
خطاب وزير خارجية بريطانيا إيدن: التأييد الذي اخطأ في التقدير
من مأدبة غداء في القاهرة إلى قصر سانت جيمس استعرض السفير الدكتور علي صالح موسى ، القائم بأعمال مندوب اليمن الدائم لدى جامعة الدول العربية السابق، أبرز التحركات العربية التي مهدت لقيام جامعة الدول العربية ، ويستمر في مقالته هذه تناول التطورات التي جرت ،حيث في الرابع عشر من يناير 1943، وبينما كانت الحرب العالمية الثانية تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، وضع رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد اللمسات الأخيرة على مذكرة حملت عنوان «استقلال العرب ووحدتهم»، وأرسلها إلى ريتشارد كيسي، وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط المقيم في القاهرة. كانت المذكرة في كتيب بغلاف أزرق، فسميت باسم “الكتاب الأزرق” واهتمت بكومنولث عربي أولا، ثم الهلال الخصيب ، وبدأت القصة قبل ذلك بأربع سنوات. ففي 20 يناير 1939، أقام نوري السعيد حفل غداء في القاهرة للوفود العربية المتوجهة إلى لندن للمشاركة في “مؤتمر المائدة المستديرة” ، الذي انعقد في السابع من فبراير من العام نفسه داخل قصر سانت جيمس لبحث القضية الفلسطينية، بحضور مندوبين من مصر والعراق والأردن والسعودية واليمن، إلى جانب المندوبين البريطانيين. وقد رفض المندوبون العرب الجلوس مع ممثلي الوكالة اليهودية، وانتهى المؤتمر من دون أن يقترب خطوة واحدة من حل. ومن هذا الفشل ،بنى نوري السعيد حجته أمام البريطانيين: الوحدة العربية ضرورة، وهي لا تتعارض مع تصريحات وزير الخارجية أنطوني إيدن، ولا تفوق قدرة لندن بعد أن انفردت بشؤون الشرق الأوسط إثر سقوط فرنسا. في المقابل، تحتاج بعض الروايات المتداولة عن تلك المرحلة إلى مراجعة. فقد ذهب أحمد الشقيري إلى أن انضمام القوات العربية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين إلى الحلفاء في الحرب العالمية الأولى كان العانل الحاسم في هزيمة الدولة العثمانية، واكد أن المراجع الدولية مجمعة على ذلك من دون أن يدعم تأكيده إلى مرجع واحد. وأما في ما يخص الحرب العالمية الثانية، فيروي الشقيري أن وزير الخارجية الألماني ريبنتروب ووزير الداخلية هيملر وجّها في الثاني من نوفمبر 1943 رسالتين إلى قادة عرب بمناسبة ذكرى وعد بلفور، أعلنا فيهما اعترافهما باستقلال العالم العربي ووحدته، وأن الخبر أشعل في الوطن العربي موجة عارمة من الابتهاج، حتى ارتفعت خطب الأئمة في المساجد بالدعاء لدول المحور بالنصر. والحدث وقع بالفعل، لكن مضمونه كان مختلفًا. فنص برقية هيملر يتحدث عن أن الحركة الاشتراكية القومية رفعت منذ نشأتها راية الكفاح ضد اليهودية العالمية، وأنها لذلك تتابع عن كثب نضال العرب، لا سيما في فلسطين، ويوجه فيها التهنئة بذكرى وعد بلفور المشؤوم متمنيًا النصر. أي أنه لا ذكر صريح لأي اعتراف بوحدة العالم العربي أو استقلاله. وكذلك لم توجَه البرقية إلى قادة عرب بصفة عامة، بل إلى المفتي أمين الحسيني تحديدًا. أما موجة الابتهاج في المساجد، فلا تسندها المصادر التاريخية الموثوقة إذ كانت ردود الفعل الشعبية العربية آنذاك متباينة ، بما يصعّب اختزالها في عبارة واحدة. وفي مواجهة المساعي الألمانية لاستمالة العرب، كانت لندن قد تحركت بوقت مبكر. ففي 29 مايو 1941 ألقى أنطوني إيدن خطابًا أعلن فيه تأييد بلاده لقيام وحدة عربية، وتحدث ا عن “تقاليد طويلة من الصداقة” أثبتتها الأعمال لا الأقوال، وكرر عطف حكومة جلالته على أماني سوريا في الاستقلال. بل ذهب أبعد من ذلك حين قال إن العالم العربي خطا خطوات عظيمة منذ تسوية ما بعد الحرب الأولى، وإن الكثير من مفكري العرب يرجون لشعوبهم قدر من الوحدة أكبر مما هم عليه، وإن من الطبيعي تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية والسياسية بين البلاد العربية ووعد بتأييد بريطاني تام لأي خطة تحظى بموافقة عامة. وأرادت بريطانيا ومعها فرنسا تفادي مزيد من الاضطرابات في مستعمراتهما العربية أثناء الحرب، فكان الوعد بالاستقلال بعد انتهائها، كما ورأت بريطانيا أن قيام شكل مؤسسي ينتظم الدول العربية المستقلة يخدم مصالحها ويؤدي لحل “قضية اليهود في فلسطين” إذ إن تأسيس دولة يهودية لا يمكن أن يمر إلا عبر إطار عربي عام وعلى توحيد الموقف العربي وتنسيقه في هذا الشأن. وهكذا كانت فكرة الوحدة العربية، في لحظة تأسيسها الأولى، هدف لمصلحة القوة الاستعمارية ، وهو مالم يكن كذلك ، وكما تشهد به التطورات والاحداث .









