ما كانت تجعل الانسان يعيش في مجتمع القطيع المنادي بالجهاد الديني ومجتمع التفاهة بالنسبة للذين ينادون بالجهاد القومجي. اصطفافات غريبة باتت تظهر على وفي مسرح أوكرانيا، حيث المتطرف سنياً التقى بالمتعصب قومجياً المدعوم من الغرب، يحاربون المتطرف شيعياً الذي التقى بالمتعصب قومجياً المدعوم من روسيا.فها هي أجراس الكنائس الآرثوذكسية والكاثوليكية تقرع في حلبة الاقتتال أوكرانيا وموسكو وأوروبا، لتتحول أصوات هذ الأجراس من علامة للمحبة والسلام، لنذير شؤم وقتل وتهجير ودمار. ويزيد قرع هذه الأجراس دق طبول الحرب التي تفننت بها الفصائل الإسلامية المتطرفة والتي تتوجه الآن إلى أوكرانيا على طرفي الجبهة لتأخذ كل واحدة منها موقعها لمحاربة الطرف الآخر، وكل ذلك طبعاً باسم الدين لا غير. صراع الارثوذكسية ومعها الشيعية ضد الكاثوليكية المتكئة على الجماعات والفصائل السنية. باسم الرب والله يتم قتل الانسان وتدمير الأوطان والمجتمعات وتهجير الشعوب، وكأن الله بحاجة لمثل هذه القرابين كي يكون راضياً عن الانسان.هنا بالذات تتحول مقولة ماركس بأن (الدين أفيون الشعوب)، إلى حقيقة صارخة تُثبت بأن الذي نُدين به ليس له أية علاقة بالدين الذي نعرفه بأنه دين المحلة والسلام والاحترام.صراع عابر للجغرافيا والقوميات والأديان والحدود والمذاهب، على بسط النفوذ والهيمنة من طرف وفرض ثنائية القطبية بدلاً من القطبية الأوحادوية من طرف آخر. صراع ربما كانت أحد أهم أدواته هي الاعلام وحرب الشائعات من كِلا الطرفين وشيطنة أحد الأطراف والذي بدأ من أوكرانيا، لكنه بكل تأكيد لن يكون محصوراً بهذه الجغرافية صغيرة الحجم مقارنة بأحلام كِلا الطرفين المتصارعين والمتقاتلين. ربما ينتقل هذا الصراع لأماكن وجغرافيا مختلفة وأخرى، والتي فتحت شهية بعض الأطراف التي تبحث لنفسها عن موطئ قدم في الألفية الثالثة. تايوان وكشمير مرشحتان لتكونا بؤرتا صراع أخريتين تضافان لأوكرانيا، لتتحول المنطقة برمتها لجحيم بكل معنى الكلمة لكافة الأطراف

اقرأ المزيد »

التدين القوموي والديني

محمد أرسلان عليلطالما كانت منطقة المشرق المتوسطي والشمال الافريقي ساحة لانتقال الثقافات والشعوب فيما بين بعضها البعض منذ آلاف السنين، وحتى راهننا لم تتوقف هذه الانزياحات رغم أنها اخذت أشكالا عديدة. كذلك لم تتوقف محاولة الغرب في سعيها للسيطرة على هذه المنطقة منذ ما قبل الميلاد إلى يومنا هذا، وما نراه من صراع ما بين قوى الهيمنة العالمية لفرض سيطرتها الأحادية عليها، إلا دليل على أهمية المنطقة استراتيجياً لكل من يطمح أو يسعى لأن تكون له الكلمة الأولى والأخيرة في الحاكمية الدولية. إنها شيفرة التاريخ والجغرافيا التي لم يفك طلاسمها ومعرفة أغوارها وأسبابها لهذا الوقت، ورغم محاولات الغرب منذ اليونانيين وحتى الآن أمريكا وروسيا والصين، إلا أنها لم تنجح لأنها فقط تراهن على أن السيطرة الأمنية أو العسكرية تكفيها للسيطرة عليها، ناسية أن أهم عامل هو العامل السوسيولوجي والاجتماعي والثقافي، الذي لم تعره أية أهمية قوى الهيمنة. لكن دائما ما كان للتاريخ تحركاته الخاصة به للخروج من حالة الجمود التي كان الانسان يريدها على الأقل للحفاظ على ما هو موجود بعيداً عن التطوير والتحديث، خوفاً من ضياع ما في الأيدي أو أن المجهول كان دائماً أداةً للتردد وهرباً من المغامرة التي يمكن اعتبارها أساس التطور الفكري والمجتمعي، وإن كانت بشكلها البدئي.بدأها الاسكندر قبل الميلاد للسيطرة على هذه الجغرافيا والمنطقة الشاسعة التي كانت متخمة بالعلوم والفلسفة والفن وكذلك بالذهب والحرير. غِنى هذه المنطقة هو ما كان يثير فضول وشهية الآخرين إما للتودد لشعوبها أو لفرض السيطرة عليهم. فعلها الاسكندر وأراد أن يبني امبراطوريته بمزج الثقافة اليونانية – الاغريقية مع ثقافة المنطقة وشعوبها، لكن الحظ لم يسعفه ليرى أحلامه تتحقق. وكذلك فعلها الرومان الذين ساروا على درب الاسكندر ليبنوا امبراطوريتهم التي لم تغب الشمس عنها طيلة قرون عديدة. فكان المماليك والعثمانيون ومن بعدهم جاء البريطانيين والفرنسيين والأمريكيين، الذين أرادوا ان تكون هذه المنطقة من مناطق نفوذهم لاستعباد شعوبها ونهب خيراتها، وهو ما كان طيلة القرون الماضية.صراع الغرب مع الشرق لا زال مستمراً وإن كان بأسماء مختلفة وعناوين شتى، وليبقى الجوهر ثابت لم يتغير منذ الاسكندر وحتى الآن. لربما كان السبب في ذلك أن من يسيطر على هذه المنطقة بمقدوره التحكم بالعالم من كافة النواحي. وهذا ما تريده أمريكا الان في الحفاظ على مكانتها العالمية وذلك من خلال بسط سيطرتها ونفوذها على المنطقة من غير أن يكون ثمة منافس لها فيها. وما الصراع الروسي – الأمريكي الآن في سوريا أو أوكرانيا أو المتوسط، إلا من أجل فرض أحد الأطراف إرادته على الطرف الآخر وعلى العالم بنفس الوقت. صراع لن يتوقف ما دام ثمة أوهام وأحلام تراودهم وتدغدغ غرائزهم لأجل ذلك. غرائز السيطرة والسلطة وجنون العظمة التي إصابة قوى الهيمنة العالمية والرأسمالية الشرقية منها والغربية حينما تلتقي مع بعضها البعض، بكل تأكيد الناتج سيكون وحشاً مرعباً يفتك بكل ما حوله من أجل الانتقام وفرض السيطرة على الجميع. هذا الوحش الرأسمالي الذي يسعى لتكون فوة الرأسمال بيده فقط والذي يتوارى خلف ألف قناع وقناع يسعى دائماً لخداع الآخرين بمعسول الكلام من أجل اقناع الشعوب على أنه فقط من سيجلب الرفاهية والاستقرار والكرامة لهم والديمقراطية.الصراع في سوريا لربما كان الانموذج الواضح والبيّن لحقيقة أن كِلا الطرفين لا يهمهم المجتمعات ولا الشعوب بقدر ما يهمهم النفوذ والسلطة والسيطرة وتحويل النظام العالمي من أحادي القطبية إلى متعدد الأفطاب. تصفية الحسابات في أماكن أخرى لا يعني إلا أن الجغرافيا الأساسية تعاني العقم في الحلول التي يريد كل طرف فرضها على الجميع. تركيا وداعش من جهة، النظام وإيران من جهة ثانية، كلٌ له أجنداته وأطماعه السلطوية وكل طرف يستقوي أو يتكئ على قوة دولية لتنفيذ ما يراه مناسباً وفق حساباته القومجية أو الدينوية. السيادة ووحدة الأراضي والدولة، كلها مصطلحات يتم التجارة بها في بازارات النخاسة السياسية للأطراف الإقليمية والدولية على حساب الشعوب. وهذا التناقض ما بدا بكل وضوح في التعامل وفق الأجندات وليس وفق المبادئ. حيث روسيا تتشدق بوحد الأراضي والسيادة في سوريا، ولكنها لا تعترف بهذه الأمور في أوكرانيا. ليخرج علينا الكهنة القومجيون واليساريون والدينيون ليدلوا كلٌ بدلوه وفق اصطفافه. فمنهم مع روسيا في تقسيم أوكرانيا وعودة الشعب في دونباس الى الوطن الام لأنهم من الشعب الروسي، لكنهم ضد تقسيم سوريا والعراق وضد توحد الشعب الكردي في وطنه كردستان. وكذلك منهم مع أوكرانيا لتصدر الفتوى من قوى الهيمنة العالمية الغربية والمسيحية السياسية منها والاسلاموية السياسية واللتان ما هما إلا وجهان لعملة السياسة الواحدة، للتوجه إلى أوكرانيا ومحاربة روسيا.المصلحة هي الأساس وهي المحدد الشرعي في اقصاء الشعوب في تحديد مصيرها. المصلحة متغلبة على المبادئ في كافة الحروب التي يتم فرضها من قبل الزعماء للحفاظ على سلطتهم من الانهيار أو الضياع. لتبقى المبادئ أسيرة الخطابات والبيانات الرنانة والتي لن تتعدى شاشات التلفزة، والتي تستهدف الشعوب فقط لزيادة تجهيلها وابعادها عن ممارسة حقها في السياسة ورسم مستقبل الوطن.بات الفكر القومجي المتطرف واليساري الانتهازي لا يختلف كثيراً عن الفكر الديني المتطرف، فكِلاهما بات لهما رجالٌ ينفثون حقداً وكراهية في المجتمع وليزيدوا تقسيمه أكثر على أساس عرقي وأثني وطائفي ومذهبي وايديولوجي عقائدي. المتدين القومجي العلمانوي واليساري الانتهازي الذي لا يقبل بالآخر ويصفه دائماً على أنه عميل وخائن، يحمل نفس عقلية المتدين الديني المتطرف الذي أيضاً لا يقبل بالآخر ويصفه على أنه كافر ومرتد وزنديق ومهرطق. وهنا تكمن المصيبة الكبيرة التي تعاني منها المجتمعات والشعوب، وهي أنهم ابتلوا بالمتدينين والكهنة القومجيون واليساريون والدينويون. وكل منهم يعمل على نشر وفرض آرائه في المجتمع ليحولوه إلى مجتمع متدين قومجياً أو دينياً وبذلك نكون وجهاً لوجه أمام مجتمع قطيع تم تنميطه واختزاله بالعصبوية القومجية والتطرف الديني والعلمانوية الغربية.بكل تأكيد أن الشعوب المتدينة لا تشعر بتأنيب الضمير عندما ترتكب خطأً أخلاقياً أو قانونياً، لأنها نشأت على مفهوم أن العبادة تمحي الذنوب، مثلما قال غوستاڤ لوبون. فمثل هذه المجتمعات لا يمكن لها أن تتطور وتواكب المستقبل جراء الأفكار التي تؤمن بها وتعتقد أنها الصحيحة، وكل ما عدا ذلك ما هو إلا هراء ينبغي القضاء عليه بالقتل أو الاعتقال أو النحر. فالتدين ليس شرطاً أن يكون دينياً، لربما يكون قومجياً عصبوياً متعصب أو علمانوياً يسارياً انتهازياً.فعندما يتم تحويل القومية إلى دين مقدس لا يمكن العبث به وتغييره، تكون النتيجة كارثية ومهولة على المجتمع الذي يؤمن بذلك. حيث يعتقد أنه من خلال الطقوس المقدسة القومجية فقط بمقدوره أن يبني وطنه ودولته التي تتآمر عليه قوى الشر. فبالنسبة له أن المؤامرة مستمرة عليهم من أجل القضاء على دولهم، مثلما هي المؤامرة هدفها القضاء على الدين. صراع مستمر منذ أكثر من قرن ما بين الكهنة المتدينين قومجياً ودينياً ولا زلنا نعيش نتائجه المأساوية التي دمرت المجتمعات وهجرت الشعوب. المغالاة في القومية والدين ربما

اقرأ المزيد »

عُذراً أشقائي الكرد إنها المصلحة

محمد أرسلان عليقليل من الأوقات نعترف بهذه الأمور التي هي من البديهيات وليست واجب علينا الاعتراف بها وكأننا نرتكب الذنوب والمعاصي. وفي هذه الدقائق فقط اسمعوا منّا ما تريدون وما يُشفي صبركم الذي طال وسيطول لما يشاء ربنا. لكن في الكثير من الأوقات نكون منشغلين في ترف الحياة الدنيا وزينتها ومتاعها والإكثار من مالها وبنونها. جُلّ أيامنا تمرّ هكذا من دون تفكير عميق بما تعيشونه وما تصيبكم من مصائب الدهر جرّاء حكام مستبدين ومتكبرين. نستعطف حالتكم ووضعكم الذي تمرون به، ونتمنى أن تزول غيمة الظلم عنكم.نتذكر الكردي جابان الذي كان من أصحاب الرسول عليه السلام، لكننا لا نعير أي اهتمام لشعبه ومجتمعه الذي تركهم خلفه ليسير بجانب نبيّنا ويكون شاهداً ومشاركاً على هذه المرحلة من انتشار الدين.عُذراً؛ الكردي صلاح الدين الأيوبي فقط حينما نكون عاجزين عن فعل شيء لأشقائنا في فلسطين. و “حينما” هذه ليست إلا تعبيراً وتوصيفاً لكل حياتنا وليس لجزء منها. فمنذ أربعة عشر قرناً ونحن لا زلنا عاجزين أن نكون قدوة للآخرين، ولم نعمل على تطوير مجتمعاتنا وعلومنا التي تناسيناها وارتمى عليها غبار السنين. تقاتلنا على السلطة والمال ونسينا العدالة والتقوى.عُذراُ؛ محمد علي باشا الكردي من مدينة ديار بكر في شمالي كردستان الجزء المحتل من تركيا، على أنه باني مصر ومؤسس الجيش المصري، وأن ابنه ابراهيم طرد العثمانيين من مصر ليعلنها بلد مستقل عن ظلم وظلام العثمانيين. نتذكر أن إبراهيم باشا وبتعاونه مع الكرد في سوريا وتركيا، كاد أن يقضي على الاستانة عاصمة العثمانيين، لولا التدخل الروسي والبريطاني الذين اعترضتا على أن ينال الكرد فخر القضاء على العثمانيين. وليتحالفوا هم مع بعض كي يستولوا على تركتها بعدما باتت تعرف بالرجل المريض.عُذراً؛ سليمان الحلبي (الكردي العفريني)، الذي قتل الجنرال كليبر قائد الحملة الفرنسية على مصر لتنفيذ مشروع أو حملة “جيش الشرق”، التي أراد منها الفرنسيون احتلال المنطقة برمتها. لكن سليمان الحلبي طعن هذه الحملة وأودى بها مع جنرالاتها إلى نفس الحفرة اللتان دفنتا مع بعض، الفكرة والمنفذ.عُذراً؛ تفرتيتي التي قيل بأنها جميلة الجميلات. وقيل أنها من أصول سوريّة ونتغافل عن كتابة أصلها الحقيقي الكردي وأنها ابنة الملك الميتاني توشورتا وأن اسمها الحقيقي “تادو هيبا”. وأن زوجها من اخناتون كان زواج ثقافي وديني واقتصادي وسياسي ودبلوماسي.وكذلك في الأردن وعندما شرع الأمير عبد الله بن الحسين في تأسيس الجيش الأردني، كان من بين مؤسسي الجيش والدرك ضباط من أصل كردي أمثال الرئيس خليل بكر ظاظا والرئيس نظمي خليل بدر خان. وكان رشيد المدفعي مديرا للأمن العام سنة 1923م، والفريق صالح الكردي قائداً لسلاح الجو الأردني، ومساعدا للقائد العام للقوات المسلحة الأردنية 1962 – 1971 م.وفي السعودية كان سعيد بن عبد الله المللي المعروف باسم سعيد كردي اختاره الملك عبد العزيز ليكون قائداً للجيش السعودي في حرب فلسطين 1948، ثم تم تعيينه في عهد الملك سعود بن عبد آل عزيز رئيساً لمصلحة الاستخبارات العامة. وكذلك الامر كان للكرد دور كبيراً في اليمن وليبيا والسودان ولبنان وسوريا والعراق وغيرها من البلدان، والأمر يطول إذا تم ذكر ما قام به الكرد من أجل اشقائهم في الدين.كلّ هؤلاء وغيرهم الكثير نتذكرهم على أنهم كانوا في الماضي ودخلوا صفحات التاريخ الذي نقرأه ولا نتعظ منه في كثير من الأحيان. انشغلنا بالحاضر فقط كي نلبسه قناع الماضي الذي نريده فقط وليس كله. الماضي الذي كنا يوماً فيه أصحاب القرار لفتح أو غزو أو احتلال مدينة أو منطقة ما. لنأخذ مما استولينا عليه من بلدان ما يسر العين والقلب فقط، وأما العلوم والكتب التي افلح فيها علماء تلك البلدان، فقد أحرقناها ورميناها في المياه والأنهر، لأن ما دونَ بها لم يكن سوى بُدَع وتعمل على إعمال العقل. فحينما تُشهر الرماح والسيوف لا يبقى للعقل وظيفة ومسؤولية. حرقنا وأغرقنا العقل منذ قرون وابتدعنا عوضاً عنه عملية “النقل”.لذا، لا تلومونا اخوتي الكرد إن نحن ابتعدنا عنكم ولم نعد نتذكركم حتى، لأننا التهينا بالنقل ووأدنا العقل، مذ كنّا نؤد الطفلة الرضيعة، كما قيل لنا. لا نهتم بالتطور عن طريق العقل، لأننا نؤمن فقط بالتوسع عن طريق السيف كُنّا. هكذا كنا ولا زلنا ظاهرة صوتية، نجعجع كثيراً من دون طحن ودقيق. نردد الشعارات والتكبيرات والبيانات والتنديدات، ولا نفعل شيئاً حيالها. حتى حالة الـ “قلق” لرؤوساء المنظمة الأممية لم يصل إلينا. كل ما يصدر عنّا لا يتعدى آذاننا وجلستنا واجتماعاتنا. فلا تلومونا.هكذا اقتضت مصلحتنا الفردانية والمجتمعية، بأن نكون منشغلين فقط بأنفسنا ولا نتدخل في شؤون الغير. ومصلحتنا تكمن فقط في المال والبنون والسلطة، لا غير ذلك نفكر به وفيه. هذا هو سقف تفكيرنا من أجل الولوج للمستقبل ولا غير سواه. إنه تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا. لا جديد عندنا سوى التكرار. لم نكن أصحاب حضارة يوماً، بقدر ما كنا وزلنا أصحاب مدنية. وشتَّان ما بين المفهومين. الحضارة والمدنية. وكِلاهما متعاكستان وإن بدتا متشابهتين في مفاصل معينة.الحضارة تعني حلق وابداع الثقافة التي بدأت بالمجتمعية وقوانينها الأخلاقية من صدق واحترام ومحبة وضمير وقبول الآخر كما هو، بالإضافة إلى ابتكار وسائل وأدوات الحياة واستمراريتها، من زراعة وتسييس الحيوان والمقايضة الأخلاقية وبناء القرى. أما المدنية التي اعتاشت وبدأت من الاهتمام بالتطور العمراني بدءاً من المعابد والقصور والزيكورات ومنها إلى الاهرامات. كل ذلك ارتبط بالسوق ومداولاته، والكهنة ومعابدهم التي افرخت الشكل البدئي لإله المدنية والمدينة. صراع الحضارة والمدينة لا زال مستمراً بأشكال مختلفة وهو ما نراه في صراع الريف والفلاحين مع أبناء المدينة والعواصم ذات الأضواء المبهرة. وصوفوه زوراً أنه صراع ما بين التخلف والجهل وما بين العلم والتحضر.عُذراً اشقائي الكرد، إنها المصلحة الفردانية والأنانية التي اعمت بصائرنا وبصيرتنا عمّا يدور من حولنا. فأنتم في نظرنا فقط مقاتلين شجعان ومضحين بحياتكم من أجل الغير والآخر. ومعلوم أن المقاتل والجندي تنتهي مهمته حال انتهاء المعارك، هذا إن بقي على قيد الحياة، ليعود إلى أهله ويعيش كما كان، لا كما يريد. أما النصر فهو لنا ونحن من يجب أن يحتفل به ونطلق له أطنان والألعاب النارية ليعيش العالم الفرحة في القضاء على الإرهاب والعدو. وهذا ما نأمله منكم لا غير.حاربتم بكل شجاعة وقضيتم على داعش إن كان في العراق أو سوريا، وهنا تنتهي مهمتكم حسب أعرافنا وتقاليدنا التي تربينا عليها. وما عليكم سوى العودة لمنازلكم وعوائلكم وأنظمتكم وحكامكم، أو لتبقوا مستعدين لأي طارئ حينما نستدعيكم فقط نحن. أما المبادئ التي تتحدثون بها، لتكن لكم وزينوها كيفما أردتم وشئتم. لكن لنا مصلحتنا الخاصة بنا فقط ولا يمكنكم مشاركتنا فرحة الانتصار ولملمة مكتسباتها.لربما تكون لكم فلسفتكم في الحياة كما في القتال. تنادون بالعيش المشترك، وهو ما نريده أيضاً. وتنادون بأخوة الشعوب، وهو ما نطلبه أيضاً، ولكن حسب شروطنا ومصلحتنا ستكون تلك الأخوة وذاك العيش. وغير ذلك، إذا أنتم انفصاليون وعملاء لأمريكا وإسرائيل،

اقرأ المزيد »

حينما استباح المنافقون الأعراب وطني

محمد أرسلان علي كثيرة هي المآسي والويلات التي تجعل الوطن يئن مفجوعاً لما حلَّ به من فواجع تجعله يبكي ألماً ويعلن الحداد على وصل إليه الانسان لدرجة أنه لم يعد هذا الوطن يعني له شيئاً و/أو كأنه وسيلة تم استخدامه للوصول إلى غاية ما. وربما يكون لهم الوطن عبارة عن أي شيء يمكن الابتعاد عنه وعدم الارتباط به فقط لأنه وفق أوهامهم ليس إلا عن حضّانة قامت بدورها المغذي وينتهي دورها بانتفاء الحاجة له. هكذا هي ماهية بعض الشخوص التي لا تعير أي اهتمام بالذاكرة الحية للإنسان الذي لا يمكن له أن يعيش التاريخ على أنه المعلم والنهر الجامح الذي يوجه الأحفاد نحو الطريق السليم، مستفيداً من العثرات والعراقيل التي لاقاها أثناء مسيرته الحياتية. وبنفس الوقت ثمة مجموعة من الناس تعي جيداً ماهية الوطن وتلك البقعة من التراب التي ولِدَ عليها وفيها زرع بها أولى بكائياته وصراخه لترتد له صدىً يعلمه الارتباط بالمكان والذي ستتراكم لتغدو الذاكرة الجمعية له.صراع ما بين الذاكرة الجمعية للإنسان والتي جعلته يعيش المجتمعية التراتبية لتكوّن أولى الخلايا المجتمعية والتي انطلقت منها القوة المحفزة للفكر لاكتشاف “مغامرة العقل الأولى” كما سمّاها فراس السواح، والتي كانت السبب لما نعيشه الآن من وعي وتطور فكري وعلمي وثقافي وتكنولوجي، وبين واللا شيء بالنسبة للآخر الانسان الذي لا تهمّه تلك الرابطة المجتمعية ولا فضول العقل للمعرفة ولا للوعي، محاولاً بكل عجرفته الفردانية أن يبقى ذاك الذي يعيش على هامش الحياة والمجتمعات منتظراً أن يعتاش على ما يلقيه الآخرون من فتات المعرفة الضحلة والكلمات الفارغة المعنى، ليتلقفها وكأنها الحقيقة بالنسبة له.صراع ابتدأ منذ الأزل ولربما سيمتد كثيراً ولما شاء الرب حتى يحين وعده الحق في وضع الميزان ليلقى كل طرف وفرد ما عملت يداه في صراع على أمرٍ جدّ بسيط لا تكلفة له سوى بالعودة إلى الذات والابتعاد عن الاغتراب المجتمعي والارتباط بالذاكرة الاجتماعية وتراكماتها المعرفية كما كان باللوح المحفوظ. صراع تحول لمعارك وحروب ما بين الانسان والانسان فقط ليُثبت كل طرف أنه يمتلك ناصية الحقيقة وأن الطرف المقابل ليس إلا جاهلاً وعدوِ نفسه، لتتكرر تراجيدا “هابيل وقابيل” بألف وسيلة للقتل والدمار والحرق والنحر والفساد والتهجير، فقط لتستمر الحياة بثنائيتها القاتلة للطرفين ولتحتدم أكثر فأكثر مع التطور التقني لأدوات القتل النفسي والجسدي، والتي نعايشها ونحن في القرن الحادي والعشرون، التي لا تقِلُ رُعباً عن سابقاتها من أدوات الترهيب على زمن المغول والتتار وأحفادهم العثمانيون راهنناً.لطالما كان من يتشبثون باللهث وراء السلطة والمال والقوة يمتلكون أدوات الترهيب تلك يرعبون بها كل من لا يفسحون لهم المجال لإشباع جشعهم ونهمهم، فينهب كل ما تطاله أيديهم من خيرات ومال وأفكار من كلمات ومعاني ومصطلحات لينسبوها لأنفسهم، وكأن الفلسفة والعلم والمعرفة قد بدأت من عندهم فقط، وكل ما ينافي ذلك ما هو إلا هراء معرفي ينبغي على الكل الابتعاد عنه.صفات عديدة تم إلصاقها بهذه الفئة عبر التاريخ إن تم وسمهم بالمنبوذين والمهرطقين والخوارج والكفرة والمنافقين، والآن هم العملاء والخونة والعبيد والمستسلمين والخنوعين والبيادق والأقلام المأجورة. صفات كثيرة تعدت التسعة والتسعين صفة لخالق الكون الذي لا يضاهيه أحداً، إلا من تكبر وتجبر على الرب حتى بزيادة الأسماء والألقاب والأوسمة التي لا تزيدهم سوى نفاق ورياء.مسوخ وأشباه بشر يمتلكون المال والسلطة وأدواتها روجوا للظلم بأنه متعة للحياة وللفساد بأنه ذكاء وفهلوة وللكذب على أنه دهاء وللسرقة على أنها من فضل ربي، لتطول القائمة التي باتت وكأنها نزلت مع الوصايا لتكون الحادية عشرة، حتى تستطيع أن تعيش في هذه الحياة التي رسموها لنا ويريدوننا أن نتقبلها على أنها قضاء وقدرٌ وعلينا الايمان بها.بكل تأكيد إنه صراع ما بين الخير والشر، النور والظلام، الجنة والنار، الصديق والعميل وباقي الثنائيات التي لا زلنا متمسكين بها، لأنه لا منطقة وسطى ما بين الجنة والنار إلا لهؤلاء الأعراب المنافقين الذين يسعون بأن يمسكوا العصى من الوسط. وذكرهم الله عز وجلّ في كتابه: (ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا) التوبة – 97، ذلك لأنهم بعيدون عن التفرقة ما بين الخير والشر وبعيدون عن معرفة القوانين الأخلاقية والنواهي. ولأنهم يمتلكون خصائص متطبعة فيهم فقط حيث أنهم يحبذون لطافة الطبع والخنوع والانقياد للأقوى، ويحرصون على جمع المال بقربهم من بيده السلطة. والى الان نراهم في كل مكان يعيثون فساداً في وقتلاً وتهجيراً ودماراً في المجتمعات التي يدخلونها و/أو يحتلونها، كما فعلوا في عفرين وسري كانية/رأس العين وكري سبي/تل أبيض وإدلب في شمالي سوريا. نفس الأمر يتكرر إن كان في ليبيا واليمن والعراق ولبنان وأرمينيا وأفغانستان. بلدان أنهكتها الحروب وجعلت من شعوبها قرابين لمصالح وأجندات القوى الدولية الإقليمية وكذلك الأعراب المنافقين الذين استباحوا وطني وبلدان الشعوب الأخرى.ما تعيشه هذه المدن من نفاق ورياء قوى الهيمنة الإقليمية والدولية أكثر ألماً وحسرة وظلماً من فاجعة القتل بحدِ ذاتها، لأنها تريحه من العذاب الذي يعيشه على أقل تقدير كما يقال، لكن نفاق تلك الطبقة ليس له حدود وعابر للقارات والقوميات بنفس الوقت. بكل تأكيد لا يمكن لهؤلاء الاعراب ان ينتشروا في أي مكان وينشروا الفساد إن لم تكن ثمة قوة تدعمهم وتساندهم وتمولهم مادياً ولوجستياً واعلامياً.الكل متفق على إرهابية داعش والفصائل المتطرفة بغض النظر عن اسماءها والمنتشرة في كل مكان تقريبا تتربص الوقت كي تكشر عن أنيابها الوحشية للانقضاض على الشعوب والمجتمعات لتنهش فيهم وتقطعهم إرباً كرمىً لعيون خليفتهم أو ممولهم. وما حصل في الحسكة المدينة السورية من محاولة الهروب لعناصر داعش الإرهابيين من السجن، ما كان هذا الأمر ليتم بقوتهم الذاتية، إن لم يكن هناك من يقدم لهم الدعم والمعلومات، ليعيدوا نشر هذه الفئة الضالة في ربوع جغرافيا ميزوبوتاميا (سوريا والعراق) ثانية ليحرقوا ويدمروا ما تبقى، ما كان لهم أن يفكروا بالهروب لولا الدعم الذي يتلقونه من الدولة التركية وأردوغان خليفتهم المنتظر وكذلك قوى الهيمنة التي تحاول قطع ذنب داعش الأفعى لتُبقي على رأسه حراً عند أردوغان يرضعه من نفاقه ووحشيته الفاشية الدينوية والقومجية.وبحساسية نابعة من عمق جغرافيا وتاريخ وثقافة شعوب المنطقة كان رد قوات سوريا الديمقراطية قوياً ليقوض ويفشل ما أرادوه جحيماً على المنطقة أجمع. هذه القوات المؤلفة من كافة شعوب المنطقة متسلحة بفكر ووعي عميق يمتد جذوره لكافة الثقافات الحية والمنبعثة من جديد لتكون هي صاحبة هذه الجغرافيا ولتكون من جديد المهد الذي علم الآخرين معنى الحضارة والإنسانية والأخلاق والصداقة والتضحية وكافة العلوم.الأعراب ليس لهم علاقة بالقومية أو الدين أو العرق بكل تأكيد، لأنها صفة وخصوصية يحملها الانسان أينما كان وعاش، ولتتشابه عندهم تلك الغرائز ويجتمعوا على طاولة واحدة لينفذوا أطماعهم وسرقاتهم وليزينوها بعد ذلك بمعسول الكلام عن الايمان والله والديمقراطية وحقوق الانسان، وقلبهم المفجوع على أشبال خلافة داعش اللقطاء. وبنفس الوقت ليشربوا نخب النصر أمام آلاف القرابين من الشعوب والأطفال الذين يتم تقديمهم أمام مذابح الرأسمالية

اقرأ المزيد »

دانتي والمشرق المتوسطي في الكوميديا الإلهية

محمد أرسلان عليربما كانت المسلمات المعلومة التي تفيد بأن منطقة ميزوبوتاميا (الشرق الأوسط) وشمالي أفريقيا لعبت دوراً في تطور الفكر والوعي الإنساني والتي ابتدأت من اختراع الكتابة ببدئيتها الصورية فالرمزية ومنها إلى الحروب وتطورها إلى ما وصلت إليه الآن. حيث تم اعتبار الكتابة واللغة واللتان هما من نتاج التطور الفكري والوعي للإنسان على هذه الجغرافيا، كانت الدافع والحافز للتفكير بتطوير وسائل وأدوات الإنتاج البدائية ووصولها الآن إلى ما هي عليه مقرونة بالتطور التكنولوجي والتقني والتي بعض الأحيان لا يستوعبها عقل الانسان بحدِ ذاته. هذه المنطقة الولاّدة للفكر والتطور وأولى الجغرافيا التي نشأت عليها القرى والمدن وظهور فلسفات الحياة وأخلاقياتها وأديانها الطوطمية إلى التوحيدية، كانت مهد الحضارة البشرية ومنها انتشرت إلى الأطراف وما رافقها من عمليات تحديث عليها واستنساخها بعض الأحيان وفق ظروف وثقافات تلك المناطق.ورغم كل هذه التراكمات المعرفية والفكرية التي لا زلنا نتغنى بها ولا ننفك متشبثين بها حتى حالة أننا بتنا أسرى لتلك المرحلة من الزمن ولا نريد التخلص منها أو تجاوزها بعد آلاف السنين من مرورها. حالة تجعلنا نعيد البحث والدراسة حول هذا الأمر في مدى ارتباطنا بالماضي من دون أن ننظر للحاضر مع غياب رؤيتنا للمستقبل بشكل عام. هل الخوف مما هو قادم هو ما يجعلنا أن نزداد ارتماءاً للماضي والتاريخ أو أننا لم نؤهل ذاتنا ونصقلها جيداً كي نكون عناصر لائقين ومنفتحين لدخول المستقبل من بوابته الفكرية. هذه البوابة التي لا تفتح مصراعيها للمتعلقين بعقلية الماضوية بقدر ما هي ترحب بالأفكار المتقدمة التي تمتلك مشاريع وخطط مستقبلية يكون بمقدورها مواكبة التطور الفكري والتقني كي يكون لها موطئ قدم في عالم المستقبل.هذا الارتباط بالماضوية ما هو إلا إصرارٌ على نبذ كل ما يمت بصلة عن تغيير العقلية ونقد كل ما علق فيها وعليها من أفكار عفا عنها الزمن ورحل. كمية التراث والحضارة والعلوم التي بدأت من هذه المنطقة هي قوة مادية ومعنوية لنا من أجل إعادة تدويرها لتكون متوائمة مع ما نعيشه في راهننا، لكن الإصرار على ابقائها كما هي من دون تغيير أو حتى تنظيفها من العوالق وغبار السنين، يثبت أننا لا نريد الخروج من شرنقة الجهل والتعفن الفكري والمعرفي الذي أصابنا وكأن رائحة العفن أعمت بصيرتنا وجعلتنا سكارى وما نحن بسكارى لكنه التاريخ الذي لا يرحم أحداً بتاتاً.منذ قرون عديدة وكثير من الفلاسفة نبهونا وأنبأونا بأننا إن لم نصلح حالنا وأحوالنا فلن تقوم لنا قائمة وسيكون دائما مكاننا أمام عتبات الشعوب الأخرى، متسولين التطور منهم علَّهم يعطفون علينا بنتاجاتهم الفكرية والمعرفية وحتى الأخلاقية. نعيش في بلدان يعمّها الخوف على حساب الأمن والعدل. حيث يعتقد الحكام أنهم إذا نشروا الخوف في المجتمع تزداد السيطرة عليهم ولا يمكن أن يخرجوا عن القطيع، وعن هذا الأمر قال بن خلدون في مقدمته: “الخوف يُحي النزعات القبلية والمناطقية والطائفية، والأمن والعدل يلغيها”. حيث في مجتمع الخوف تنمو وتزدهر النزعات العرقية الصراعات الطائفية والأثنية، لأن الشعوب تشعر أن لا مستقبل ينتظرها سوى أن تكون منقادة للسلطان والزعيم الخالد الذي هو فقط يعرف ماذا تريد المجتمعات. قررنٌ وبلداننا تعاني الخوف من كلِ شيء حتى من نفسها. خوف من الاعتقال وخوف من الجوع والفقر والتشرد والتهجير، وخوف الشعوب من بعضها البعض، وخوف ما بعد الموت. هذا ما يسيطر على المجتمعات من خول الداخل، أما خوف الخارج فحدث ولا حرج من المؤامرات الكونية والدولية التي تحيط بنا من كل صوب وحدب. خول من الامبريالية والصهيونية والطورانية والجماعات الدينية المتطرفة وغيرها الكثير من عوامل الخوف التي تخنق المواطن وهو في سريره يحاول أن ينام ليلته من دون خوف. قرن من الخوف من الفقر على حساب ان نتسلح ونُعِدُّ العدة لإرهاب عدو الله. لكن في النهاية عرفنا أننا نحن فقط هم أدوات المؤامرة الدولية وليست الامبريالية والعقلية القيصرية ولا الصهيونية. فتم توجيه السلاح للشعوب والمجتمعات من قبل الكل من دون استثناء لجعلنا قرابين على مذابح أجنداته وأطماعه. وبقينا وجهاً لوجه نواجه دولاً منهارة وأنظمة كرتونية ليس لها أية أرضية قوية متماسكة إلا أن تتكئ على هذا الطرف أو تلك القوة. في هذه المرحلة شهدنا الكثير ممن ادعوا الثورة على الأنظمة الاستبدادية، لكنهم تحولوا إلى مستبدين أكثر من الزعماء وهم ما زالوا في مسيرتهم الأولى. ولم يعد ما نراه له أية علاقة بالثورة وبناء الوطن الجديد. ما أروع ما وصفه بن خلدون ووصفه لنا وكأنه يعيش معنا ويذكرنا بما قاله قبل قرون عدة: “عندما تنهار الدول يكثر المنجّمون والأفّاكون والمتفيهقون والانتهازيون وتعمّ الإشاعة وتطول المناظرات وتقصر البصيرة ويتشوّش الفكر”. وهو ما نعيشه بكل تفاصيله هذه، وما نراه ما هو سوى استمرار انهيار الدول الفاشلة والهشة التي حسبناها يوماً أنها كالطود والصخرة التي ستتحطم عليها مخططات المتآمرين الكونيين. فلم نرَ إلا جماجمنا هي التي تتحطم على صخرة الدولة القومجية التي تم بناؤها على حساب الانسان.إنه الجحيم بحد ذاته ما نعيشه الآن ولا اعتقد أن جحيماً أخرى سوف تعيشها الشعوب أكثر من هذا العقاب الذي بات يلحقنا جراء ما زرعناه بأيدينا. ربما نستحق ما يحيط بنا من دمار وخراب وقتل ونحر وتهجير أو أننا قرابين عقليتنا التي كنا نعتقد أنها لن تتخلَ عنّا أوقات المحن والمصاعب. الحكام والأنظمة ربما كان نحن من صنعناهم ولم نقول لهم يوماً “لا”، بل كنا من المصفقين باستمرار على أساس أنهم يمتلكون ناصية الحكم والعدل ويشقون طريقنا نحو المستقبل الرغيد. لكن ما نعيشه لا يمكن وصفه إلا جحيم دانتي التي وصفها بتفاصيلها الدقيقة بطبقاتها ومستوياتها وما يعانيه من بداخليها في رائعته “الكوميديا الإلهية”. وبكل تأكيد كان لفلسفته اللاهوتية المسيحية تأثير كبير فيما كتبه في تلك الملهاة وكذلك الفلسفة اليونانية والإسلامية، لتبقى هذه الملحمة الشعرية حتى راهننا من أعظم ما تم كتابته في وصف حال وأحوال من يدخلون جحيم دانتي.في المستوى السابع في رحلة دانتي مع صديقه فيرجيل في الجحيم يروي لنا ما يراه قائلاً: “هناك يريان من ارتكبوا جرائم العنف يكادون على الدوام يغرقون في نهر من الدناء مضطرب صاخب، ويرميهم القنطورون بالسهام كلما علت رؤوسهم فوق ماء النهر. وفي قسم آخر يريان من ارتكبوا جرائم العنف ضد الله، أو الطبيعة، أو الفن، يقفون حفاة فوق رمال حامية، وتسقط على رؤوسهم كسف من النار”. وحسب ذلك أن كل مت عنّف مجتمعه وقام على قتلهم وتجويعهم وارعابهم وتخويفهم وتهجيرهم وكذلك المنافقين سيكونوا في جحيم دانتي ينالون جزاء ما فعلوا في حيواتهم تجاه شعوبهم. كذلك قالها لنا تعالي في كتابه الكريم أن الظالمين سيكون عذابهم كبيراً؛ ﴿ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ سورة الأعراف 41. و ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء﴾. وكثيرة هي الآيات التي قيلت في الذين استكبروا على شعوبهم ومجتمعاتهم وأذلوهم

اقرأ المزيد »

نهاية تاريخ الاخلاق ونهاية التاريخ والحضارة

محمد أرسلان علي لطالما كان الدين منذ قرونٍ عِدَّة من أهم الأدوات والوسائل التي تم استثمارها واستخدامها من قِبل الوصوليين والانتهازيين الذين لا همَّ لهم سوى التربع على عرش السلطة بكل أدواتها وأجهزتها، لسهولة سيطرتهم على الشعوب والمجتمعات وتوجيههم كيفما يشاؤون وأينما يريدون. وقد برعت هذه الفئة من الناس في الابداع وخاصة من ناحية الأسلوب والخطابة لربما لأنها كانت من أفضل العوامل التي كانت تؤثر بشكل مباشر على الشعوب بمختلف مكوناتهم وقومياتهم وانتشارهم الجغرافي. الدين بتطوره من الطوطمية ووصلوه للمرحلة التوحيدية، مرَّ بالكثير من المراحل المختلفة والتي تطورت معها مختلف الأساليب والكلمات والمعاني، فقط ليتم سهولة السيطرة على جموع الناس عبرها.التاريخ متخم لحد التقيؤ بأمثلة عن هذه الفئات والشخوص الذين استثمروا الدين بأفضل الأشكال وكانت لهم صولات وجولات في هذا الشأن وتربعوا على السلطة حتى انقلبت عليهم الأقدار وترهلت اساليبهم بعدما استحوذوا على السلطة، ظناً منهم أنهم بذلك اصبحوا من الخالدين. لكنه التاريخ الذي لطالما كان له مجرىً خاصاً به ليقول كلمته الفصل في نهاية الأمر. فسروا الدين وفق أهواءهم وأجنداتهم ووظفوه حيثما كانت أطماعهم وسلطتهم الجشعة. معظم الامبراطوريات عبر التاريخ قضت على من سبقتها باسم الدين وباسم “إعلاء كلمة الحق”، لكنها سرعان ما تتحول لسلطة استبدادية تحت مسمى “الحفاظ على الأمن والاستقرار”، وبهذا يحل الترف مكان الايمان، الرفاهية مكان التواضع، البذخ والاسراف مكان التقشف، المجون والليالي الملاح مكان غض النظر والنقل مكان العقل، وليتحول المجتمع إلى مجتمع مكبوت ومضغوط بألف حديث وتفسير وفتوى وفرمان سلطاني، ليُقتل كل من يفكر خارج صندوق الخليفة والسلطان على أنه زنديق ومهرطق وكافر وفي أحسن الأحول يشوى على نار هادئة ليكون عبرة لمن يحاول التفكير بالخروج من تحت ظِلال اللُحى المقدسة والمكرّمة من عند الله وكهنة المعابد.كان ذلك ولم يختلف كثيراً إلا بنسب مختلفة في الكثير من مراحل التاريخ الذي تم كتابته من قبل هؤلاء الكهنة ومؤرخي الملوك والخلفاء والسلاطين. من الامبراطوريات الأكادية، البابلية، الآشورية، البارثية، الرومانية. ومن مرحلة فتوحات الحروب الصليبية مروراً بفتوحات الحروب الاسلاموية وصولاً لآخر إصدار لها والتي تمثلت بالخرافة (الخلافة) العثمانية. ومرحلة الاستعمار الحديث الشرقي منه (الاتحاد السوفيتي) والغربي أيضاً (البريطاني والفرنسي وصولاً لأمريكا). ربما تختلف المسميات والمصطلحات والنسبة، ليبقى جوهر السلطة هو هو لا يتغير، ليس له علاقة بالمجتمع والشعوب بقدر ما كانت الاطماع والسرقة وبالتالي الهيمنة هي الهدف النهائي لمعظم الامبراطوريات التي مرت على جغرافيتنا عبر تاريخها المأساوي والتراجيدي بنفس الوقت. لنصل لثنائية طرفين متنافسين ومتصارعين لا زال كل منهما يروج لنفسه على أنه الفرقة الناجية والتي تمتلك كامل الحقيقة وتمتلك مفاتيح “الفردوس المفقود” والأخرى هي الباطلة.المشرقيين والمتأثرين بالاستشراق يظنون أنهم وحدهم يمتلكون مفاتيح تلك الجنة التي سيعيش فيها الكل بنعيم ورفاهية ولهم فيها ما “تشتهي أنفسهم”، وأن كل حروبهم هي لإعلاء “كلمة الله والحق”. لكن ما خُفي تحت هذه الراية من مآسي وويلات وقتل ونحر وسبي، ما يعجز الانسان عن كتابته. والطرف الآخر الغربي الذين يروجون على أنهم فقط يمتلكون مفاتيح “المجتمع الحر الليبرالي” وبمقدورهم نشر معايير حقوق الانسان والديمقراطية والمجتمع المدني، لكن ما خُفي تحت هذه الراية أيضاً لا يقل بشاعة عمّا تم اخفاءه تحت الراية الأخرى من نهب وحرق وتهجير وقتل واغتصاب وسرقات وفساد… الخ، والقائمة تطول لكِلا الطرفان.لكل طرف عقيدته ومفكريه وفلاسفته الذين يروجون لما هم يعتقدونه صحيحاً وصدقاً. فمن ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ…﴾. الإسراء(81)، وحتى “نهاية التاريخ” لفوكوياما و “صراع الحضارات” لهينتغتون، ذهب الطرفان يحفر للآخر بمعول المكائد والمؤامرات باطناً، وتقبيل ذقون البعض وكيل المديح مع رقصة (العرضة) ظاهراً. فحينما ينتشر الدين الاسلاموي السياسي في العالم يكون “الحق” قد انتصر، وبالمقابل حينما تنتشر الديمقراطية الليبرالية ومعايير حقوق الانسان في العالم تكون “الحقيقة” قد انتصرت. وما بين هذين الانتصارين، تم القضاء على الشعوب والمجتمعات وإعادة هندستها من جديد وفق ما يخططون ويرسمون من حدود أشباه دول هشّة، تئن تحت قوانين أنظمتها المستبدة.فلم تنتصر أمريكا والغرب عقب انهيار الاتحاد السوفيتي ولم تمتلك الحقيقة الكاملة، رغم ما تم زعمه من قبل مفسريهم فوكوياما وهينتعتون، بقدر ما تم استثمار الغرب للدين والمتدينين لمنافعهم الخاصة وأجنداتهم وحروبهم. وهذا ما نراه الآن على امتداد جغرافيتنا بشكل خاص والعالم بشكل عام. لأن الشر لا زال منتشراً بكل معانيه القذِرة والخير لا زال يبحث عن روّاده الذين سيرفعون رايته تجاه الفوضى المنتشرة في كل مكان. فما دام هناك مجتمعات وشعوب فلا يمكن للتاريخ أن ينتهي وكذلك لا يمكن للحضارة/ات أن تنتهي، بما أن الانسان والمجتمع في حالة تغير مستمر. وأن الانسان دائما ما هو يبحث عن الجديد الذي يشفي غليله الفضولي.لربما ينتهي تاريخ المدنية وكل ما يتعلق من تطور كان نتيجة ظهور تلك وهذه المدنيات وكذلك التاريخ المكتوب، لكن بكل تأكيد لا يمكن أن ينتهي التاريخ كما زعم الغرب في “صراع الحضارات”. هذا الصراع سوف يستمر طالما استمر الانسان في بحثه عن الجديد في كل شيء. لأن تاريخ الحضارة بدأ مع اتفاق الانسان مع بعضه على وضع بعض القوانين النافذة والتي تنظم حيواتهم الجماعية، والتي تم تسميتها بـ “الاخلاق”. فلا يمكن التفكير بمجتمع من غير اخلاق، لأنه حينها يكون العيش في ظل هكذا مجتمع، كالعيش في غابة والقوي يقتل الضعيف، وهو ما نره ونعيشه. دائماً ما لجأت المجتمعات إلى الاخلاق للحفاظ على تواجدها وبقاءها وتماسكها، وعكس ذلك لا يعني إلا مجتمع هشّ لا لون له ولا وجود، وما هو إلا مجتمع استهلاكي وغير منتج، ينتظر قدر الله أن يبقيه على قيد الحياة. وتتقاذفه قوى الهيمنة يمنة ويسرى حسب أهواءها وما تسعى إليه.مصلحتي ومصلحة وطني تقتضي أن أكون أو أتخذ هذا الموقف، فعندما تكون “المصلحة” هي مقياس سكوتي أو صراخي، فهذا لا يمكن وصفه إلا بأنه تقرب انتهازي وبراغماتي تتخذه بعض الأطراف للحفاظ على وجودها وسلطتها على حساب مجتمعاتها الهشة. فحينما تتغلب المصلحة على الأخلاق، حينها نكون نعيش “نظام التفاهة” كما عنون آلان دونو كتابه. حيث أن الأخلاق حسب أفلاطون هي شرط أساسي للوصول إلى “السعادة”، لأنه كان يرى “الأخلاق” بالابتعاد عن الشهوات حتى يحقق الفرد السعادة والعدالة والفضيلة. عن الشهوات بكل تأكيد لم يكن يقصد فقط الشهوات والغرائز الجنسية، بل كافة الشهوات من جشع وقتل ونحر ظلم واقصاء واستعلاء وغيرها من طبائع فاسد للإنسان والمجتمع وتوصل من يلهث وراءها لينقطع عن المجتمع والضمير الإنساني ويتحول كما رآها بن خلدون إلى “طبائع الاستبداد”.ويقيم السيد عبد الله أوجلان الأخلاق على أنها “الذاكرة السياسية للمجتمع”. وحسب رأيه بأن أي مجتمع يفتقد أو تفتقر إلى الأخلاق، ما هي إلا مجتمعات تكون ذاكرتها السياسية ضعيفة، وتشير إلى مدى فقدانها لقوتها المؤسساتية والقواعدية التقليدية. من هنا نُدرك لماذا تحاول دائماً أية سلطة كانت في أي زمكان كان بوضع الكثير من القوانين وإصدار القرارات على

اقرأ المزيد »

من باريشا إلى أطمة؛ حضن أردوغان الدافئ لداعش

محمد أرسلان عليأطلّ علينا اليوم زعيم الولايات المتحدة الأمريكية ببيان يُعلن فيه أنه تم تصفية زعيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المدعو أبو ابراهيم “الهاشمي القريشي” والذي اسمعه الحقيقي عبد الله قرداش. كانت العملية قد تمت بعد جهد ومعلومات استخبارية دقيقة وتم تنفيذها فجر هذا اليوم في منطقة تقع شمالي معسكر آطمة والتابعة محافظة إدلب المحتلة من قبل تركيا ومرتزقتها. وأن مكان تنفيذ العملية هذا لا يبعد عن معسكر للجيش التركي سوى كيلو متر واحد فقط الذي تم انشاءه كنقاط مراقبة يتوافق الضامنين في الأزمة السورية بين روسيا وتركيا وايران. وقبل هذا اليوم بثلاث سنوات تقريبا وفي يوم الأحد 27 أكتوبر 2019، طلّ علينا أيضاً في مشهد مشابه لليوم الزعيم الأمريكي ترامب ليعلن عن مقتل زعيم داعش المدعو أبو بكر البغدادي، في عملية إنزال جوي دقيقة في قرية “باريشا” التابعة لمنطقة حارم في ريف إدلب المحتل من قبل تركيا.قرية “باريشا” التي كانت الحضن الدافئ للبغدادي وتحولت لقبر، وقرية آطمة التي كانت الحضن الدافئ لقرداش وتحولت لمقبرة له ولزوجاته وحراسه، هاتين القريتين واللتان لا تبعدان عن الحدود التركية سوى كيلو مترات قليلة جداً وبجانبها نقاط مراقبة للجيش التركي. وهو ما يعني من دون أي استنتاج أو تحليل أن زعماء هذا التنظيم الإرهابي لا يمكن أن يبتعدوا عن حضن من يدعمهم ويوجههم ويخطط لهم ويرعاهم، والذي هو الخليفة الحقيقي لمختلف التنظيمات والتيارات الإرهابية والمتطرفة بمختلف مسمياتها والمتواجدة تحت رعاية الجيش التركي والخليفة الحقيقي لكل الإرهابيين، أردوغان.عملية مقتل أبو بكر البغدادي تم تسميتها بكود وهو عملية “كايلا مولر”،‏ وهي ناشطة حقوق إنسان أمريكية وعاملة في المساعدات الإنسانية ولدت في يوم 14 أغسطس 1988 في بلدة بريسكوت (أريزونا) في الولايات المتحدة، عملت في سوريا واختطفت في أغسطس 2013 في حلب من قبل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بعد تركها لمستشفى أطباء بلا حدود وقُتلت في يوم 6 فبراير 2015. وانتقاماً لمقتلها بأوامر من البغدادي تم تسمية العملية باسمها.فكل ادعاءات أردوغان بأنهم يحاربون الإرهاب وداعش ما هي إلا ضحكٌ على الذقون كما يُقال، ولتسيير القطيع الذي لا زال يعتقد أن أردوغان تركيا برفعه القرآن، هو النموذج الذي يبحث عنه البسطاء في منطقتنا التي افتقدت للرمز والزعيم والخليفة. يبحث عن أية شخصية يجعل منها طوطماً في الصباح وربما يأكله مساءاً ويلعنه بنفس الوقت. المهم ألا يعيش هذا البسيط والساذج وربما يكون من القطيع بنفس الوقت، من دون طوطم أو رمز أو زعيم خالد أو أي إله صغير، المهم أن يراه بعينه بعد أن يأس من الذي في السموات.حالة من القنوط والإحباط يعيشها الانسان في منطقتنا جراء وعود لم تنفذها أنظمة تسلطت على رقابهم منذ عقود عديدة، وزعماء تألهوا ووضعوا هالة من القداسة حولهم، ليتحول الوطن والعمل والأب والابن والأمل والتفاؤل والسيادة والجيش والولاء، ليتحول ليختزل في شخص هذا الزعيم الخالد الذي لم تنجب السماء أحداً غيره، وهو القائد الضرورة والصيرورة الأبدي. وليحترق الوطن بمن فيه كرمىً لعيون هذا الزعيم.بات شعاراً يقوله كل من تبقى في الوطن كي يعيش فقط وليس شيئاً آخر، “الأسد أو نحرق البلد”، فها هو البلد يحترق رويداً رويداً مخلفاً وراءه ركاماً وأطلالاً وحطاماً معمّد بدماء آلاف الضحايا والقرابين الذين صدقوا طرفي الصراع أنهم يحررون البلد من الكفرة (النصيرية “الشيعية” أو الإرهابية “السنية”). لتمتلئ باطن تراب الوطن بأجساد ممزقة أو منحورة الرأس أو محروقة أو مهشمة بآلاف الآهات والصرخات الأنين. وكلٌ لإعلاء كلمة الحق في قتل الآخر، وكأن الحق لن يُعلى إلا بقتل الآخر. وأن الله ينتظر منهم أن ينحروا بعضهم البعض ليكفروا عن سيئاتهم وخطاياهم، وأننا نعيش زمن ما قبل سيدنا إبراهيم وتقديم الانسان قرباناً لإرضاء الإله.متأسلمين سياسيين منقسمين على بعضهم ويتصارعون فيما بينهم وكل طرف يقذف الطرف الآخر بأشنع الألفاظ والتهم، وكل منهم يدعم أداوته وبنادقه لقتل الآخر. حتى حولوا مشرقنا الذي كان يوماً ما منبع الحضارة الإنسانية والقوانين والعلوم، حولوه بعقليتهم النتنة إلى “مسلخانة” أو كولوسيوم ومعبد وحلبة الموت روماني.صراع خفي وعلني ما بين مدن ثلاث تتسابق للفوز بمشروعيتها لتمثل القداسة الإلهية وتسترجعها بعدما فقدتها جراء تخاذل من وصفوا أنفسهم بوماً بالخلفاء المتصارعين على السلطة، منذ الأمويين ومروراً بالعباسيين والعثمانيين والصفويين. “قم” أم “النجف”، لها الأحقية في أن تمثل قسم من المسلمين الشيعة. أم أن “مكة” أو “قسطنطينة” هي من تمثل القسم المتبقي من المسلمين السني. وبين هذا وذاك ينتظر “أزهر” القاهرة ليعلن أنه متمم ومكمل للدين الحنيف.مقتلة بكل معنى الكلمة تتم في كولوسيوم وحلبة موت ومقتل الانسان تحت اسم الدين والإله الذي ينتظر القرابين من الزعماء والكهنة الذين يحضون الناس على القتال باسم الإله، ليتقاسموا هم الغنائم والنفط وباقي خيرات هذه المنطقة تحت اشراف قوى الهيمنة الغربية والشرقية منها إن كانت أمريكا أو روسيا أو الصين. فلا فرق بينهم سوى بأسلوب السرقة والفساد، ليبقى جوهرهم واحد ومتعمد برأسمالية الدولة والتي لا يهمها سوى الربح الأعظمي ولو على حساب شعوبهم. وكذلك الأدوات التي تنفذ ما هو مطلوب منها ليزيدوا المشهد إثارة بأقوالهم وريائهم ونفاقهم وكذبهم الذي ملَ الشعب منها.من سوريا والعراق واليمن وليبيا وأرمينيا وأفغانستان والآن أوكرانيا، تستمر المقتلة بوظيفتها والفوضى بانتشارها ضاربة عرض الحائط كافة القوانين والمعايير الإنسانية لمنظمات إقليمية ودولية، كانت يوماً ما تتغنى بقوانينها الرحيمة، وباتت الآن صماء وعمياء وفضلت الصمت رغم كل ما تراه أمام أعينها من جرائم تتم بحق الانسان والمجتمع.فلا مشكلة كبيرة إن تم قتل البغدادي وقرداش بالقرب من الحدود التركية وضمن مناطق خفض التصعيد التي ضمنتها روسيا وايران وتركيا. شركاء هندسة هذه المنطقة كي تكون الملاذ الآمن لكل الإرهابيين الذين كانوا يعيثون فساداً على الجغرافيا السورية في وقت من الأوقات. الكل يريد أن تبقى “داعش” أو الفصائل ذات المسميات الأخرى، لأن الكل مستفيد من تواجدها ولأنها تأخذ شرعيتها وسبب استمراريتها من بقاء هذه المنظمات الإرهابية على قيد الحياة. لهذا نرى أنه رغم نداء قوات سوريا الديمقراطية المتكرر لكل دول العالم الذين لهم ارهابيهم في معسكر “الهول” أو المعتقلات، بأن يأخذوا مواطنيهم لتتم محاكمتهم هناك. سنوات وقوات سوريا الديمقراطية تنتظر رداً على نداءاتها وصرخاتها، لكن العالم “صمٌ، بكمٌ، عميٌ” لا يفقهون وكأنه لا يوجد شيء خطير يحيط بهم.عدم المبالاة وعدم الجدية والتقربات غير المسؤولة، هي التي تعطي أردوغان الفرص كي يستثمر بهؤلاء الإرهابيين ويعمل على احتضانهم واطلاق سراحهم من المعتقلات، والتي كانت آخر محاولاته في الحسكة لتهريب الإرهابيين من السجن ونشر الفوضى والقتل ثانية في هذه الجغرافيا. هذه اللامبالاة من قبل الأنظمة الإقليمية في المنطقة هي التي تعطي القوة لأردوغان كي يزداد همجية وتوحشاً وعربدة.عدم المبالاة من حكام المنطقة من التضحيات التي تقدمها قوات سوريا الديمقراطية في حربها ضد داعش ومختلف التنظيمات الإرهابية والمتطرفة المدعومة من أردوغان، هي بنفس الوقت تعطي القوة

اقرأ المزيد »

يجاهدون لتعدد الزيجات ويرفضون تعدد الثقافات والقوميات

محمد أرسلان عليلطالما كان الاعتراف بالمسؤولية عمّا نعانيه وتعانيه مجتمعاتنا من فوضى ضربت كافة أشكال الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أقصر الطرق لحل عقدة هذه الفوضى التي أصبحت وبالاً على الجميع من دون استثناء. هذا الاعتراف يحتاج لقوة كبيرة من الثقة بالذات كأول خطوة في الطريق السليم، لأنه كالذي يعترف بالذنب والذي من خلالها تجاوز نصف المصيبة، كما يُقال. فعملية البحث والنبش عن الأسباب التي أودت بنا أن نُعتبر من قِبل الغير أننا مصنفون من العالم الثالث أو من الدول النامية أو حتى الفاشلة والهشّة التي لا تحل ولا تربط، عملية البحث هذه بحدِ ذاتها تعتبر محاولة جدية للخروج من المأزق الذي بات كالحبل الذي يلتف حول أعناقنا ليخنقنا، ونتمنى أن يخنقنا كي نتخلص من مما نحن عليه ونرتاح من هذه الدنيا في نهاية الأمر.كثيرة هذه الأبحاث التي هطلت علينا من قِبل الكثيرين ممن يدعون التعليم والثقافة والمعرفة، لكن جُلَّها كان من دون أية فائدة تذكر حينما تريد تطبيقها على أرض الواقع. لأن معظمها تم استنساخها من تجارب الآخرين من دون أخذ الحيطة باختلاف الثقافات والمكان والزمان وحتى الجغرافيا. لربما تقدمت بعض البلدان في الكثير من النواحي الحياتية، ولكن هذا لا يعني أنهم استلهموا تجاربهم من الغير من دون تغيير أو إضافات عليها وابدعوا فيها. ربما كان لعملية التغيير هذه الكثير من المطبات التي لاقوها ولكنهم أصروا على أنهم عازمين على التغيير نحو الأفضل، تاركين وراءهم الماضي بكل مآسيه وتراجيدياته المحزنة متسلحين بالإصرار لبناء الأفضل.بكل تأكيد هذا التغيير لا يمكن أن يحدث بيد واحدة أو من قبل فئة يتم تعيينها أو توكيلها بهذا التغيير، إن لم يكن ثمة إرادة مجتمعية على هذا التغيير نحو الأفضل. فأوروبا لم تصل لما هي عليه الآن بعصا موسى أو بالدعاء في دور العبادة فقط، بل عمل المثقفين والمناضلين الذي حملوا مسؤولية التغيير تلك على عاتقهم رغم كل الصعاب والعراقيل وحتى الاتهامات التي كانت تلاحقهم. لكنهم لم يُعيروا اهتماماً لكل “القال والقيل” أينما كان مصدره، لأنهم كانوا عاكفين على التغيير الذي لا بد أن يكون مهما كلف ذلك من أثمان. وكانت محاكم التفتيش تقف بالمرصاد لهم. وكم من قرابين قدموها كرمىً لما كانوا يحلمون به ويعيشونه الآن.مجتمعاتنا ومنطقتنا التي تئن تحت وطأة الجهل والتجهيل والماضوية الدينية المتطرفة لا زالت تحن لذاك الماضي الذي تركنا وابتعد عنّا كل هذه القرون، لكننا لا زلنا متمسكين به ومعتقدين أننا من دونه لا شيء وأن عجلة التاريخ ستتوقف إن نحن لم نبعثه كما هو من جديد. وهنا يكمن المأزق الحقيقي الذي ما زلنا نعيشه بكل تفاصيله المأساوية. الكثير هنا وهناك فرادا حاول العمل على تغيير الخطاب الديني والقومجي في مجتمعاتنا، إلا أنهم كانوا عرضة للكثير من الاتهامات الجاهزة والمقولبة وحتى الإدانة ليكونوا وجهاً لوجه أمام نهايتهم المأسوية المتوقعة، من دون أي نصير أو مدافع عنهم أيضاً. وهكذا باتوا وحيدين بنضالهم الفكري التنويري كما سيكونوا وحيدين أيضاً عندما تم تطبيق الحدّ عليهم.ابتلينا بثقافة مجتمعية لا تقبل التغيير مهما كان وأي محاولة من أي كائن كان بكل تأكيد فلن تكون نهايته أفضل ممن سبقوه. التاريخ متخم بأمثلة هؤلاء المثقفين والمناضلين الحقيقيين الذين أرادوا لمجتمعاتهم وشعوبهم أن تلحق بركب الإنسانية قبل كل شيء وبعدها الحضارة. لكن سماسرة وكهنة الدين والقومجية المتزمتين الذين يحملون عقول متحجرة فوق رؤوسهم، رفضوا ولا زالوا رافضين لأي عملية تجديد في الخطاب الفكري والديني والقومجي والنسوي والاقتصادي وحتى الثقافي. فأي عملية تغيير ينبغي أن تحصل فيجب أن تكون عن طريق السلطة المستبدة وكل من يدور في فلكهم من أفواه وأقلام مأجورة وانتهازية.سماسرة وكهنة الدين والقومية والمثقفين عندنا مختلفين عن أي تجار آخرين أينما كانوا وربما كان لقوة أسلوب الخطابة عندهم تأثير أكبر بكثير من المنطق والعقلانية وحتى العلم. التجارة بالدين والقومية تحول لتجارة مربحة كثيراً لا يمكن مقارنتها بأي وظيفة أخرى في الماضي ووقتنا الراهن. يستميتون في تفسير الدين والقومية وفق أهواءهم الخاصة وحسب مصالحهم وأطماعهم وسلطتهم، ويرفضون أي تفسير آخر لما هم يعتقدونه حقيقة مطلقة لا غبار عليها. يحرفون كلام الله تعالى كيفما يشاؤون ومتى ما تبتغي مصالحهم السلطوية ذلك، من دون أن ترتجف لهم طرفة عين، لينطبق عليهم قول تعالي: ” مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا” (النساء – 46). فثمة من يدعون التغيير باسم الدين والقومية لكنهم دأبوا على تبديل كلام الله وتغييره عمَّا هو عليه افتراء على الله، ويقولون: سمعنا قولك وعصينا أمرك واسمع منَّا.حكامنا وأنظمتنا وكل من يسير بركبهم من كهنة دين أو سماسرة ثقافة وكذلك تجار قومية من مدَّعي السياسة والمثقفين والمناضلين الذين تحولوا لجامعي ثروة ومال بعد أن باعوا الثورة والمجتمع، معظمهم لا همّ لهم سوى أن يستلذوا بما جمعت أيديهم من مال وأعمت بصيرتهم وفؤادهم. فدور المثقف كبير جداً في تغيير ثقافة أي مجتمع يسعى نحو التغيير والتطور ويفضحوا الفاسدين. فالأديب الفرنسي جوليان باندا يرى في كتابه الشهير خيانة المثقفين: أن “المثقفون يُعتبرون في مرتبة تفوق مرتبة البشر العاديين، نظرًا لدورهم الأساس في فضح وتعرية الفساد ومناصرة الضعفاء”، في حين يرى سارتر: أن “المثقف هو صاحب الموقف الملتزم والمنحاز إلى القيم والعدل والحق والنيات الحسنة، قبل أن يكون تقنيًا ومتخصًصًا بأحد فروع العلم أو فنانًا”.لا يختلف الأمر كثيراً عمّا نراه في سوريا والعراق واليمن وليبيا وإيران وتركيا، وغيرها من البلدان التي تنهش الفوضى بمجتمعاتهم وشعوبهم التي لم تعرف معنى الكرامة والحرية يوماً. أنظمة وحكام لا يختلفون كثيراً عمن يوسمون أنفسهم بالمعارضة التي ولِدت من رحم نفس الأنظمة الشمولية السلطوية والشوفينية.من الدين لا يفقهون شيئاً سوى ما ينفعهم ومصالحهم وغير ذلك لا يفتون به ولا حتى يذكرونه لا من قريب ولا من بعيد. أما الأمور التافهة فيتمسكون بها ويفرضونها على المجتمعات على أنها هي فقط الدين كله. أما عن مكارم الأخلاق، الضمير، العفو، الرحمة، التقوى، وإنا خلقناكم شعوباً وقبائل، ومن آياته اختلاف ألسنتكم، فلم يسمعوا بها أو أنهم يتناسوها، وفضلوا الصمت على إعلاء كلمة الله.كتبٌ وآلاف الفتاوي والتفاسير عن تعدد الزيجات وما ملكت أيمانكم وزيجات المسيار والمتعة والعرفي، اتحفنا بها العمائم السوداء والبيضاء، كي يرضوا نزواتهم وغرائزهم، لكنهم بنفس الوقت يرفضون أو يقتلون كل من ينادي بتعدد اللغات والقوميات والثقافات والألوان والشعوب. داء أصابنا جراء الثقافة التي ورثناها عن أجدادنا ولا زلنا بها متمسكين. فما نراه من مآسي وويلات وقتل وتهجير وحرق ونحر ودمار، معظمه من أننا أخذنا ما هو وفق مصلحتنا من كتاب الله وهجرنا ما تبقى ليكون في طي النسيان. الجميع يعتبر نفسه من الفرقة الناجية والآخر هو الكافر والفرقة التي بالنار. النتيجة هي ما نره الآن ونعايشه وليس ما نقرأه كما كتب التاريخ. الكل يقتل الكل والكل يرفض الكل، وكل ذلك باسم

اقرأ المزيد »

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

اخر الاخبار

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

error: Content is protected !!