250 عامًا على استقلال الولايات المتحدة.. حكاية صداقة عمرها أكثر من 170 عامًا جمعت القاهرة وواشنطن

رندة رفعت ليست كل العلاقات بين الدول تُقاس بعدد الاتفاقيات أو اللقاءات الرسمية، فبعضها يكتسب قيمته الحقيقية بمرور الزمن، وبالقدرة على الاستمرار رغم تغير الأجيال والظروف الدولية. وبين مصر والولايات المتحدة تمتد واحدة من أقدم العلاقات الدبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط، قصة بدأت قبل أكثر من 170 عامًا، وما زالت فصولها تُكتب حتى اليوم. وفي الرابع من يوليو 2026، تحتفل الولايات المتحدة بمرور 250 عامًا على إعلان الاستقلال، وهي مناسبة وطنية تحمل للأمريكيين معاني الهوية والحرية وبناء الدولة. لكنها تمثل أيضًا فرصة لاستعادة مسيرة طويلة من العلاقات التي ربطت واشنطن بالقاهرة، والتي تطورت عبر العقود لتشمل مجالات السياسة والاقتصاد والتعليم والثقافة والعلوم، إلى جانب التعاون في العديد من القضايا الإقليمية والدولية. لم تكن هذه العلاقة ثابتة على وتيرة واحدة، فقد شهدت محطات من التقارب والتحديات، إلا أن ما منحها الاستمرارية هو إدراك البلدين لأهمية الحوار، وقدرتهما على الحفاظ على جسور التواصل في عالم سريع التغير. وعلى امتداد هذه المسيرة، لم تقتصر العلاقات على الحكومات والمؤسسات الرسمية، بل امتدت إلى الجامعات ومراكز البحث والثقافة، وإلى آلاف الطلاب والباحثين ورواد الأعمال والفنانين الذين أسهموا في بناء جسور إنسانية بين الشعبين، لتصبح الدبلوماسية الشعبية أحد أهم روافد هذه العلاقة التاريخية. إن العلاقات المصرية الأمريكية ليست مجرد سجل من الزيارات الرسمية أو الاتفاقيات الثنائية، بل هي أيضًا حكايات لأشخاص ومبادرات ومشروعات تركت أثرها في حياة الملايين، ورسخت مفهوم الشراكة القائمة على تبادل الخبرات والمعرفة والانفتاح على المستقبل. واحتفاءً بمرور 250 عامًا على استقلال الولايات المتحدة، تنطلق رحلة توثيقية تستعيد صفحات من هذا التاريخ المشترك، من خلال صور نادرة ووثائق أصلية وقصص إنسانية تعكس كيف بدأت العلاقات بين البلدين، وكيف تطورت عبر أكثر من قرن ونصف، لتصبح واحدة من أكثر العلاقات تأثيرًا واستمرارية في المنطقة. وفي عالم يشهد تحولات متسارعة وتحديات غير مسبوقة، تظل العلاقات التي تقوم على الحوار والاحترام المتبادل والتفاهم بين الشعوب أكثر قدرة على البقاء والتطور. ومن هذا المنطلق، تمثل المناسبة فرصة ليس فقط للاحتفاء بتاريخ الولايات المتحدة، وإنما أيضًا للتأمل في قيمة العلاقات الممتدة التي استطاعت أن تتجاوز الزمن، وأن تواصل بناء آفاق جديدة للتعاون بين مصر والولايات المتحدة. فالسنوات لا تُقاس بعددها فحسب، بل بما تتركه من أثر. وبعد مرور 250 عامًا على استقلال الولايات المتحدة، وأكثر من 170 عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وواشنطن، تبقى هذه المسيرة شاهدًا على أن الصداقة بين الشعوب، عندما تُبنى على الاحترام والتعاون والثقة، تصبح أكثر رسوخًا من تقلبات السياسة، وأكثر قدرة على صناعة المستقبل.
الأوكتاجون يتصدر المشهد.. الرئيس السيسي يفتتح القيادة الاستراتيجية للدولة ويعلن رؤية مصر للمرحلة المقبلة

رندة رفعت افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، مساء اليوم، “الأوكتاجون”، مقر القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الإدارية الجديدة، في احتفالية رسمية وعسكرية عكست مرحلة جديدة في تطوير منظومة الأمن القومي المصري، وتعزيز قدرات الدولة في مجالات القيادة والسيطرة وإدارة الأزمات، وذلك بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو. وكان في استقبال الرئيس السيسي لدى وصوله إلى مقر القيادة الاستراتيجية الفريق أشرف سالم زاهر، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، والفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، إلى جانب قادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة، حيث رافقت موكب الرئيس تشكيلات من الدراجات البخارية والخيالة، فيما عزفت الموسيقى العسكرية وأطلقت المدفعية طلقات التحية، بمشاركة جوية لطائرات الأباتشي في مشهد عسكري عكس أهمية المناسبة. وشهد الرئيس السيسي مراسم توقيع وثيقة افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة، وإعطاء إشارة رفع العلم فوق مقرها، قبل متابعة عروض عسكرية وجوية وفيلم تسجيلي استعرض الإمكانات التكنولوجية المتقدمة التي تتمتع بها القيادة الجديدة، والتي تمثل نقلة نوعية في منظومة القيادة والسيطرة وإدارة العمليات على المستويين العسكري والاستراتيجي. وأكد الرئيس السيسي، في كلمته خلال الاحتفال، أن القيادة الاستراتيجية للدولة تمثل أحد أهم مرتكزات الجمهورية الجديدة، لما تمتلكه من بنية تكنولوجية متطورة وأنظمة اتصالات مؤمنة وقدرات متقدمة على جمع المعلومات وتحليلها وربط مختلف مستويات اتخاذ القرار، بما يعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات والظروف الاستثنائية بكفاءة وسرعة. وأوضح الرئيس السيسي أن اختيار العاصمة الإدارية الجديدة مقرًا لهذا الصرح الاستراتيجي لم يكن مصادفة، بل جاء انطلاقًا من رؤية تستهدف بناء مؤسسات حديثة قادرة على ضمان استمرارية عمل الدولة وحماية أمنها القومي، مؤكدًا أن التجربة التي مرت بها مصر منذ عام 2011 أثبتت أهمية إنشاء بنية مؤسسية متطورة تمنع تكرار أي محاولات للتأثير على مؤسسات الدولة أو تعطيل عملها. وربط الرئيس السيسي افتتاح الأوكتاجون بالذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو، مؤكدًا أن الثورة مثلت نقطة تحول فارقة في الحفاظ على الدولة المصرية واستعادة مؤسساتها، ومشيدًا بدور الشعب المصري والقوات المسلحة والشرطة في مواجهة الإرهاب والتطرف وصون مقدرات الوطن. وعلى الصعيد الإقليمي، جدد الرئيس السيسي تأكيد موقف مصر الداعم لتحقيق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط، مشددًا على أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية تمثل الأساس الحقيقي لتحقيق الأمن والاستقرار، كما دعا إلى دعم اتفاقات وقف إطلاق النار ومنع أي محاولات لإفشالها، مؤكدًا استمرار الدور المصري في دعم الحلول السياسية وتسوية النزاعات. كما أعلن الرئيس السيسي حزمة من التوجيهات للحكومة، تضمنت إعداد برنامج اقتصادي وطني جديد عقب انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، وتسريع تمكين القطاع الخاص، والاستعداد لإجراء انتخابات المجالس المحلية، وتطوير الإعلام والحياة الحزبية، وخفض الأعباء المعيشية، وتعزيز مكافحة الفساد، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، وإعادة هيكلة جهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة لدعم الإنتاج والتشغيل. وكشف الرئيس السيسي عن اقتراب تنفيذ مرحلة جديدة من مشروع محطة الضبعة النووية، بتركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الثانية، مؤكدًا أن المشروع يمثل أحد أبرز نماذج الشراكة الاستراتيجية بين مصر وروسيا، وسيسهم في تعزيز أمن الطاقة ودعم جهود التنمية المستدامة. وفي ختام الاحتفال، تفقد الرئيس السيسي مركز عمليات القوات المسلحة داخل القيادة الاستراتيجية، واستمع إلى شرح حول منظومة إدارة العمليات وجاهزية القوات، كما شهد عروضًا عسكرية وفنية، شملت عروضًا للطائرات المسيّرة رسمت في سماء العاصمة الإدارية عبارة «تحيا شعوب العالم المحبة للسلام»، في رسالة أكدت تمسك مصر بخيار السلام بالتوازي مع امتلاكها عناصر القوة والردع. واختتم الرئيس السيسي كلمته بالتأكيد على مواصلة مسيرة البناء والتنمية، داعيًا إلى تعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين، والعمل بإخلاص من أجل مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، وموجهًا التحية إلى القوات المسلحة والشرطة المدنية وشهداء الوطن، قبل أن يردد: «تحيا مصر… تحيا مصر… تحيا مصر».
السفير عبدالمطلب ثابت يهنئ جمهورية مصر العربية بافتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية

تقدم سعادة السفير عبدالمطلب ثابت، مندوب دولة ليبيا الدائم لدى جامعة الدول العربية والمكلف بتسيير أعمال السفارة الليبية في جمهورية مصر العربية، بأصدق التهاني والتبريكات إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وإلى الحكومة والشعب المصري الشقيق، بمناسبة الافتتاح الرسمي لمقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية، والذي يُعد إنجازًا وطنيًا واستراتيجيًا يعكس ما تشهده جمهورية مصر العربية من تطور متواصل في بناء مؤسساتها وتعزيز قدراتها الوطنية. وأكد السفير عبدالمطلب ثابت أن هذا الصرح الاستراتيجي يجسد رؤية مصر المستقبلية في تطوير منظومة القيادة والسيطرة ورفع كفاءة مؤسسات الدولة، بما يعزز من قدرتها على مواجهة مختلف التحديات، ويكرس مكانتها الإقليمية والدولية. وأشاد بالعلاقات الأخوية والتاريخية الراسخة التي تجمع دولة ليبيا وجمهورية مصر العربية، معربًا عن تمنياته لمصر الشقيقة بدوام الأمن والاستقرار، ولقيادتها وشعبها بمزيد من التقدم والازدهار، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة وخدمة المصالح المشتركة بين البلدين الشقيقين.
“تمحيص حقائق وأكاذيب وأساطير معاهدة مياه نهر السند”

(وجهة نظر هندية – رد على رسالة العميد (متقاعد) الدكتور راشد والي جنجوا المنشورة في صحيفة “داون” بتاريخ 9 أبريل 2026) تعاني رسالة العميد (متقاعد) الدكتور راشد والي جنجوا من ذات الانتقائية في استحضار الوقائع التي يتهم بها الهند. ويكشف استعراض موضوعي وغير متحيز للحقائق أن عدداً من أطروحاته لا تقدم الصورة التاريخية الكاملة وتفتقر إلى الدقة القانونية. ويستشهد الكاتب بإغلاق قناتي سنترال باري دوآب وديبالبور عام 1948 باعتباره دليلاً على النوايا العدائية للهند، لكنه يغفل السياق الأساسي للموضوع، وهو أن هاتين القناتين كانتا تستمدان مياههما من منشآت التحكم الواقعة بالكامل داخل الأراضي الهندية عقب التقسيم، وأن وقف تدفق المياه جاء في خضم عملية شديدة التعقيد لتقسيم الهند. وقد تمت تسوية هذه المسألة سريعاً من خلال اتفاقية أبرمت بين الدولتينInter-Dominion Agreement تم توقيعها في 4 مايو 1948. وفي هذه الاتفاقية، أقرت باكستان نفسها بالحقوق السيادية للهند على منشآت التحكم، ووافقت على دفع رسوم الامتياز مقابل استمرار استخدام المياه. ولا تعد هذه الواقعة دليلاً على سوء نية، بل على حرص الهند على تسوية جميع القضايا بروح ودية. ويؤكد الكاتب أن معاهدة مياه نهر السند قد خدمت المصالح المائية لباكستان على نحو جيد، لكنه يتهم الهند، في الوقت ذاته وعلى نحو متناقض، بـ”المحاولات المستمرة للاستيلاء” على مياه باكستان. والحقيقة أن معاهدة مياه نهر السند لعام 1960، التي وُقعت بعد ما يقرب من عقد كامل من المفاوضات، تُعد من أكثر المعاهدات سخاءً في العالم بشأن تقاسم المياه العابرة للحدود، من منظور دولة المصب. فلم تكتفِ الهند بالتخلي عن حقوقها في نحو 80% من إجمالي مياه نظام نهر السند، بل دفعت أيضاً ما يقارب 62 مليون جنيه إسترليني (أي ما يعادل نحو 227.5 مليار روبية هندية بالقيمة الحالية) كتعويض لتمويل مشروعات الإحلال في كشمير المحتلة من جانب باكستان، وذلك لضمان استخدام مياه تمتلكها هي أصلاً. ولا يوجد في التاريخ الحديث لمعاهدات المياه ما يماثل هذا القدر من التنازل من جانب دولة المنبع. ويشير جنجوا بحق إلى أن الهند لا يُسمح لها سوى بتخزين تراكمي يبلغ 3.6 مليون قدم-فدان على الأنهار الغربية، وأن مشروعات الطاقة الكهرومائية من نوع الجريان النهري يجب ألا تؤثر في نظام تدفق المياه إلى المصب. وهذا هو موقف الهند أيضاً. غير أن جوهر الخلاف يتمثل في تفسير باكستان لمفهوم “تغيير نظام التدفق إلى المصب”. فقد دأبت باكستان على استخدام هذا التفسير للاعتراض على كل المشروعات الكهرومائية التي سعت الهند إلى إنشائها على الأنهار الغربية، بغض النظر عن حجم المشروع أو تصميمه. ولهذا النمط دلالة واضحة. فقد اعترضت باكستان على مشروع أوري 2 رغم أنه لا يتضمن أي سعة تخزينية. كما اعترضت على مشروع “كالناي السفلى” رغم أن الفارق بين السعة التخزينية التي صممتها الهند وتلك التي احتسبتها باكستان لا يتجاوز كسوراً عشرية ضئيلة. وفي كلتا الحالتين، كان الأساس الواقعي للاعتراض ضئيلاً إلى حد يجعله أقرب إلى ذريعة فنية منه إلى اعتراض جوهري. كما أثارت باكستان اعتراضات على مشروعي كيشانجانجا وراتلي للطاقة الكهرومائية، وهما مشروعان من نوع الجريان النهري يتمتعان بالمشروعية ومتوافقان بالكامل مع أحكام المعاهدة، حيث طلبت من البنك الدولي تعيين محكمة تحكيم، متجاوزة بذلك آلية الخبير المحايد المنصوص عليها في المعاهدة. ولا يعد اعتراض الهند على إجراءات التحكيم محاولة للتنصل من المساءلة، بل يستند إلى موقف مبدئي مفاده أن آليات تسوية المنازعات المنصوص عليها في المعاهدة يجب استنفادها بالكامل قبل اللجوء إلى التحكيم، وفقاً لما تنص عليه المادة التاسعة من المعاهدة ذاتها. ومن ثم، فإن لجوء باكستان من جانب واحد إلى محكمة التحكيم، متجاوزة التدرج الإجرائي لتسوية المنازعات، يُعد في حد ذاته إخلالاً بالتزاماتها بموجب المعاهدة. وفي يناير 2023، وجهت الهند إخطاراً بطلب تعديل معاهدة مياه نهر السند استناداً إلى المادة الثانية عشرة (الفقرة 3)، مشيرة إلى أن العرقلة المستمرة من جانب باكستان لآليات المعاهدة، ولجوئها الأحادي إلى التحكيم الدولي، يشكلان سلوكاً لا يتوافق مع روح المعاهدة. ولا يمثل هذا الإجراء إلغاءً للمعاهدة من طرف واحد، وإنما آلية قانونية متاحة. فالمعاهدة باتت تتطلب مفاوضات جديدة بما يعكس ستة عقود من المتغيرات، بما في ذلك التطورات التقنية، واحتياجات الهند التنموية على الأنهار الغربية، فضلاً عن استخدام باكستان لآليات تسوية المنازعات بسوء نية. ومن ثم، فإن الهند تمارس حقاً تكفله المعاهدة، ولا تنتهك أحكامها. أما المقارنات التي وردت مع حالة مصر وإثيوبيا وحالة سوريا والعراق، فإنها في الواقع تضعف حجة جنجوا بدلاً من أن تدعمها. ففي كلتا الحالتين لا توجد معاهدات ثنائية ملزمة قانوناً، وهو ما يضعف موقف دول المصب في هاتين الحالتين. أما باكستان، فقد كانت تتمتع بمعاهدة مفصلة وملزمة قانوناً مع الهند، غير أنها أساءت استخدامها كأداة سياسية بدلاً من توظيفها لتحقيق أهداف التنمية. إن أي تعليق مسؤول على معاهدة بهذه الدرجة من التعقيد ينبغي أن يرتقي فوق سرديات “المعتدي والضحية”. فقد صمدت معاهدة مياه نهر السند لأكثر من ستة عقود بفضل النهج السخي الذي اتبعته الهند. وتعكس المخاوف الهندية إدراكاً مشروعاً لتغير الظروف حيث أن المعاهدة لا يمكن استخدامها للأبد كأداة سياسية لعرقلة استفادة الهند المشروعة من مياه أنهارها. كما أن الخطاب التصعيدي الذي تتبناه باكستان يكشف بوضوح عن نواياها، ويبرر الموقف الذي تتبناه الهند. كاتب المقال: مفوض الهند السابق لشؤون مياه نهر السند
تفنيد الادعاءات وإبراز الحقائق: إعادة قراءة قضية مياه حوض نهر السند

بقلم: السيد/ أتول جاين الرئيس السابق للجنة المركزية للمياه إن الادعاءات الأخيرة الصادرة عن باكستان، والتي تصور وجود أزمة مائية وشيكة في حوض نهر السند وتعزو التغيرات في تدفقات النهر إلى إجراءات اتخذتها دول المنبع، لا تصمد عند إخضاعها للفحص عند مقارنتها بالبيانات الهيدرولوجية الواردة من باكستان ذاتها، وسجلات الخزانات، والبيانات التشغيلية الواقعية. ويكشف الفحص الدقيق للأدلة عن صورة مختلفة تماماً، صورة لا تتسم بالندرة المائية، بل بوفرة التدفقات المائية، واستمرار تصريف كميات كبيرة من المياه التي تنساب في اتجاه المصب، إلى جانب أوجه القصور المزمنة في إدارة الموارد المائية. وكان أبرز ما ميّز الدورة الهيدرولوجية لعام 2025 هو الفائض الكبير في توافر المياه خلال موسم الخريف، الممتد من أبريل إلى سبتمبر. ووفقاً لبيانات هيئة نظام نهر السند الباكستانية، بلغت التدفقات الفعلية نحو 122.36 مليون قدم-فدان، أي بزيادة تقارب 18% عن التدفقات المتوقعة البالغة نحو 104 مليون قدم-فدان لموسم الخريف لعام 2025. كما ساهمت الأمطار الغزيرة التي شهدها حوض النهر في تقليل الطلب على مياه الري وتخفيف الضغط على حصص الأقاليم. وتتناقض هذه البيانات بصورة جوهرية مع الادعاءات بوجود نقص حاد أو مفتعل في المياه. وتتناقض رواية شح المياه بشكل أكثر وضوحاً مع الكميات الكبيرة التي تدفقت في نهاية المطاف عبر مدينة كوتري إلى بحر العرب. فقد بلغت كميات المياه المنصرفة بعد مدينة كوتري خلال موسم الخريف لعام 2025 حوالي 30.848 مليون قدم-فدان، أي بزيادة تقارب 71% عن متوسط السنوات الخمس الأخيرة البالغ 18.034 مليون قدم-فدان. كما استمرت كميات كبيرة من المياه (نحو 3.6 مليون قدم-فدان) في التدفق إلى البحر حتى خلال موسم الربيع الذي يتسم بانخفاض التدفقات (أكتوبر إلى مارس). ولو كان حوض النهر يواجه بالفعل نقصاً حاداً في المياه نتيجة تدخلات مزعومة عند المنبع، لما تُركت هذه الكميات الضخمة دون استغلال لتصب في البحر. بل وتشير البيانات إلى وجود قصور يتعلق بالبنية التحتية للتخزين، وإدارة الفيضان، وكفاءة توزيع المياه داخل مناطق المصب. كما أن نظام عمل الخزانات خلال الفترة ذاتها يقوض الادعاءات بوجود أزمة هيدرولوجية مستمرة. فقد بدأ موسم الخريف، كما هو متوقع، بمستويات تخزين منخفضة نسبياً، وهي ظاهرة طبيعية إن لم تكن الخزانات مصممة لتخزين المياه بين المواسم. وبعد ذلك، أدت زيادة التدفقات المائية والفيضانات إلى إعادة ملء الخزانات الرئيسية بسرعة. وبحلول سبتمبر 2025، ارتفعت مستويات التخزين إلى نحو 99% من السعة الإجمالية، الأمر الذي أنشأ موقفاً أكثر قوة من حيث توافر المياه لموسم الربيع 2025-2026. وبالنسبة لموسم الخريف 2026، تبدو التوقعات مستقرة. فمن المتوقع أن تبلغ التدفقات عند محطات القياس الرئيسية نحو 103.3 مليون قدم-فدان، إلى جانب مخزون مرحّل يقدر بحوالي 2.3 مليون قدم-فدان، وهو أعلى من مستويات العام السابق والمتوسطات طويلة الأجل، بما يشير إلى أن حوض النهر يبدأ الدورة الجديدة بموقف مائي مريح نسبياً، وليس بأزمة. وفي الوقت نفسه، فإن المحاولات الأخيرة التي قامت بها باكستان لتصوير التغيرات في تدفقات نهر تشيناب باعتبارها دليلاً على وجود تلاعب عند دول المنبع تتجاهل الحقائق الهيدرولوجية والممارسات التشغيلية المستقرة لمشروعات الطاقة الكهرومائية التي تعتمد على تدفق مياه النهر. فالتدفقات عند مواقع المصب، مثل محطة مارالا، تتأثر بطبيعتها بالأنماط الموسمية لذوبان الثلوج في جبال الهيمالايا. كما أن التفاوت في معدلات تساقط الثلوج شتاءً، أو تأخر ذوبانها، أو انخفاض درجات الحرارة خلال الربيع، ينعكس بصورة طبيعية على معدلات التصريف في بداية الموسم. وتعد هذه التغيرات سمة اعتيادية للأنهار المتدفقة من جبال الهيمالايا، ولا يمكن اعتبارها، في حد ذاتها، دليلاً على وجود تدخل متعمد. كما جرى مراراً توصيف آليات تشغيل مشروعات الطاقة الكهرومائية، مثل مشروع باجليهار للطاقة الكهرومائية، بصورة غير دقيقة. فإدارة الخزانات في مشروعات الجريان النهري تستلزم بطبيعتها تغيرات في كميات المياه المصرفة وفقاً لعمليات إزالة الرواسب، ومتطلبات الصيانة، وتحسين إنتاج الكهرباء، واعتبارات السلامة الفنية، وبروتوكولات إدارة الفيضان. وتعد عملية إدارة الرواسب ذات أهمية خاصة في أنهار الهيمالايا التي تحمل كميات كبيرة من الطمي، ومن ثم فإن التعديلات التشغيلية المؤقتة أثناء عمليات إزالة الرواسب أو الصيانة تمثل جزءاً أصيلاً من تشغيل هذه المشروعات. والأهم من ذلك أن مشروع باجليهار قد خضع بالفعل لتدقيق دولي موسع. وقد لجأت باكستان نفسها إلى آليات تسوية المنازعات المنصوص عليها في معاهدة مياه نهر السند، مما أسفر عن تعيين خبير محايد وفقاً للمادة التاسعة والملحق (F) من المعاهدة. وفي قراره الصادر عام 2007، أقر الخبير المحايد بصحة التصميم الأساسي للمشروع ومعاييره التشغيلية، ورفض معظم الاعتراضات المتعلقة بسعة التخزين وارتفاع السد. وبذلك، تأكد توافق المشروع مع نصوص المعاهدة المنظمة لمشروعات الطاقة الكهرومائية القائمة على نظام الجريان النهري. ولا يقل أهمية عن ذلك غياب أي دليل يثبت وقوع ضرر ملموس عند مناطق المصب نتيجة التقلبات المزعومة في التدفقات. فقد استندت الادعاءات في معظمها إلى مواقف انتقائية، وملاحظات منفردة، وروايات إعلامية، بدلاً من التحليلات الهيدرولوجية الدقيقة لإثبات وجود علاقة سببية أو خسائر اقتصادية أو آثار زراعية قابلة للقياس. ولم يتم تقديم أي دليل ملموس يربط بين التغيرات التشغيلية في المشروعات الواقعة عند المنبع وبين وجود مشكلات مستديمة عند مناطق المصب. بالإضافة إلى ذلك، فإن الادعاءات بوجود تلاعب ذي دوافع سياسية تتجاهل حقيقة عملية مهمة، وهي أن أي تدخل متعمد في تشغيل محطات الطاقة الكهرومائية سيفرض تكاليف اقتصادية مباشرة على الجهة المشغلة نفسها في مناطق المنبع من خلال تقليل كفاءة إنتاج الكهرباء، فضلاً عن احتمال إلحاق أضرار طويلة الأجل بالمحطة. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي دورة واحدة لإزالة الرواسب خلال موسم الرياح الموسمية عند سد باجليهار إلى خسارة تقدر بنحو 150 مليون وحدة من إنتاج الكهرباء، وخسائر مماثلة في الإيرادات. ولذلك، فإن عمليات إزالة الرواسب تُجرى لأسباب فنية بحتة تتعلق بالصيانة، ومن الصعب التوفيق بين الادعاءات بوجود تعطيل متعمد وبين قرارات تشغيلية تؤدي في الوقت نفسه إلى تقليل إنتاج الطاقة وإلحاق خسائر مالية بالمشغل. وبالنظر إلى مجمل الأدلة، يتضح استنتاج واحد لا لبس فيه. فقد شهد حوض نهر السند خلال الفترة الأخيرة تدفقات مائية أعلى من المتوقع، وكميات كبيرة من المياه المتدفقة إلى المصب دون استغلال، وزيادة سريعة في مستويات التخزين داخل الخزانات، فضلاً عن توقعات مستقرة للفترة المقبلة. كما أن التغيرات في تصريف الأنهار تظل ضمن الحدود الطبيعية للعمليات الهيدرولوجية وإجراءات تشغيل الخزانات المعتادة. أما التحدي الحقيقي الذي يواجه حوض النهر، فلا يتمثل في الادعاءات غير المثبتة بشأن قطع المياه عند مناطق المنبع، وإنما في المشكلات الهيكلية التي لم يتم حسمها، مثل محدودية القدرة التخزينية، وتراكم الرواسب، وضعف كفاءة استخدام المياه، والقيود الواسعة المتعلقة بإدارة الموارد
معاهدة مياه نهر السند: تحليل قانوني مع إشارة خاصة إلى آلية تسوية المنازعات

نظام مياه نهر السند يبلغ طول نهر السند حوالي 1800 ميل. أما روافده الغربية (كابول، وكُرَّم) فيزيد طولها على 700 ميل، في حين يبلغ مجموع أطوال روافده الشرقية (جيلوم، وتشيناب، ورافي، وبياس، وستلج) أكثر من 2800 ميل. ويغطي حوض النهر مساحة تبلغ 450 ألف ميل مربع، ويُعد من أكبر أحواض الأنهار في العالم. ويقع معظم الحوض داخل الهند وباكستان، وقد أسهم في تشكيل تاريخ وثقافة ونظام البيئة في منطقة جنوب آسيا. نبذة موجزة عن المفاوضات 2- أدى تقسيم الهند في أغسطس 1947 إلى نشوء نزاع حول مياه نهر السند، الأمر الذي استلزم في نهاية المطاف إجراء مفاوضات للتوصل إلى تسوية متفق عليها. وكانت “اتفاقية ما بين الدولتين” التي تم توقيعها في 4 مايو 1948 (اتفاقية دلهي) أول آلية لتنظيم استخدام المياه بين البلدين. وبينما أقرت الاتفاقية بوجود نزاع بشأن إمدادات المياه، فقد نصت على أن “حقوق الملكية” لا تخول إقليم البنجاب الغربي المطالبة بأي حصة من مياه إقليم البنجاب الشرقي. وقد قامت باكستان لاحقاً بإلغاء الاتفاقية في 23 أغسطس 1950. 3- وفي أوائل عام 1951، اقترح ديفيد ليلينثال، الرئيس السابق لهيئة وادي تينيسي، أن تقوم الهند وباكستان بتطوير نظام حوض السند بصورة مشتركة، بالاستعانة بالمساعي الحميدة للبنك الدولي. وعلى إثر ذلك، وجه رئيس البنك الدولي آنذاك، يوجين بلاك، في 6 سبتمبر 1951 رسالة إلى رئيسي وزراء البلدين يقترح فيها ذلك، وهو الاقتراح الذي وافق عليه الطرفان. كما اقترح بلاك تشكيل فريق عمل يضم مهندسين من الهند وباكستان والبنك الدولي. وشهدت المفاوضات تقلبات حادة، وكادت تنهار في بعض مراحلها، غير أن إصرار البنك الدولي حافظ على استمرارها إلى أن تم توقيع المعاهدة في عام 1960. المعاهدة وبنيتها القانونية 4- وُقعت معاهدة مياه نهر السند في 19 سبتمبر 1960 في كراتشي، ودخلت حيز النفاذ في 12 يناير 1961، بأثر رجعي اعتباراً من “تاريخ السريان”، وهو 1 أبريل 1960. وتتألف المعاهدة من 79 فقرة موزعة على 12 مادة، وتضم ثمانية ملاحق. وبينما لا تشير الديباجة إلا إلى المفوضين المخولين بالتوقيع عن الهند وباكستان، فقد وقع و. أ. ب. إيليف نيابة عن البنك الدولي، الذي يعد طرفاً في المعاهدة فقط فيما يتعلق بالأغراض المحددة في المادتين الخامسة والعاشرة، والملاحق (و)، و(ز)، و(ح). 5- وتنص المعاهدة على أنه لا يجوز تفسير أي نص فيها على أنه يؤسس لمبدأ قانوني عام أو يشكل سابقة قانونية، وقد أُدرجت الإشارة إلى السوابق القانونية لتفادي الاستناد إلى حجج تقوم على حقوق التقادم أو الارتفاق. وتخصص المعاهدة الأنهار الشرقية (رافي، وبياس، وستلج) للهند، والأنهار الغربية (السند، وجيلوم، وتشيناب) لباكستان، وذلك مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها. الأهداف 6- تحدد ديباجة المعاهدة أهدافها على النحو التالي: “إن حكومة الهند وحكومة باكستان، إذ تحدوهما الرغبة في تحقيق أكمل وأفضل استخدام ممكن لمياه نظام أنهار السند، وإذ تدركان ضرورة تحديد وترسيم، بروح من حسن النية والصداقة، حقوق والتزامات كل منهما تجاه الأخرى فيما يتعلق باستخدام هذه المياه، ووضع الترتيبات اللازمة لتسوية جميع المسائل التي قد تنشأ مستقبلاً بشأن تفسير أو تطبيق الأحكام المتفق عليها في هذه المعاهدة، بروح من التعاون، فقد عقدتا العزم على إبرام هذه المعاهدة تحقيقاً لهذه الأهداف”. آلية تسوية المنازعات 7- تحت عنوان “تسوية الخلافات والمنازعات”، تعهد المعاهدة إلى اللجنة الدائمة لنهر السند، التي تضم ممثلين عن البلدين، بدور في تسوية المسائل المختلفة، ولا سيما المسائل ذات الطابع الإداري والاستشاري. 8- وتُعد المادة التاسعة هي المادة المحورية في إطار تسوية المنازعات، إذ تميز بوضوح بين “المسألة” و”الخلاف” و”النزاع”. فأي مسألة تُعرض أولاً على اللجنة. وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، يُعتبر أن “خلافاً” قد نشأ، ويُحال إلى خبير محايد. أما الخلاف فلا يعتبر “نزاعاً” إلا إذا كان خارج نطاق الفقرة 2 (أ) من المادة التاسعة، أو إذا أبلغ الخبير المحايد اللجنة بذلك. 9- تتمتع اللجنة بسلطة تقديرية في تقرير ما إذا كان ينبغي التعامل مع أي خلاف من خلال خبير محايد أو اعتباره نزاعاً، ولا يصدر هذا القرار إلا باتفاق داخل اللجنة. وعند نشوء نزاع، ترفع اللجنة تقريراً إلى حكومتي البلدين، ويجوز لأي منهما دعوة الأخرى إلى تسويته بالاتفاق، كما يمكن الاستعانة بوسطاء. ولا يجوز إنشاء هيئة تحكيم إلا باتفاق الطرفين، أو عند إخفاق المفاوضات أو الوساطة في حل النزاع. الشروط المسبقة لإنشاء هيئة تحكيم 10- تكتسب العبارة الافتتاحية للملحق (ز) الخاص بـ (هيئة التحكيم) أهمية بالغة، إذ تنص على ما يلي: “إذا اقتضت الضرورة إنشاء هيئة تحكيم بموجب أحكام المادة التاسعة، تسري أحكام هذا الملحق.” وتفيد عبارة “إذا اقتضت الضرورة” أن هذه المرحلة لا تتحقق إلا بعد استيفاء شروط مسبقة معينة؛ فلا يجوز إحالة أي مسألة إلى هيئة تحكيم بمجرد رغبة أي من الطرفين. ولا ينشأ النزاع إلا إذا اتفق المفوضان على اعتباره كذلك، أو إذا أبلغ الخبير المحايد اللجنة بذلك، وعندئذ فقط، وبعد استنفاد المفاوضات والوساطة، يمكن أن تقتضي الضرورة اللجوء إلى التحكيم. 11- ويبرز هنا اختلاف جوهري في طريقة التعامل بين “الخلاف” و”النزاع”. ففي حين يجوز لأي من المفوضين، بصورة أحادية، المبادرة بإحالة الخلاف إلى خبير محايد، لا يوجد حكم مماثل يجيز لأي منهما اعتبار الخلاف نزاعاً بصورة أحادية. إذ يتعين أن يكون ذلك بقرار من اللجنة وباتفاق المفوضين معاً. ومن ثم، لا يجوز بأي حال الشروع بصورة أحادية في إجراءات إنشاء هيئة التحكيم. فالمعاهدات الثنائية تقوم عادة على مبدأ التقرير المشترك، وهو ما ينطبق أيضاً على معاهدة مياه نهر السند. أثر الشروع في اتخاذ إجراءات أحادية، ومخالفة أحكام المعاهدة، والخيارات المتاحة للطرف الآخر 12- إذا لم يكن النزاع قد نشأ وفقاً لأحكام المعاهدة، فإن اتخاذ أي من الطرفين قراراً أحادياً بالشروع في إجراءات إنشاء هيئة تحكيم قد يشكل انتهاكاً للمعاهدة، ومن ثم يكون إجراءً غير مشروع. ومن الطبيعي أن يسعى الطرف الآخر في المعاهدة إلى البحث عن سبل الانتصاف المناسبة. 13- ويثير ذلك التساؤل التالي: إذا أخل أحد الطرفين بجانب جوهري من المعاهدة بما يقوض الغرض الأساسي منها، أفلا يجعل ذلك استمرار تنفيذها أمراً مستحيلاً؟ وكثيراً ما يُستند في هذا السياق إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 (“الاتفاقية”) باعتبارها الاتفاقية الأكثر صلة للإجابة عن هذا التساؤل، نظراً لأن العديد من أحكامها تعكس قواعد القانون الدولي العرفي. ومع ذلك، فإن الهند وباكستان ليستا طرفين في هذه الاتفاقية، كما أن معاهدة مياه نهر السند تسبقها زمنياً. 14- ومع ذلك، وحتى إذا جرى الاحتجاج باتفاقية فيينا، فإنه يتعين قراءتها جنباً إلى جنب مع حكمها الأساسي
تعليق العمل بمعاهدة مياه نهر السند الخطاب الباكستاني يتحدى الحقائق
يمثل قرار تعليق العمل بمعاهدة مياه نهر السند نقطة النهاية لنهج الهند القائم على ضبط النفس في مواجهة سلسلة من الاستفزازات الباكستانية الخطيرة. فمنذ توقيع المعاهدة عام 1960، والتي حظيت بإشادة دولية بوصفها نموذجًا نادرًا للتعاون المستدام بين دولتين جارتين بينهما خصومة، صمدت المعاهدة في وجه الحروب، والاضطرابات السياسية، والأزمات العسكرية، والتوترات الدبلوماسية الممتدة، وذلك بفضل نهج الهند الذي اتسم بحسن النية وروح الجوار. غير أن مثل هذه الاتفاقيات تقوم أساسًا على المعاملة بالمثل، والثقة، وحسن النية، والالتزام الصادق بالتعاون. وخلال العقود الستة الماضية، بدأت هذه المبادئ الأساسية تختفي تدريجياً نتيجة سياسة العرقلة المستمرة التي انتهجتها باكستان، وتسييسها للمسائل الفنية، واستخدامها على نحو متكرر لآليات المعاهدة كوسيلة لإحباط المشروعات التنموية المشروعة في إقليم جامو وكشمير الاتحادي. وإضافة إلى ذلك، عكفت باكستان على انتهاج سياسة خبيثة لتصدير الإرهاب، الأمر الذي قوض بصورة كاملة الأساس الذي قامت عليه المعاهدة والمتمثل في حسن النية والصداقة والثقة المتبادلة. وبينما كانت الهند تتحمل باستمرار مسؤولية حسن تنفيذ المعاهدة، كانت باكستان تعمل على ترويج سردية كاذبة تصورها كضحية، وتصور أي مقترح هندي مشروع على أنه تهديد لوجودها. وقد التزمت الهند مرارًا بأحكام المعاهدة نصًا وروحًا، بل وقدمت في كثير من الأحيان تسهيلات تجاوزت التزاماتها الرسمية. وعلى النقيض من ذلك، تعاملت باكستان مرارًا مع المعاهدة لا باعتبارها أداة للتعاون والمنفعة المتبادلة، وإنما كوسيلة سياسية لعرقلة الحقوق المشروعة للهند في الأنهار الغربية. وقد ظهرت سياسة العرقلة الباكستانية بعد فترة وجيزة من دخول المعاهدة حيز النفاذ. ففي مارس 1962، وبعد أقل من عام على التصديق عليها، قدمت الهند لباكستان، وفقًا لأحكام المعاهدة، أولى المعلومات الخاصة بمشروع جديد لتوليد الطاقة الكهرومائية. وكان المشروع صغيراً للغاية، إذ كان عبارة عن محطة لتوليد الطاقة بقدرة 200 كيلووات، وتعتمد على نظام الجريان الطبيعي للنهر، وتستخدم 25 قدم مكعب في الثانية فقط من المياه، دون أي استهلاك أو تخزين للمياه ولو لثانية واحدة. وكان الهدف منه تزويد منطقة قبلية نائية تقع على بعد مئات الكيلومترات من الحدود الدولية بالكهرباء. ومع ذلك، اعترضت باكستان على المشروع. كما اعترضت مرة أخرى على مشروع آخر بنفس الحجم كانت الهند قد قدمت معلومات بشأنه في ديسمبر 1963، مستندة إلى مبررات واهية. واستمرت هذه الاعتراضات حتى سبتمبر 1971، حين دعا المفوض الهندي لمياه نهر السند إلى إغلاق الملف دون الإخلال بموقف أي من الطرفين. وإذا كانت المعاهدة نفسها قد استغرقت ثماني سنوات من المفاوضات، فقد استغرق التعامل مع الاعتراضات على مشروع لا تتجاوز قدرته 200 كيلووات فترة مماثلة تقريباً. وقد كشفت هذه الوقائع عن نهج ثابت من المقاومة الإجرائية البعيدة عن أي أسس موضوعية. وأصبح استخدام باكستان للمعاهدة لخدمة أهدافها الخاصة وبشكل غير نزيه أكثر وضوحًا خلال فترات النزاع. ففي نوفمبر 1965، وبعد اندلاع مواجهة عسكرية واسعة النطاق بين الجانبين، ادعت باكستان أنها لم تتلق الإمدادات المائية في قنوات منطقة باري دواب الوسطى. وردت الهند بأن باكستان لم تقدم الطلبات اللازمة وفقًا لما تنص عليه المعاهدة. كما أوضحت أن تنظيم تدفقات المياه من منشأة فيروزيبور أصبح مستحيلاً من الناحية العملية نتيجة القصف وإطلاق النار من الجانب الباكستاني، والذي أسفر عن مقتل وإصابة عدد من العاملين في قطاع الري. وفي ظل تلك الظروف، لم يكن بالإمكان تنظيم تدفقات المياه حتى للقنوات الهندية نفسها. ورغم استمرار إطلاق النار من الجانب الباكستاني بعد وقف إطلاق النار، أكدت الهند أنها سمحت بتدفق حصص المياه المقررة لباكستان إلى نهر ستلج. ومن الوقائع اللافتة أيضًا ما حدث في يونيو 1973، عندما قامت باكستان، مستغلة احتلالها غير المشروع لأجزاء من جامو وكشمير وتصرفها بوصفها دولة مشاطئة عليا على أحد المجاري المائية المحلية، بقطع إمدادات المياه عن قناة محطة بونش للطاقة الكهربائية لعدة أيام. وقد أدى ذلك إلى تعطيل توليد الكهرباء والري في المنطقة، في انتهاك مباشر وخطير لأحكام المعاهدة. واحتجت الهند على هذا الإجراء وطالبت بإعادة تدفق المياه فورًا. إلا أن الرد الباكستاني، الذي صدر في مارس 1975، قلل من شأن الواقعة مدعيًا أن الانقطاع نجم عن “تغير طبيعي في مجرى النهر”. وقد مارست الهند آنذاك أقصى درجات ضبط النفس وفضلت عدم تصعيد المسألة حفاظًا على الإطار العام للتعاون. إلا أن هذا النهج الذي اتسم بضبط النفس لم يلق معاملة بالمثل من الجانب الباكستاني. ويتكرر هذا النمط في الخلافات المتعلقة بمشروعات الهند الكبرى للطاقة الكهرومائية. فقد أصبح مشروع سالال للطاقة الكهرومائية محل نزاع بعدما أثارت باكستان، في يوليو 1970، اعتراضات واهية رغم أن تصميم المشروع كان متوافقًا تمامًا مع أحكام المعاهدة. وفي خطوة استثنائية تعكس روح التوافق، وافقت الهند على إدخال تعديلات جوهرية على التصميم لم تكن المعاهدة تلزمها بها، من بينها خفض سعة التخزين التشغيلي إلى الصفر وإغلاق الفتحات السفلية. إلا أن هذه التنازلات ترتبت عليها آثار سلبية جسيمة، إذ فقد السد قدرته على طرد الرواسب، مما أدى خلال سنوات قليلة إلى تراكم الطمي في جانب كبير من سعته التخزينية المصممة (نحو 284 مليون متر مكعب)، وهو ما أضعف كفاءته التشغيلية على المدى الطويل بصورة ملحوظة. وحتى أثناء الملء الأولي لخزان سالال، طالبت باكستان بأن توفر لها الهند كمية مكافئة من المياه من الأنهار الشرقية لتعويض المياه المحتجزة في التخزين الميت للخزان، وهو مطلب استثنائي لا يستند إلى أي نص في المعاهدة. ومع ذلك، استجابت الهند لهذا الطلب أيضًا. ومن الأمثلة البارزة الأخرى على سعة صدر الهند قرارها تعليق العمل في “مشروع تولبول للملاحة” في وادي كشمير. فقد أوقفت الهند العمل بالمشروع عام 1987 استجابةً للاعتراضات الباكستانية، أملاً في التوصل إلى تسوية ودية. ولا يزال المشروع معلقًا حتى اليوم. إلا أن الخطاب الباكستاني حوّل المشروع إلى رمز لما زعم أنه مخططات هندية لتخزين مياه نهر جيلوم والتحكم في تدفقها إلى باكستان. وفي المقابل، كان المسؤولون الباكستانيون يقرون في أحاديثهم الخاصة بأن المشروع يمكن أن يعود بالفائدة على باكستان أيضًا من خلال تحسين تدفقات المياه خلال موسم الشح. أما على الصعيد العلني، فقد استمر إبقاء القضية معلقة لعقود، مع مواصلة باكستان تأخير أي تسوية حقيقية. وهكذا، تحول مشروع كان من الممكن أن يشكل نموذجًا للتعاون وتحقيق المنفعة المتبادلة إلى ساحة جديدة لإثارة الشكوك المصطنعة. وتكرر النهج ذاته في “مشروع باجليهار للطاقة الكهرومائية”. فقد زودت الهند باكستان بالمعلومات الخاصة بالمشروع لأول مرة عام 1992، وأعقب ذلك نقاش مطول على مستوى اللجنة الدائمة لمياه نهر السند، والقنوات الحكومية، واجتماعات أمناء الوزارات. وواصلت الهند الانخراط في الحوار الثنائي، بل وعرضت إدخال تعديلات على تصميم المشروع لتهدئة المخاوف
السردية الزائفة لباكستان ضد الهند للتغطية على سوء إدارتها لموارد المياه

كوشفيندر فوهرا الرئيس السابق للجنة المياه المركزية، والأمين بحكم منصبه لحكومة الهند، والمفوض الهندي السابق لشؤون نهر السند هناك الكثير من المعلومات المضللة حول معاهدة مياه نهر السند (IWT)، والتي يتم نشرها عبر مقالات متنوعة تظهر في الصحف والمجلات والمنتديات الإلكترونية، بما في ذلك في باكستان. ولا تمثل المقالات التي يكتبها من يُسمون بالنخبة أو الباحثون سوى خطاب بلاغي عام يهدف إلى تشكيل تصور عام لدى الرأي العام في باكستان، خالٍ من الحقائق. ورغم أن الهند علّقت العمل بالمعاهدة، فمن المهم الوقوف على الأسباب الحقيقية لما يُوصف على نطاق واسع في باكستان بأنه أزمة ندرة المياه. إذ تواصل باكستان تحميل الهند مسؤولية مشكلاتها المائية، وكأن الهند ملزمة بتوفير أي كمية من المياه تراها باكستان ضرورية. وبموجب المادة الثالثة من معاهدة مياه نهر السند، كان يقع على عاتق الهند الالتزام بالسماح بتدفق مياه الأنهار الغربية، باستثناء الاستخدامات المصرح لها بموجب المعاهدة. وبالتالي فإن كميات المياه التي تصل إلى باكستان في أي وقت تعتمد على عوامل طبيعية مختلفة، مثل معدلات هطول الأمطار، وذوبان الثلوج في مناطق المنابع، إلى جانب الاستخدامات المسموح بها للهند. ووفقاً لعدد من المؤسسات البحثية، تتلقى باكستان في المتوسط نحو 140 مليون فدان-قدم من المياه سنوياً في حوض نهر السند من الأنهار الغربية، وهو ما يزيد على الكمية المقدرة عند توقيع المعاهدة والبالغة 135 مليون فدان-قدم. وفي المقابل، تشير التقارير إلى أن تدفقات الأنهار الشرقية انخفضت بنحو 15% مقارنة بالتقدير الأصلي البالغ 33 مليون فدان-قدم. ومن ثم، يثار التساؤل: لماذا هذا الخطاب المتكرر ضد الهند؟ وعند التعمق في القضية، يتضح أن الحقيقة ليست بعيدة. فمن أصل نحو 140 مليون فدان-قدم من المياه، لا تقوم باكستان بتحويل سوى حوالي 104 ملايين فدان-قدم لأغراض الري، بينما تُهدر الكمية المتبقية داخل منظومة النقل والتوزيع أو تصب في البحر. وعليه، فإن المشكلة الحقيقية لما يسمى بأزمة ندرة المياه في باكستان تكمن في سوء إدارة الموارد المائية المتاحة، إلى جانب مجموعة من العوامل الأخرى التي نادراً ما يناقشها الخبراء داخل البلاد. كما يكاد يغيب أي نقاش عام حول تقاعس وإخفاق الجهات المعنية، بما فيها (الحكومة الباكستانية)، في إدارة هذا المورد الحيوي، ولا سيما في ظل التغيرات الجذرية التي شهدها الواقع المائي منذ توقيع المعاهدة عام 1960. ويطرح ذلك تساؤلاً حول ما إذا كان تحميل الهند المسؤولية بصورة دائمة، وتبني خطاب “الضحية”، يشكل محاولة لصرف الانتباه عن المشكلة الحقيقية، والمتمثلة في سوء إدارة الموارد المائية داخل باكستان. فلنستعرض الحقائق المختلفة. استخدام المياه في باكستان خلال خمسينيات القرن الماضي، كانت باكستان تستخدم نحو 66 مليون فدان-قدم من المياه، لري ما يقرب من 21 مليون فدان في حوض نهر السند. ومنذ ذلك الحين، ارتفع حجم المياه المستخدمة في الحوض إلى نحو 104 ملايين فدان-قدم لري حوالي 34 مليون فدان. ويُلاحظ أن كمية المياه المستخدمة لكل وحدة من الأراضي المروية تكاد تكون مماثلة لما كانت عليه عام 1960. إلا أن الواقع على الأرض قد تغير بصورة كبيرة، إذ استمر عدد السكان في الارتفاع، مما أدى إلى انخفاض نصيب الفرد من المياه. غير أن هذا الأمر ينطبق أيضاً على الهند. وعليه، فإن أساليب إدارة المياه التي كانت مطبقة عند توقيع المعاهدة أصبحت اليوم متقادمة تماماً، وأصبحت تستلزم فهماً أشمل للعلاقة المتداخلة بين المياه والغذاء والطاقة. وقد حققت الهند تقدماً كبيراً في هذا المجال، بينما لم تُبدِ باكستان الجدية الكافية لاتخاذ خطوات مماثلة. وعلى الرغم من أن الهند لا تحصل إلا على 33 مليون فدان-قدم من المياه (أي ما يعادل 20% من إجمالي مياه الحوض)، فإنها تروي نحو 26 مليون فدان في الجزء الشرقي من حوض نهر السند، وهو ما يعكس تدني إنتاجية استخدام المياه في باكستان. ضعف حوكمة الموارد المائية في باكستان أشار تقرير دراسة صادر عن مجموعة البنك الدولي بعنوان “باكستان: تحقيق استفادة أكبر من المياه” (والذي تتضمن بياناته معلومات محدثة حتى سبتمبر 2018)، إلى تقييم طويل الأجل لتأمين المياه في باكستان حتى عام 2047. وخلصت الدراسة إلى أن باكستان تُعد من الدول الغنية بالموارد المائية، بما في ذلك حوض نهر السند، وأن هناك 16 دولة فقط تمتلك موارد مائية أكبر منها. غير أن ارتفاع عدد سكانها، باعتبارها سادس أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، يؤدي إلى انخفاض نصيب الفرد من المياه. ويجب التأكيد هنا على أن تراجع نصيب الفرد من المياه في باكستان يرجع أساساً إلى الزيادة السكانية، في حين أن الكميات الإجمالية من المياه التي تتلقاها في حوض نهر السند لا تزال، في المتوسط، مساوية أو حتى أكبر من تلك التي كانت مقدرة عند توقيع معاهدة مياه نهر السند. وأضاف التقرير أن التحديات المتعلقة بالأمن المائي لا تحدد بالضرورة مستقبل الدولة الاقتصادي. ومن اللافت أن هناك 32 دولة يقل فيها نصيب الفرد من المياه مقارنة بباكستان، ومع ذلك يبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها عشرة أضعاف نظيره في باكستان. ولا توجد سوى ست دول من بين هذه الدول الاثنتين والثلاثين يقل مستوى دخلها عن باكستان، وجميعها دول أفريقية تعاني محدودية الاستثمار في الري واعتماداً كبيراً على الزراعة التقليدية المعتمدة على الأمطار. كما يؤكد التقرير أن باكستان لا تستغل مواردها المائية على النحو الأمثل، وأن ضعف إدارة الموارد المائية يقوض أمنها المائي. وأشار إلى أن المخاطر المائية طويلة الأجل لا تحظى بالتقدير الكافي، كما أن التدابير الرامية إلى الحد منها تظل محدودة. وأضاف أن إدارة الموارد المائية في باكستان تعاني من عدد من أوجه القصور، من بينها ضعف حوكمة البيانات المائية، وهشاشة عمليات التخطيط، وانتشار التلوث، والاستغلال المفرط للمياه الجوفية، وانخفاض إنتاجية المياه، وضعف أنظمة التنبؤ الموثوق بالفيضانات والجفاف، إلى جانب تحديات أخرى. وبالنظر إلى أن أكثر من 90% من المياه في باكستان تُستخدم في أغراض الري، فإن من الضروري تقليل الفاقد المائي وتحسين إنتاجية استخدام المياه لمواجهة التحديات الراهنة. كما يلفت التقرير إلى أن باكستان لم تنشئ قدرات تخزينية كافية للمياه، علماً بأن نحو 80% من التدفقات المائية السنوية ترد خلال فترة تقارب أربعة أشهر. ومن ثم، فإن عدم توافر سعات تخزينية مناسبة يحول دون توفير إمدادات مائية موثوقة لموسم الزراعة الشتوي. ومن ثم، فإن الاستمرار في توجيه اللوم إلى الهند بسبب أوجه القصور في الحوكمة المائية داخل باكستان لن يسهم بأي شكل في معالجة هذه المشكلات. بل يتعين على باكستان أن تعمل بجدية على تحسين إدارة مواردها المائية، لاسيما وأن متوسط الموارد المائية المتاحة لها يُعد كافياً. إهدار المياه وانخفاض
الحقوق المائية: استعادة حصة الهند المشروعة

بقلم: السيد أتول جاين، الرئيس الأسبق للجنة المركزية للمياه. إن تأكيد دولة رئيس الوزراء الموقر في خطاب عيد الاستقلال العام الماضي بأن “الحقوق المائية هي حق أصيل للمزارعين الهنود” يمثل تحولاً حاسماً في نهج الهند تجاه مياه نهر السند. وهو لا يعد بأي حال من الأحوال خروجاً عن المسار، بل هو تصحيح طال انتظاره لضبط النفس التاريخي الذي أضر بالهند بشكل غير متناسب، في حين مكن من استمرار إساءة الاستخدام في المصب. وهو يشير إلى أن الهند لن تسمح بعد الآن بترك حصتها المشروعة من المياه دون استغلال كافٍ وإهدارها في وقت يواجه فيه مزارعوها الندرة. عندما تم توقيع معاهدة مياه السند في عام 1960، قدمت الهند، بصفتها دولة المنبع ، تنازلاً كبيراً بالموافقة على قصر نفسها على نحو 20% فقط من مياه نهر السند، وتخصيص الحصة الأكبر البالغة 80% لباكستان. وقد عكس هذا القرار نية طيبة استثنائية؛ وكان الأمل معقوداً على أن تقابل هذه السخاوة بسلوك مسؤول وروح تعاونية. وبدلاً من ذلك، وعلى مدى العقود الماضية، لم يتم تبادل تلك الروح بالمثل قط. يجب أيضاً قراءة تصريح دولة رئيس الوزراء الموقر في سياق الأعمال الإرهابية المتكررة العابرة للحدود المنطلقة من باكستان، والتي أفسدت الثقة. إن الواقع القائم منذ أمد بعيد، والمتمثل في العبارة القائلة بأن “الدم والماء لا يمكن أن يتدفقا معاً”، لم يعد مجرد بلاغة لفظية. فقد أكدت حوادث مثل هجوم بولواما الإرهابي، إلى جانب هجمات أخرى في الوادي، بما في ذلك منطقة باهالجام، كيف يقوض العداء المستمر الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الترتيبات التعاونية مثل المعاهدة. فلا يمكن لأي اتفاق، مهما كان محكم الصياغة، أن يظل بمنأى عن الانهيار الكامل للثقة. على المستوى الهيكلي، تضمنت المعاهدة نفسها تباينات أصبحت غير مقبولة بشكل متزايد؛ إذ فرضت قيوداً كبيرة على استخدام الهند للمياه المخصصة لها، ومع ذلك لم تفرض أي التزام مماثل على باكستان لتبرير متطلباتها أو ضمان الاستغلال الفعال. وينعكس هذا في عدم الكفاءة علي نطاق واسع ، والخسائر في نظم الري (المقدرة بنحو 47 مليون فدان قدم)، وعدم كفاية السعة التخزينية، وسوء إدارة المياه لديهم، مما يؤدي إلى تدفق كميات كبيرة من مياه السند (تصل إلى 35 مليون فدان قدم) إلى بحر العرب دون الاستفادة منها. وفي غضون ذلك، تحملت الهند تكلفة ضبط النفس؛ حيث ظلت مناطق مثل راجستان وهاريانا تعاني من ندره المياه، وتقيدت إمكاناتها الزراعية على الرغم من توفر المياه التي يحق للهند استخدامها. وهذا الاختلال هو بالتحديد ما يسعى التصريح إلى تصحيحه. ومن ثم، فإن “الحقوق المائية” تتعلق بالاستغلال المشروع وليس بالمنع. إن الهند تؤكد أن كل قطرة من نظام مياه نهر السند سيتم استخدامها الآن بشكل إنتاجي في الري، والطاقة الكهرومائية، والتنمية. وتسلط المشاريع الهندية على الأنهار الغربية، بما في ذلك “باجليهار” و”سالال”، الضوء على بُعد آخر من أبعاد التحدي. فبمرور الوقت، أدت الترسبات (الطمى) إلى تقليص كفاءتها وقدرتها التخزينية. وقد تأخرت عمليات جرف الرواسب، وهي ضرورية للحفاظ على سلامة السدود وأدائها، لسنوات بسبب اعتراضات لا أساس لها وعقبات إجرائية وضعتها باكستان. ولم تؤدِ الحاجة الملحة في نهاية المطاف لإزالة الرواسب المتراكمة إلا إلى زيادة تكلفة مثل هذه التأخيرات . ستعطي الهند الأولوية للتدخلات التقنية الحديثة في الوقت المناسب مستقبلًا، دون أن تظل رهينة للتحركات السياسية المغرضة والمبالغ فيها والمقنعة في شكل خلافات تقنية. الرسالة الأعم واضحة: أولاً، ستستغل الهند بالكامل حصتها المشروعة من المياه في المناطق التي تعاني من الفقر المائي. ثانياً، لن تقبل بعد الآن بإطار يستمر فيه عدم الكفاءة والهدر دون رادع في جانب واحد، في حين يتم السعي إلى فرض قيود مصطنعة وغير علمية على الجانب الآخر. ثالثاً، ستؤكد استقلاليتها التقنية، بما يضمن المضي قدماً في إنشاء البنية التحتية وصيانتها بوتيرة سريعة، تماشياً مع الفكر العلمي الحالي وأفضل الممارسات الدولية. هذا ليس تنصلاً من أي مبادئ عرفية؛ بل هو استجابة لتدمير الركائز التأسيسية للمعاهدة. فعندما تُنتهك الوعود التي تدعم المعاهدة بفعل العداء والإرهاب والمعلومات المضللة وإساءة الاستخدام، يصبح إعادة ضبط الأمور أمراً حتمياً. لعقود من الزمن، مارست الهند ضبط النفس، حتى وإن كان ذلك على حساب تنميتها بشكل ملموس. والآن، تفسح تلك الحقبة المجال لحقبة من الوضوح والتوازن. إن “الحقوق المائية” هي التزام طال انتظاره بأن مياه الهند ستخدم شعبها، ومزارعيها، ومستقبلها. وبينما قد تحاول بعض المصالح الخاصة تصوير ذلك خطأً على أنه تهديد، فإنه ليس سوى تصحيح مسار ضروري في سياق متغير.