الكاتبة الصحفية: مريم بدران
من الصعب أن تُختزل أزمة الإنسان رجلاً كان أو امرأة في سؤال واحد أو زاوية واحدة، لكن هناك خيطًا خفيًا يربط بين كثير من الأسئلة التي تتكرر بصيغ مختلفة: لماذا نخاف من التغيير حتى ونحن نتألم من الواقع؟ لماذا نعتاد الألم حتى يصبح جزءًا من تعريفنا لأنفسنا؟ ولماذا تُكسر الأحلام في البداية، ثم نُسأل لاحقًا عن سبب استسلامنا لها؟
في العمق، ليست المشكلة في “الخوف من التغيير” فقط، بل في الطريقة التي يُشكَّل بها الإنسان منذ طفولته. طفل يقول: “سأصبح طبيبًا” فيُقابل بابتسامة ساخرة: “استيقظ من الحلم”.
وآخر يعلن أنه سيصبح غنيًا جدًا، فيُطلب منه أن يكون “واقعيًا” قبل أن يكون حيًّا. هكذا يبدأ أول انكسار ناعم: ليس عبر العنف المباشر، بل عبر تصغير الحلم خطوة بعد خطوة، حتى يتحول إلى فكرة محرجة، ثم إلى صمت، ثم إلى حياة كاملة بلا سؤال.
ومع الزمن، لا يختفي الألم، بل يتحول إلى عادة صامتة. ما يسميه علم النفس بـ العجز المتعلَّم (Learned Helplessness):
حين يعتاد الإنسان أن محاولاته لا تُغير شيئًا، أو أن ما يتعرض له من جهل أو تمييز أو تنمر يجعل النتيجة دائمًا واحدة، فيتوقف عن المحاولة أصلًا.
ثم تتطور الحالة إلى شكل أكثر تعقيدًا: التكيف مع ما يؤلم، لا لأنه مقبول، بل لأنه مألوف، ولأنه يُشبه الحياة التي لا يملك بديلًا عنها، أو الفرص التي يعتقد أنها لن تأتي أصلًا.
وهنا يصبح السؤال أخطر: هل نحن نعيش واقعنا فعلًا، أم أننا فقط نتأقلم مع ضيق طويل اعتدناه حتى أصبح يشبه الحياة؟
هذا السؤال لا ينفصل عن صورة أوسع: الأسرة، المدرسة، المجتمع، وحتى المؤسسات الكبرى.
أين العائلة حين يتشوه الطفل في صمته؟ أين المدرسة حين تتحول المعرفة إلى حفظ بلا معنى؟ أين المجتمع حين تتحول القسوة إلى “نصيحة”، والسخرية إلى “تربية”، وتكسير الحلم إلى “واقعية”؟
لكن الأزمة لا تقف عند الطفولة أو التربية فقط، بل تمتد إلى نظرة الإنسان للإنسان، وخاصة حين يُختزل الآخر في جزء منه، أو في صورة مشوهة عنه. تاريخيًا، عاشت المرأة في كثير من المجتمعات، وصولًا إلى أسواق النخاسة في بعض المراحل، تحت هذا الاختزال القاسي: لا ككائن كامل، بل كدور اجتماعي محدود، أو وظيفة مجانية،أو جسد يستخدم بلا رحمة ويُقاس بقيمته النفعية فقط، لا بإنسانيته. ومع أن أشكال القهر تغيرت عبر الزمن، فإن الفكرة لم تختفِ بالكامل: فكرة تقليل الإنسان إلى ما يُرى منه فقط، لا إلى ما هو عليه.
المشكلة ليست في الجسد، ولا في الشكل، ولا في أي بعد ظاهري من الإنسان، بل في العقل الذي يختزل الكائن البشري في جزء منه ويغفل كليته: ذاكرته، ووعيه، وتجربته، وألمه، وقدرته على التفكير والحلم والتجاوز. هذا النوع من الاختزال لا يصنع ظلمًا لشخص واحد فقط، بل يشوه مفهوم الإنسان ذاته.
ومع ذلك، فإن التركيز على الماضي وحده لا يكفي لفهم الحاضر. لأن نفس البنية النفسية والاجتماعية التي أنتجت الاختزال والقسوة، هي التي تنتج اليوم الخوف من التغيير.
الإنسان الذي تعود أن يرى نفسه محدودًا، أو يُعامل ككائن محدود، غالبًا ما يخاف من الخروج خارج هذا الحد، حتى لو كان يؤلمه.
هنا يظهر سؤال آخر أكثر عمقًا: لماذا نحب من يؤذينا أحيانًا، ونؤذي من نحب؟ لماذا نكرر الأخطاء رغم أننا نعرف نتائجها؟ ليس لأننا لا نفهم، بل لأن العاطفة والذاكرة والخوف تعمل معًا بطريقة معقدة. نحن لا نختار دائمًا بعقولنا فقط، بل بتاريخنا الداخلي أيضًا.
في علم النفس، هناك مفهوم آخر يساعد على الفهم: النمو ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Growth). وهو أن الإنسان، رغم الألم، قادر على إعادة بناء ذاته بشكل أعمق إذا وجد وعيًا ومعنى.
لكن هذا النمو لا يحدث تلقائيًا، بل يحتاج إلى لحظة مواجهة: مواجهة مع الحقيقة كما هي، لا كما تم تدريبنا على رؤيتها.
المشكلة أن كثيرين لا يصلون إلى هذه اللحظة، لأن الخوف من التغيير يصبح أقوى من الألم نفسه. فيبقى الإنسان في منطقة مألوفة، حتى لو كانت مؤذية، فقط لأنها “مفهومة” و”متوقعة”.
لكن الحقيقة البسيطة التي نتجاهلها كثيرًا هي أن الألم المستمر ليس قدرًا، بل إشارة. وأن الاعتياد على المعاناة لا يجعلها طبيعية، بل يجعلها غير مرئية فقط.
حين نسأل أحيانًا: لماذا نُكسر ونحن صغار؟ لماذا يُستهان بالأحلام؟ لماذا نتعرض للتعنيف لفظيًا وجسديًا؟ لماذا تتحول الأسرة أحيانًا إلى مصدر تشوّه وبؤرة ألم بدل أن تكون مساحة أمان؟ ولماذا تتحول المدرسة والجامعة إلى فضاء للتمييز وسوء الإدارة والمحاباة بدل أن تكونا مساحة للمعرفة والعدل؟ ولماذا يتحول المجتمع إلى دائرة تكرار مغلقة بدل أن يكون مساحة تطور؟ ولماذا تغيب العدالة داخل بعض المؤسسات بدل أن تكون القاعدة لا الاستثناء؟
ولماذا يرفض بعض الناس إدراك أن الحياة ليست قالبًا واحدًا ثابتًا، وأن الاستثناء جزء من طبيعة الوجود نفسه، كما أن القوانين البشرية والدساتير نفسها تُبنى على وجود الحالات الخاصة والاستثناءات، ومع ذلك نصر على إنكارها حين تتعلق بالإنسان؟ ولماذا… ولماذا… ولماذا…ولماذا…ولماذا…ولماذا…ولماذا ؟
فإننا في الواقع لا نطرح أسئلة متعددة، بل نسأل سؤالًا واحدًا يتكرر بأشكال مختلفة: كيف يمكن للإنسان أن يستعيد نفسه؟
الإجابة ليست في جهة واحدة. ليست في الأسرة وحدها، ولا في المدرسة وحدها، ولا في الفرد وحده. بل في إعادة بناء العلاقة بين الإنسان ووعيه، بينه وبين فكرة “الإمكان”.
أن يسمح للحلم أن يكون بداية، لا سذاجة. وأن يُفهم الخطأ كجزء من التعلم، لا كدليل نهائي على الفشل. وأن يُنظر إلى الإنسان ككل، لا كجزء منه.
في النهاية، لا السؤال الحقيقي هو لماذا نخاف من التغيير، بل لماذا تعلمنا أن البقاء في الألم أكثر أمانًا من احتمالية الخروج منه؟ وحين نعيد التفكير في هذا السؤال، يبدأ التغيير الحقيقي ليس كحدث خارجي، بل كتحول داخلي في الطريقة التي نرى بها أنفسنا والعالم.












