الهند

السياسة

“تمحيص حقائق وأكاذيب وأساطير معاهدة مياه نهر السند”

(وجهة نظر هندية – رد على رسالة العميد (متقاعد) الدكتور راشد والي جنجوا المنشورة في صحيفة “داون” بتاريخ 9 أبريل 2026)   تعاني رسالة العميد (متقاعد) الدكتور راشد والي جنجوا من ذات الانتقائية في استحضار الوقائع التي يتهم بها الهند. ويكشف استعراض موضوعي وغير متحيز للحقائق أن عدداً من أطروحاته لا تقدم الصورة التاريخية الكاملة وتفتقر إلى الدقة القانونية.   ويستشهد الكاتب بإغلاق قناتي سنترال باري دوآب وديبالبور عام 1948 باعتباره دليلاً على النوايا العدائية للهند، لكنه يغفل السياق الأساسي للموضوع، وهو أن هاتين القناتين كانتا تستمدان مياههما من منشآت التحكم الواقعة بالكامل داخل الأراضي الهندية عقب التقسيم، وأن وقف تدفق المياه جاء في خضم عملية شديدة التعقيد لتقسيم الهند.   وقد تمت تسوية هذه المسألة سريعاً من خلال اتفاقية أبرمت بين الدولتينInter-Dominion Agreement تم توقيعها في 4 مايو 1948. وفي هذه الاتفاقية، أقرت باكستان نفسها بالحقوق السيادية للهند على منشآت التحكم، ووافقت على دفع رسوم الامتياز مقابل استمرار استخدام المياه.   ولا تعد هذه الواقعة دليلاً على سوء نية، بل على حرص الهند على تسوية جميع القضايا بروح ودية.   ويؤكد الكاتب أن معاهدة مياه نهر السند قد خدمت المصالح المائية لباكستان على نحو جيد، لكنه يتهم الهند، في الوقت ذاته وعلى نحو متناقض، بـ”المحاولات المستمرة للاستيلاء” على مياه باكستان.   والحقيقة أن معاهدة مياه نهر السند لعام 1960، التي وُقعت بعد ما يقرب من عقد كامل من المفاوضات، تُعد من أكثر المعاهدات سخاءً في العالم بشأن تقاسم المياه العابرة للحدود، من منظور دولة المصب.   فلم تكتفِ الهند بالتخلي عن حقوقها في نحو 80% من إجمالي مياه نظام نهر السند، بل دفعت أيضاً ما يقارب 62 مليون جنيه إسترليني (أي ما يعادل نحو 227.5 مليار روبية هندية بالقيمة الحالية) كتعويض لتمويل مشروعات الإحلال في كشمير المحتلة من جانب باكستان، وذلك لضمان استخدام مياه تمتلكها هي أصلاً.   ولا يوجد في التاريخ الحديث لمعاهدات المياه ما يماثل هذا القدر من التنازل من جانب دولة المنبع.   ويشير جنجوا بحق إلى أن الهند لا يُسمح لها سوى بتخزين تراكمي يبلغ 3.6 مليون قدم-فدان على الأنهار الغربية، وأن مشروعات الطاقة الكهرومائية من نوع الجريان النهري يجب ألا تؤثر في نظام تدفق المياه إلى المصب. وهذا هو موقف الهند أيضاً.   غير أن جوهر الخلاف يتمثل في تفسير باكستان لمفهوم “تغيير نظام التدفق إلى المصب”.   فقد دأبت باكستان على استخدام هذا التفسير للاعتراض على كل المشروعات الكهرومائية التي سعت الهند إلى إنشائها على الأنهار الغربية، بغض النظر عن حجم المشروع أو تصميمه. ولهذا النمط دلالة واضحة. فقد اعترضت باكستان على مشروع أوري 2 رغم أنه لا يتضمن أي سعة تخزينية.   كما اعترضت على مشروع “كالناي السفلى” رغم أن الفارق بين السعة التخزينية التي صممتها الهند وتلك التي احتسبتها باكستان لا يتجاوز كسوراً عشرية ضئيلة.   وفي كلتا الحالتين، كان الأساس الواقعي للاعتراض ضئيلاً إلى حد يجعله أقرب إلى ذريعة فنية منه إلى اعتراض جوهري.   كما أثارت باكستان اعتراضات على مشروعي كيشانجانجا وراتلي للطاقة الكهرومائية، وهما مشروعان من نوع الجريان النهري يتمتعان بالمشروعية ومتوافقان بالكامل مع أحكام المعاهدة، حيث طلبت من البنك الدولي تعيين محكمة تحكيم، متجاوزة بذلك آلية الخبير المحايد المنصوص عليها في المعاهدة.   ولا يعد اعتراض الهند على إجراءات التحكيم محاولة للتنصل من المساءلة، بل يستند إلى موقف مبدئي مفاده أن آليات تسوية المنازعات المنصوص عليها في المعاهدة يجب استنفادها بالكامل قبل اللجوء إلى التحكيم، وفقاً لما تنص عليه المادة التاسعة من المعاهدة ذاتها.   ومن ثم، فإن لجوء باكستان من جانب واحد إلى محكمة التحكيم، متجاوزة التدرج الإجرائي لتسوية المنازعات، يُعد في حد ذاته إخلالاً بالتزاماتها بموجب المعاهدة.   وفي يناير 2023، وجهت الهند إخطاراً بطلب تعديل معاهدة مياه نهر السند استناداً إلى المادة الثانية عشرة (الفقرة 3)، مشيرة إلى أن العرقلة المستمرة من جانب باكستان لآليات المعاهدة، ولجوئها الأحادي إلى التحكيم الدولي، يشكلان سلوكاً لا يتوافق مع روح المعاهدة.   ولا يمثل هذا الإجراء إلغاءً للمعاهدة من طرف واحد، وإنما آلية قانونية متاحة.   فالمعاهدة باتت تتطلب مفاوضات جديدة بما يعكس ستة عقود من المتغيرات، بما في ذلك التطورات التقنية، واحتياجات الهند التنموية على الأنهار الغربية، فضلاً عن استخدام باكستان لآليات تسوية المنازعات بسوء نية. ومن ثم، فإن الهند تمارس حقاً تكفله المعاهدة، ولا تنتهك أحكامها.   أما المقارنات التي وردت مع حالة مصر وإثيوبيا وحالة سوريا والعراق، فإنها في الواقع تضعف حجة جنجوا بدلاً من أن تدعمها.   ففي كلتا الحالتين لا توجد معاهدات ثنائية ملزمة قانوناً، وهو ما يضعف موقف دول المصب في هاتين الحالتين.   أما باكستان، فقد كانت تتمتع بمعاهدة مفصلة وملزمة قانوناً مع الهند، غير أنها أساءت استخدامها كأداة سياسية بدلاً من توظيفها لتحقيق أهداف التنمية.   إن أي تعليق مسؤول على معاهدة بهذه الدرجة من التعقيد ينبغي أن يرتقي فوق سرديات “المعتدي والضحية”. فقد صمدت معاهدة مياه نهر السند لأكثر من ستة عقود بفضل النهج السخي الذي اتبعته الهند.   وتعكس المخاوف الهندية إدراكاً مشروعاً لتغير الظروف حيث أن المعاهدة لا يمكن استخدامها للأبد كأداة سياسية لعرقلة استفادة الهند المشروعة من مياه أنهارها.   كما أن الخطاب التصعيدي الذي تتبناه باكستان يكشف بوضوح عن نواياها، ويبرر الموقف الذي تتبناه الهند.   كاتب المقال: مفوض الهند السابق لشؤون مياه نهر السند    

اقرأ المزيد »
السياسة

تفنيد الادعاءات وإبراز الحقائق: إعادة قراءة قضية مياه حوض نهر السند

    بقلم: السيد/ أتول جاين الرئيس السابق للجنة المركزية للمياه   إن الادعاءات الأخيرة الصادرة عن باكستان، والتي تصور وجود أزمة مائية وشيكة في حوض نهر السند وتعزو التغيرات في تدفقات النهر إلى إجراءات اتخذتها دول المنبع، لا تصمد عند إخضاعها للفحص عند مقارنتها بالبيانات الهيدرولوجية الواردة من باكستان ذاتها، وسجلات الخزانات، والبيانات التشغيلية الواقعية.   ويكشف الفحص الدقيق للأدلة عن صورة مختلفة تماماً، صورة لا تتسم بالندرة المائية، بل بوفرة التدفقات المائية، واستمرار تصريف كميات كبيرة من المياه التي تنساب في اتجاه المصب، إلى جانب أوجه القصور المزمنة في إدارة الموارد المائية.   وكان أبرز ما ميّز الدورة الهيدرولوجية لعام 2025 هو الفائض الكبير في توافر المياه خلال موسم الخريف، الممتد من أبريل إلى سبتمبر. ووفقاً لبيانات هيئة نظام نهر السند الباكستانية، بلغت التدفقات الفعلية نحو 122.36 مليون قدم-فدان، أي بزيادة تقارب 18% عن التدفقات المتوقعة البالغة نحو 104 مليون قدم-فدان لموسم الخريف لعام 2025.   كما ساهمت الأمطار الغزيرة التي شهدها حوض النهر في تقليل الطلب على مياه الري وتخفيف الضغط على حصص الأقاليم.   وتتناقض هذه البيانات بصورة جوهرية مع الادعاءات بوجود نقص حاد أو مفتعل في المياه.   وتتناقض رواية شح المياه بشكل أكثر وضوحاً مع الكميات الكبيرة التي تدفقت في نهاية المطاف عبر مدينة كوتري إلى بحر العرب. فقد بلغت كميات المياه المنصرفة بعد مدينة كوتري خلال موسم الخريف لعام 2025 حوالي 30.848 مليون قدم-فدان، أي بزيادة تقارب 71% عن متوسط السنوات الخمس الأخيرة البالغ 18.034 مليون قدم-فدان.   كما استمرت كميات كبيرة من المياه (نحو 3.6 مليون قدم-فدان) في التدفق إلى البحر حتى خلال موسم الربيع الذي يتسم بانخفاض التدفقات (أكتوبر إلى مارس).   ولو كان حوض النهر يواجه بالفعل نقصاً حاداً في المياه نتيجة تدخلات مزعومة عند المنبع، لما تُركت هذه الكميات الضخمة دون استغلال لتصب في البحر. بل وتشير البيانات إلى وجود قصور يتعلق بالبنية التحتية للتخزين، وإدارة الفيضان، وكفاءة توزيع المياه داخل مناطق المصب.   كما أن نظام عمل الخزانات خلال الفترة ذاتها يقوض الادعاءات بوجود أزمة هيدرولوجية مستمرة. فقد بدأ موسم الخريف، كما هو متوقع، بمستويات تخزين منخفضة نسبياً، وهي ظاهرة طبيعية إن لم تكن الخزانات مصممة لتخزين المياه بين المواسم.   وبعد ذلك، أدت زيادة التدفقات المائية والفيضانات إلى إعادة ملء الخزانات الرئيسية بسرعة. وبحلول سبتمبر 2025، ارتفعت مستويات التخزين إلى نحو 99% من السعة الإجمالية، الأمر الذي أنشأ موقفاً أكثر قوة من حيث توافر المياه لموسم الربيع 2025-2026.   وبالنسبة لموسم الخريف 2026، تبدو التوقعات مستقرة. فمن المتوقع أن تبلغ التدفقات عند محطات القياس الرئيسية نحو 103.3 مليون قدم-فدان، إلى جانب مخزون مرحّل يقدر بحوالي 2.3 مليون قدم-فدان، وهو أعلى من مستويات العام السابق والمتوسطات طويلة الأجل، بما يشير إلى أن حوض النهر يبدأ الدورة الجديدة بموقف مائي مريح نسبياً، وليس بأزمة.   وفي الوقت نفسه، فإن المحاولات الأخيرة التي قامت بها باكستان لتصوير التغيرات في تدفقات نهر تشيناب باعتبارها دليلاً على وجود تلاعب عند دول المنبع تتجاهل الحقائق الهيدرولوجية والممارسات التشغيلية المستقرة لمشروعات الطاقة الكهرومائية التي تعتمد على تدفق مياه النهر. فالتدفقات عند مواقع المصب، مثل محطة مارالا، تتأثر بطبيعتها بالأنماط الموسمية لذوبان الثلوج في جبال الهيمالايا.   كما أن التفاوت في معدلات تساقط الثلوج شتاءً، أو تأخر ذوبانها، أو انخفاض درجات الحرارة خلال الربيع، ينعكس بصورة طبيعية على معدلات التصريف في بداية الموسم. وتعد هذه التغيرات سمة اعتيادية للأنهار المتدفقة من جبال الهيمالايا، ولا يمكن اعتبارها، في حد ذاتها، دليلاً على وجود تدخل متعمد.    كما جرى مراراً توصيف آليات تشغيل مشروعات الطاقة الكهرومائية، مثل مشروع باجليهار للطاقة الكهرومائية، بصورة غير دقيقة.   فإدارة الخزانات في مشروعات الجريان النهري تستلزم بطبيعتها تغيرات في كميات المياه المصرفة وفقاً لعمليات إزالة الرواسب، ومتطلبات الصيانة، وتحسين إنتاج الكهرباء، واعتبارات السلامة الفنية، وبروتوكولات إدارة الفيضان. وتعد عملية إدارة الرواسب ذات أهمية خاصة في أنهار الهيمالايا التي تحمل كميات كبيرة من الطمي، ومن ثم فإن التعديلات التشغيلية المؤقتة أثناء عمليات إزالة الرواسب أو الصيانة تمثل جزءاً أصيلاً من تشغيل هذه المشروعات.   والأهم من ذلك أن مشروع باجليهار قد خضع بالفعل لتدقيق دولي موسع.   وقد لجأت باكستان نفسها إلى آليات تسوية المنازعات المنصوص عليها في معاهدة مياه نهر السند، مما أسفر عن تعيين خبير محايد وفقاً للمادة التاسعة والملحق (F) من المعاهدة.   وفي قراره الصادر عام 2007، أقر الخبير المحايد بصحة التصميم الأساسي للمشروع ومعاييره التشغيلية، ورفض معظم الاعتراضات المتعلقة بسعة التخزين وارتفاع السد.   وبذلك، تأكد توافق المشروع مع نصوص المعاهدة المنظمة لمشروعات الطاقة الكهرومائية القائمة على نظام الجريان النهري.   ولا يقل أهمية عن ذلك غياب أي دليل يثبت وقوع ضرر ملموس عند مناطق المصب نتيجة التقلبات المزعومة في التدفقات.   فقد استندت الادعاءات في معظمها إلى مواقف انتقائية، وملاحظات منفردة، وروايات إعلامية، بدلاً من التحليلات الهيدرولوجية الدقيقة لإثبات وجود علاقة سببية أو خسائر اقتصادية أو آثار زراعية قابلة للقياس.   ولم يتم تقديم أي دليل ملموس يربط بين التغيرات التشغيلية في المشروعات الواقعة عند المنبع وبين وجود مشكلات مستديمة عند مناطق المصب.   بالإضافة إلى ذلك، فإن الادعاءات بوجود تلاعب ذي دوافع سياسية تتجاهل حقيقة عملية مهمة، وهي أن أي تدخل متعمد في تشغيل محطات الطاقة الكهرومائية سيفرض تكاليف اقتصادية مباشرة على الجهة المشغلة نفسها في مناطق المنبع من خلال تقليل كفاءة إنتاج الكهرباء، فضلاً عن احتمال إلحاق أضرار طويلة الأجل بالمحطة.   فعلى سبيل المثال، قد تؤدي دورة واحدة لإزالة الرواسب خلال موسم الرياح الموسمية عند سد باجليهار إلى خسارة تقدر بنحو 150 مليون وحدة من إنتاج الكهرباء، وخسائر مماثلة في الإيرادات.   ولذلك، فإن عمليات إزالة الرواسب تُجرى لأسباب فنية بحتة تتعلق بالصيانة، ومن الصعب التوفيق بين الادعاءات بوجود تعطيل متعمد وبين قرارات تشغيلية تؤدي في الوقت نفسه إلى تقليل إنتاج الطاقة وإلحاق خسائر مالية بالمشغل.   وبالنظر إلى مجمل الأدلة، يتضح استنتاج واحد لا لبس فيه. فقد شهد حوض نهر السند خلال الفترة الأخيرة تدفقات مائية أعلى من المتوقع، وكميات كبيرة من المياه المتدفقة إلى المصب دون استغلال، وزيادة سريعة في مستويات التخزين داخل الخزانات، فضلاً عن توقعات مستقرة للفترة المقبلة.   كما أن التغيرات في تصريف الأنهار تظل ضمن الحدود الطبيعية للعمليات الهيدرولوجية وإجراءات تشغيل الخزانات المعتادة.   أما التحدي الحقيقي الذي يواجه حوض النهر، فلا يتمثل في الادعاءات غير المثبتة بشأن قطع المياه عند مناطق المنبع، وإنما في المشكلات الهيكلية التي لم يتم حسمها، مثل محدودية القدرة التخزينية، وتراكم الرواسب، وضعف كفاءة استخدام المياه، والقيود الواسعة المتعلقة بإدارة الموارد

اقرأ المزيد »
السياسة

الحقوق المائية: استعادة حصة الهند المشروعة

  بقلم: السيد أتول جاين، الرئيس الأسبق للجنة المركزية للمياه.   إن تأكيد دولة رئيس الوزراء الموقر في خطاب عيد الاستقلال العام الماضي بأن “الحقوق المائية هي حق أصيل للمزارعين الهنود” يمثل تحولاً حاسماً في نهج الهند تجاه مياه نهر السند. وهو لا يعد بأي حال من الأحوال خروجاً عن المسار، بل هو تصحيح طال انتظاره لضبط النفس التاريخي الذي أضر بالهند بشكل غير متناسب، في حين مكن من استمرار إساءة الاستخدام في المصب.   وهو يشير إلى أن الهند لن تسمح بعد الآن بترك حصتها المشروعة من المياه دون استغلال كافٍ وإهدارها في وقت يواجه فيه مزارعوها الندرة.   عندما تم توقيع معاهدة مياه السند في عام 1960، قدمت الهند، بصفتها دولة المنبع ، تنازلاً كبيراً بالموافقة على قصر نفسها على نحو 20% فقط من مياه نهر السند، وتخصيص الحصة الأكبر البالغة 80% لباكستان.   وقد عكس هذا القرار نية طيبة استثنائية؛ وكان الأمل معقوداً على أن تقابل هذه السخاوة بسلوك مسؤول وروح تعاونية. وبدلاً من ذلك، وعلى مدى العقود الماضية، لم يتم تبادل تلك الروح بالمثل قط.   يجب أيضاً قراءة تصريح دولة رئيس الوزراء الموقر في سياق الأعمال الإرهابية المتكررة العابرة للحدود المنطلقة من باكستان، والتي أفسدت الثقة. إن الواقع القائم منذ أمد بعيد، والمتمثل في العبارة القائلة بأن “الدم والماء لا يمكن أن يتدفقا معاً”، لم يعد مجرد بلاغة لفظية.   فقد أكدت حوادث مثل هجوم بولواما الإرهابي، إلى جانب هجمات أخرى في الوادي، بما في ذلك منطقة باهالجام، كيف يقوض العداء المستمر الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الترتيبات التعاونية مثل المعاهدة.   فلا يمكن لأي اتفاق، مهما كان محكم الصياغة، أن يظل بمنأى عن الانهيار الكامل للثقة.   على المستوى الهيكلي، تضمنت المعاهدة نفسها تباينات أصبحت غير مقبولة بشكل متزايد؛ إذ فرضت قيوداً كبيرة على استخدام الهند للمياه المخصصة لها، ومع ذلك لم تفرض أي التزام مماثل على باكستان لتبرير متطلباتها أو ضمان الاستغلال الفعال.   وينعكس هذا في عدم الكفاءة علي نطاق واسع ، والخسائر في نظم الري (المقدرة بنحو 47 مليون فدان قدم)، وعدم كفاية السعة التخزينية، وسوء إدارة المياه لديهم، مما يؤدي إلى تدفق كميات كبيرة من مياه السند (تصل إلى 35 مليون فدان قدم) إلى بحر العرب دون الاستفادة منها.   وفي غضون ذلك، تحملت الهند تكلفة ضبط النفس؛ حيث ظلت مناطق مثل راجستان وهاريانا تعاني من ندره المياه، وتقيدت إمكاناتها الزراعية على الرغم من توفر المياه التي يحق للهند استخدامها. وهذا الاختلال هو بالتحديد ما يسعى التصريح إلى تصحيحه.   ومن ثم، فإن “الحقوق المائية” تتعلق بالاستغلال المشروع وليس بالمنع. إن الهند تؤكد أن كل قطرة من نظام مياه نهر السند سيتم استخدامها الآن بشكل إنتاجي في الري، والطاقة الكهرومائية، والتنمية.   وتسلط المشاريع الهندية على الأنهار الغربية، بما في ذلك “باجليهار” و”سالال”، الضوء على بُعد آخر من أبعاد التحدي. فبمرور الوقت، أدت الترسبات (الطمى) إلى تقليص كفاءتها وقدرتها التخزينية.   وقد تأخرت عمليات جرف الرواسب، وهي ضرورية للحفاظ على سلامة السدود وأدائها، لسنوات بسبب اعتراضات لا أساس لها وعقبات إجرائية وضعتها باكستان. ولم تؤدِ الحاجة الملحة في نهاية المطاف لإزالة الرواسب المتراكمة إلا إلى زيادة تكلفة مثل هذه التأخيرات .   ستعطي الهند الأولوية للتدخلات التقنية الحديثة في الوقت المناسب مستقبلًا، دون أن تظل رهينة للتحركات السياسية المغرضة والمبالغ فيها والمقنعة في شكل خلافات تقنية.           الرسالة الأعم واضحة: أولاً، ستستغل الهند بالكامل حصتها المشروعة من المياه في المناطق التي تعاني من الفقر المائي. ثانياً، لن تقبل بعد الآن بإطار يستمر فيه عدم الكفاءة والهدر دون رادع في جانب واحد، في حين يتم السعي إلى فرض قيود مصطنعة وغير علمية على الجانب الآخر.   ثالثاً، ستؤكد استقلاليتها التقنية، بما يضمن المضي قدماً في إنشاء البنية التحتية وصيانتها بوتيرة سريعة، تماشياً مع الفكر العلمي الحالي وأفضل الممارسات الدولية.   هذا ليس تنصلاً من أي مبادئ عرفية؛ بل هو استجابة لتدمير الركائز التأسيسية للمعاهدة. فعندما تُنتهك الوعود التي تدعم المعاهدة بفعل العداء والإرهاب والمعلومات المضللة وإساءة الاستخدام، يصبح إعادة ضبط الأمور أمراً حتمياً.   لعقود من الزمن، مارست الهند ضبط النفس، حتى وإن كان ذلك على حساب تنميتها بشكل ملموس. والآن، تفسح تلك الحقبة المجال لحقبة من الوضوح والتوازن.   إن “الحقوق المائية” هي التزام طال انتظاره بأن مياه الهند ستخدم شعبها، ومزارعيها، ومستقبلها.   وبينما قد تحاول بعض المصالح الخاصة تصوير ذلك خطأً على أنه تهديد، فإنه ليس سوى تصحيح مسار ضروري في سياق متغير.  

اقرأ المزيد »
الاقتصاد

الهند وأفريقيا تؤجلان قمة نيودلهي.. شراكة استراتيجية تتجاوز التحديات الصحية نحو مستقبل جنوب–جنوب أكثر قوة

رندة رفعت في خطوة تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية بين الهند والقارة الأفريقية، أعلنت حكومة جمهورية الهند والاتحاد الأفريقي تأجيل انعقاد القمة الرابعة لمنتدى الهند–أفريقيا (IAFS IV)، التي كان من المقرر عقدها في نيودلهي خلال الفترة من 28 إلى 31 مايو 2026، وذلك عقب مشاورات رفيعة المستوى بشأن التطورات الصحية في بعض مناطق القارة الأفريقية.   وأكد البيان الصحفي المشترك الصادر في نيودلهي، اليوم الخميس، أن الجانبين أجريا مشاورات مكثفة حول الوضع الصحي المتطور في أفريقيا، مع التشديد على أهمية تعزيز قدرات الجاهزية والاستجابة الصحية العامة في مختلف أنحاء القارة، عبر دعم المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC) والمؤسسات الوطنية ذات الصلة.   وجددت الهند تضامنها الكامل مع شعوب وحكومات أفريقيا، مؤكدة استعدادها للمساهمة في الجهود التي يقودها المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض، بما يعكس التزام نيودلهي التاريخي بدعم الحلول الأفريقية بقيادة أفريقية، في إطار نهج التعاون جنوب–جنوب.   وأشار البيان إلى أن القرار جاء بعد مشاورات بين الحكومة الهندية ورئاسة الاتحاد الأفريقي ومفوضية الاتحاد الأفريقي، حيث تم الاتفاق على أن عقد القمة في موعد لاحق سيكون الخيار الأنسب لضمان المشاركة الكاملة والفعالة للقادة الأفارقة وكافة الأطراف المعنية.   وأوضح الجانبان أن المواعيد الجديدة لانعقاد القمة والاجتماعات المرتبطة بها سيتم تحديدها عبر مشاورات متبادلة، على أن يتم الإعلان عنها في الوقت المناسب.   ويحمل تأجيل القمة دلالات سياسية ودبلوماسية مهمة، إذ يؤكد حرص الهند والاتحاد الأفريقي على الحفاظ على الزخم الاستراتيجي للعلاقات الثنائية، وعدم اختزال المنتدى في مجرد حدث بروتوكولي، بل منصة شاملة لتعزيز التعاون في مجالات التنمية والاستثمار والصحة والتكنولوجيا والطاقة والأمن الغذائي.   كما أعادت الهند وأفريقيا التأكيد على شراكتهما التاريخية القائمة على التضامن والاحترام المتبادل والتنمية المشتركة، مع التمسك برؤية موحدة تدعم السلام والازدهار ورفاهية الشعوب في دول الجنوب العالمي.  

اقرأ المزيد »
السياسة

معاهدة مياه السند: كيف تحولت تنازلات الهند التاريخية إلى اختلال استراتيجي مزمن؟

  الجزء الأول: هيكل غير متوازن… عندما تحوّل حسن النية الهندي إلى التزامات أحادية   1. الخلفية التاريخية: تقسيم نهر… وتقاسم غير متكافئ للمياه   يتكوّن نظام نهر السند من ستة أنهار رئيسية هي: السند، وتشيناب، وجهلم، ورافي، وبياس، وسوتلج، وتشكل هذه الأنهار شريانًا حيويًا لملايين السكان في كلٍّ من الهند وباكستان، سواء في مجالات مياه الشرب أو الزراعة أو توليد الطاقة.   وعقب تقسيم الهند البريطانية عام 1947، انتقل نظام نهر السند إلى قلب التوازنات الجيوسياسية بين الدولتين الناشئتين. فقد احتفظت الهند، بصفتها دولة المنبع، بالسيطرة الجغرافية على منابع معظم الأنهار، بينما أصبحت المناطق الزراعية الأكثر اعتمادًا على المياه داخل باكستان مرتبطة باستمرار تدفقات المياه القادمة من الأراضي الهندية.   وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، كانت الهند تسعى إلى تحقيق أهدافها التنموية في البنجاب وراجستان، بالتوازي مع تثبيت الاستقرار الإقليمي وتأسيس علاقات مستقرة مع جارتها الغربية. ومن هذا المنطلق، وقّعت نيودلهي معاهدة مياه السند في 19 سبتمبر 1960 بوساطة من البنك الدولي، في خطوة وُصفت آنذاك بأنها من أكثر اتفاقيات تقاسم المياه سخاءً في التاريخ الحديث.   2. مسار المفاوضات: عندما دفعت الهند ثمن المرونة السياسية   2.1 المماطلة الباكستانية ومقترح البنك الدولي لعام 1954   اتسمت المفاوضات الخاصة بمعاهدة مياه السند منذ بدايتها بحالة واضحة من عدم التوازن بين المقاربة الهندية المرنة والنهج الباكستاني القائم على التشدد وإطالة أمد التفاوض، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على طبيعة التسوية النهائية.   ففي المقترح الأساسي الذي قدمه البنك الدولي في 5 فبراير 1954، طُرحت مجموعة من الالتزامات التي حمّلت الهند أعباءً كبيرة، من أبرزها:   التخلي عن عدد من المشروعات المخطط لها على المجاري العليا لنهرَي السند وتشيناب.   التنازل عن تحويل ما يقارب 6 ملايين قدم-فدان من مياه نهر تشيناب.   فرض قيود على استخدام مياه تشيناب في منطقة ميرالا.   الحد من أي تطوير مائي مرتبط بمنطقة كوتش ضمن إطار النظام النهري.   ورغم ضخامة هذه التنازلات، وافقت الهند على المقترح بصورة سريعة تعبيرًا عن رغبتها في الوصول إلى تسوية مستقرة ومستدامة. في المقابل، استغرقت باكستان ما يقرب من خمس سنوات لإعلان قبولها الرسمي للمقترح، حتى ديسمبر 1958.   وترى القراءة الهندية لمسار المفاوضات أن هذه السابقة أسست لنمط تفاوضي سمح لباكستان بتحقيق مكاسب إضافية عبر التعطيل والمماطلة، في الوقت الذي تحمّلت فيه الهند كلفة المرونة السياسية وحسن النية التفاوضية.   3. حجم التنازلات الهندية في معاهدة مياه السند   3.1 توزيع المياه: 80% من التدفقات لصالح باكستان   بموجب المعاهدة، حصلت الهند على حقوق الاستخدام الحصري للأنهار الشرقية الثلاثة: رافي وبياس وسوتلج، بينما خُصصت الأنهار الغربية الثلاثة — السند وتشيناب وجهلم — لصالح باكستان.   ورغم السماح للهند ببعض الاستخدامات المحدودة وغير الاستهلاكية على الأنهار الغربية، خاصة في مجال مشروعات الطاقة الكهرومائية بنظام “الجريان النهري”، فإن هذه الحقوق خضعت لقيود تشغيلية وفنية صارمة.   ومن حيث الحصص المائية، تحمل الأنهار الشرقية نحو 33 مليون قدم-فدان سنويًا، في حين تنقل الأنهار الغربية قرابة 135 مليون قدم-فدان، ما يعني عمليًا حصول باكستان على ما يقارب 80% من إجمالي موارد النظام النهري، مقابل 20% فقط للهند.   وتشير الرؤية الهندية إلى أن نيودلهي لم تحصل فعليًا على موارد إضافية بموجب الاتفاق، بل جرى فقط تثبيت استخدامها القائم للأنهار الشرقية، مقابل تخليها عن المطالبة بالاستفادة الكاملة من النظام الغربي الأكبر والأكثر غزارة.   3.2 التنازل المالي: الهند موّلت الاتفاق الذي قيّد حقوقها   من أكثر البنود إثارة للجدل في معاهدة مياه السند الجانب المالي المرتبط بتنفيذها، إذ وافقت الهند على دفع نحو 62 مليون جنيه إسترليني — ما يعادل حاليًا نحو 2.5 مليار دولار — للمساهمة في إنشاء بنية تحتية مائية لصالح باكستان.   ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها سابقة نادرة في اتفاقيات الأنهار الدولية، حيث قامت دولة المنبع، التي تنازلت بالفعل عن الحصة الأكبر من المياه، بتقديم دعم مالي إضافي للطرف الآخر من أجل تسهيل تنفيذ الاتفاق.   وبحسب التقييم الهندي، فقد أدى ذلك إلى ترسيخ معادلة غير متوازنة، جمعت بين التنازل المائي والالتزام المالي والقيود التشغيلية في آن واحد.   4. الخلل الهيكلي في المعاهدة   4.1 قيود أحادية على الهند دون التزامات مقابلة   تفرض معاهدة مياه السند مجموعة من القيود التفصيلية على استخدام الهند للأنهار الغربية داخل أراضيها، تشمل:   تحديد سقف لمساحات الأراضي الزراعية التي يمكن ريّها.   فرض قيود صارمة على قدرات تخزين المياه.   إلزام المشروعات الكهرومائية الهندية بمعايير تصميم وتشغيل محددة بدقة.   وترى الهند أن هذه القيود جاءت ذات طابع أحادي، إذ فُرضت على دولة المنبع دون وجود التزامات مقابلة تتعلق بالشفافية أو الضوابط الفنية على الجانب الباكستاني.   وبالتالي، تحولت المعاهدة — وفق هذا المنظور — إلى إطار يمنح باكستان تدفقات مائية مضمونة، بينما يفرض على الهند قيودًا ممتدة على استغلال موارد تقع داخل حدودها السيادية.

اقرأ المزيد »

مصر تشارك فى المؤتمر الدولي لمعدات السكك الحديدية فى الهند

استقبل السفير وائل حامد، سفير مصر لدى الهند، الوفد المصري رفيع المُستوى المشارك في النسخة الـ 14 للمعرض والمُؤتمر الدولي لمُعدات السكك الحديدية (IREE-2021) والذي يُعّد أكبر حدث للنقل بالسكك الحديدية في آسيا، حيثُ تم مناقشة الخطوات المُقبلة لتعزيز التعاون الثنائي بين القاهرة ونيودلهي في كافة المجالات ذات الصلة بقطاع النقل والمواصلات، لا سيما فيما يتعلق بتطوير وتحديث منظومتي السكك الحديدية في البلدين لتكون أكثر شمولية وأكثر رقمنة وأقل تلويثاً للبيئة، وبما يعود بالنفع على حياة المواطنين بالبلدين الصديقين من خلال تسهيل حركة نقل الأشخاص والبضائع. وأوضح السفير المصري أن الوفد المصري المشارك ضم كلاً من مُساعد وزير النقل لشئون السكك الحديدية والمترو، ونائب رئيس “الهيئة القومية لسكك حديد مصر” لقطاع السلامة وإدارة المخاطر، حيث قاما بزيارة المنصات الترويجية للعديد من الشركات الهندية والأجنبية المُشاركة في المعرض بهدف التعرف على سُبل التعاون لتطوير وتحديث شبكة السكك الحديدية في مصر، والتي أبدت بعضها بالفعل استعدادًا للتعاون في هذا المجال من خلال توطين الصناعة في مصر، لا سيما من خلال نقل التكنولوجيا والتصنيع المُشترك. وأشار السفير المصري إلى لقاء أعضاء الوفد المصري على هامش المشاركة في المعرض بعددٍ من المسئولين الهنود رفيعي المُستوى بوزارة السكك الحديدية الهندية و”المؤسسة الوطنية لتحويل الهند”، وذلك بهدف بحث سبل التعاون بين مصر والهند لتطوير قطاعي النقل والمواصلات ومنظومتي السكك الحديدية في البلدين، أخذاً في الاعتبار الخطط الطموحة التي وضعتها الحكومتان المصرية والهندية في هذا الصدد.

اقرأ المزيد »

اليوبيل الذهبى لبدء العلاقات الدبلوماسية بين بنجلادش والهند واليوبيل الذهبى لاستقلال بنجلادش

نيابة عن الدكتور خالد العناني وزير السياحة والآثار، شاركت الأستاذة غادة شلبى نائب الوزير لشئون السياحة في الاحتفال الذى أقامته سفارتي بنجلادش والهند بالقاهرة بمناسبة اليوبيل الذهبى لبدء العلاقات الدبلوماسية بين بنجلادش والهند واليوبيل الذهبى لاستقلال بنجلادش. وخلال الاحتفال ألقت نائب الوزير كلمة استهلتها بالتأكيد على العلاقات القوية التي تربط مصر وكلا البلدين في مجال السياحة والآثار، مشيرة الى ترحيب الوزارة بمزيد من التعاون مع البلدين لتبادل الخبرات في مجال السياحة. كما أوضحت أن مصر تتمتع بمقومات سياحية وأثرية متنوعة وهو ما يميزها عن غيرها من المقاصد السياحية الأخرى، مشيرة إلى الجهود التي تبذلها الوزارة لإبراز هذه المقومات المتنوعة والمتميزة للعالم. ومن جانبه، أشار السفير “أجيت جوبتى” سفير الهند في القاهرة إلى العلاقات الوثيقة التي تربط بين مصر والهند منذ عقود. كما تحدث السفير “مونيرول إسلام” سفير بنجلادش في القاهرة عن العلاقات المتميزة التي تربط بين مصر وبنجلادش والتي تقوم على القيم المشتركة والتعاون المتبادل في مختلف المجالات، مشيرا إلى أن مصر كانت من أوائل الدول العربية التي اعترفت بدولة بنجلادش وأن العلاقات بين البلدين ازدادت قوة على مدار السنوات الماضية.

اقرأ المزيد »

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

اخر الاخبار

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

error: Content is protected !!