باحثون يستعرضون أدوار الطرق الصوفية المغربية في تعزيز التواصل الروحي مع إفريقيا

 

مداغ – د . محمد سعد 

تواصلت، يوم الإثنين 24 غشت 2026، الموافق لـ11 ربيع الأول 1448هـ، فعاليات اليوم الخامس من الدورة الثانية لـ«مجالس الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار ﷺ»، التي تنظمها الطريقة القادرية البودشيشية بمداغ، شرق المملكة المغربية، تحت إشراف شيخها الحاج معاذ القادري بودشيش، احتفاءً بذكرى المولد النبوي الشريف، تحت شعار: «امتداد التراث الصوفي المغربي بإفريقيا: المسارات، التجليات، والآفاق»، بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين من المغرب وعدد من البلدان الإفريقية.

 

وخصصت أشغال اليوم الخامس للمحور الخامس، الذي حمل عنوان «الطرق الصوفية المغربية وشبكات التواصل الروحي الإفريقي»، حيث تناول المشاركون الأدوار التاريخية التي اضطلعت بها الطرق الصوفية المغربية، ولا سيما القادرية والتيجانية، في بناء شبكات التواصل العلمي والروحي، وتعزيز الروابط التاريخية والحضارية بين المغرب ومختلف مناطق القارة الإفريقية.

 

وترأس الجلسة الأستاذ أحمد طايعي، أستاذ التعليم العالي بالكلية متعددة التخصصات بالرشيدية، وشهدت تقديم عدد من المداخلات العلمية التي تناولت الامتداد التاريخي والجغرافي للتصوف المغربي، ودوره في نشر المعرفة الدينية وترسيخ التواصل الروحي والثقافي في غرب إفريقيا.

 

وفي هذا السياق، قدم الدكتور محمد أمراني علوي، من الكلية متعددة التخصصات بالرشيدية التابعة لجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، مداخلة بعنوان «الطرق الصوفية المغربية وإشعاعها الإفريقي: الطريقة التيجانية نموذجاً»، استعرض خلالها مكانة الزوايا والطرق الصوفية في نشر الإسلام والتصوف السني المغربي، وتعزيز التواصل الديني والروحي بين المغرب وبلدان إفريقيا والساحل.

 

وتوقف الباحث عند تجربة الطريقة التيجانية باعتبارها نموذجاً بارزاً للإشعاع الروحي المغربي، لما اضطلعت به من أدوار في التربية الدينية والتصوف السني وتعزيز الروابط الروحية مع شعوب إفريقيا جنوب الصحراء، مشيراً كذلك إلى أهمية المؤسسات الدينية المغربية في تأطير الأئمة والمرشدين الأفارقة، ودور الطرق الصوفية في دعم الأمن الروحي والاجتماعي والدبلوماسية الروحية بين المغرب وبلدان القارة.

 

من جانبه، قدم الأستاذ حسين محمد القادري، مقدم الطريقة القادرية بدولة غانا، مداخلة بعنوان «الجسور الروحية والمعرفية بين المغرب وغانا: الطريقة القادرية نموذجاً للتواصل العلمي والصوفي عبر الصحراء»، تناول فيها العلاقات التاريخية بين المغرب وغانا من خلال الامتداد القادري.

 

وأوضح أن الدراسة ترصد مسارات انتقال التعاليم القادرية من مراكزها المغربية، وخاصة مدينة فاس، نحو منطقة ساحل الذهب، مع الإشارة إلى محدودية التوثيق المتعلق بهذا الحضور مقارنة بما هو متوفر بشأن انتشار الطريقة في نيجيريا والسنغال والنيجر.

 

واعتمدت الورقة منهجاً تاريخياً وصفياً وتحليلياً، بالاستفادة من المصادر العربية والإنجليزية والروايات الشفوية المحلية، مع التأكيد على أهمية إخضاع هذه الروايات لمزيد من البحث والتحقق الأرشيفي.

 

وخلصت المداخلة إلى أن انتشار القادرية في المنطقة تم عبر شبكة من العلماء والأسانيد العلمية والروحية، إلى جانب مسارات التبادل التجاري، وصولاً إلى غانا، داعية إلى تكثيف البحث والتوثيق والمقارنة بين مسارات انتشار الطريقة القادرية والتيجانية في غرب إفريقيا.

 

كما تناول الدكتور مختار أمين زيتاوا، أستاذ التعليم العالي بجامعة كاشري الفيدرالية بنيجيريا، موضوع «الامتداد الصوفي المغربي في غرب أفريقيا: بلاد هوسا نموذجاً»، مبرزاً الدور الذي اضطلعت به الطرق الصوفية والعلماء المغاربة في نشر الإسلام وترسيخ الثقافة العربية الإسلامية في المنطقة.

 

واستعرض الدكتور زيتاوا مسارات انتقال التصوف المغربي إلى بلاد هوسا، من خلال الرحلات العلمية والقوافل التجارية ورحلات الحج، وما نتج عن هذه الحركية من تفاعل ديني وثقافي أسهم في نشأة الزوايا والمؤسسات العلمية، وتعزيز العلاقات الروحية والفكرية بين المغرب ومجالات غرب إفريقيا.

 

كما توقف عند إسهام الطريقة القادرية في نشر قيم الاعتدال والتسامح وتكوين العلماء والدعاة، معتبراً أن الامتداد الصوفي المغربي لم يكن مجرد انتقال للطرق والأسانيد، وإنما شكل مساراً حضارياً أسهم في نشر الإسلام وتعزيز الاستقرار الفكري والاجتماعي والتواصل الثقافي في المنطقة.

 

وفي السياق ذاته، قدم الدكتور إبراهيم حدكي، الباحث في الدراسات الإسلامية، درساً علمياً بعنوان «عناية علماء الصحراء المغربية بالشمائل المحمدية ومعالم الامتداد الإفريقي»، سلط خلاله الضوء على عناية علماء الصحراء المغربية بالشمائل المحمدية ودورها في ترسيخ قيم التربية والأخلاق والهداية.

 

وأوضح أن الشمائل المحمدية شكلت مكوناً أساسياً في الوجدان الديني المغربي، من خلال العناية بمؤلفات الشفا والشمائل المحمدية ودلائل الخيرات، إلى جانب نظم السيرة والشمائل شعراً وتداولها عبر شبكات الرحلات والقوافل العلمية المتجهة نحو شنقيط والسنغال ومالي.

 

واستعرض الباحث نماذج من الأسر والعلماء الذين أسهموا في هذا الامتداد، مؤكداً أن التواصل العلمي والروحي بين المغرب وغرب إفريقيا لم يكن في اتجاه واحد، بل اتسم بالتفاعل والتبادل، وأسهم في إثراء المشترك الديني والثقافي بين ضفتي الصحراء.

 

ودعا، في ختام مداخلته، إلى إحياء مجالس الشمائل المحمدية، والعمل على تحقيق مخطوطاتها وفهرستها، وتعزيز التعاون العلمي والروحي بين المؤسسات المغربية ونظيراتها الإفريقية، بما يسهم في صيانة الذاكرة المشتركة وترسيخ أسس الأمن الروحي المشترك.

 

وعكست مداخلات المحور الخامس تنوع مسارات الامتداد الصوفي المغربي في إفريقيا، من خلال الطرق والأسانيد والعلماء والرحلات والقوافل والمؤسسات العلمية، مؤكدة أن التواصل الروحي ارتبط على امتداد التاريخ بالتواصل العلمي والثقافي والحضاري.

 

كما أبرزت أشغال اليوم الخامس أن الطرق الصوفية شكلت جسوراً ممتدة بين المغرب وبلدان غرب إفريقيا، وأسهمت في بناء فضاء مشترك من القيم والمعارف والتقاليد الدينية، بما يعكس عمق الروابط التاريخية والروحية التي تجمع المغرب بامتداده الإفريقي.

شارك ذلك الخبر

نشرتنا الاخبارية

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

اخر الاخبار

اعلانك هنا
Ad Size: 336x280 px

أهم التصنيفات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!