نهر السند

السياسة

معاهدة مياه نهر السند: تحليل قانوني مع إشارة خاصة إلى آلية تسوية المنازعات  

    نظام مياه نهر السند   يبلغ طول نهر السند حوالي 1800 ميل. أما روافده الغربية (كابول، وكُرَّم) فيزيد طولها على 700 ميل، في حين يبلغ مجموع أطوال روافده الشرقية (جيلوم، وتشيناب، ورافي، وبياس، وستلج) أكثر من 2800 ميل.   ويغطي حوض النهر مساحة تبلغ 450 ألف ميل مربع، ويُعد من أكبر أحواض الأنهار في العالم. ويقع معظم الحوض داخل الهند وباكستان، وقد أسهم في تشكيل تاريخ وثقافة ونظام البيئة في منطقة جنوب آسيا.   نبذة موجزة عن المفاوضات   2- أدى تقسيم الهند في أغسطس 1947 إلى نشوء نزاع حول مياه نهر السند، الأمر الذي استلزم في نهاية المطاف إجراء مفاوضات للتوصل إلى تسوية متفق عليها. وكانت “اتفاقية ما بين الدولتين” التي تم توقيعها في 4 مايو 1948 (اتفاقية دلهي) أول آلية لتنظيم استخدام المياه بين البلدين.   وبينما أقرت الاتفاقية بوجود نزاع بشأن إمدادات المياه، فقد نصت على أن “حقوق الملكية” لا تخول إقليم البنجاب الغربي المطالبة بأي حصة من مياه إقليم البنجاب الشرقي.   وقد قامت باكستان لاحقاً بإلغاء الاتفاقية في 23 أغسطس 1950.   3- وفي أوائل عام 1951، اقترح ديفيد ليلينثال، الرئيس السابق لهيئة وادي تينيسي، أن تقوم الهند وباكستان بتطوير نظام حوض السند بصورة مشتركة، بالاستعانة بالمساعي الحميدة للبنك الدولي. وعلى إثر ذلك، وجه رئيس البنك الدولي آنذاك، يوجين بلاك، في 6 سبتمبر 1951 رسالة إلى رئيسي وزراء البلدين يقترح فيها ذلك، وهو الاقتراح الذي وافق عليه الطرفان.   كما اقترح بلاك تشكيل فريق عمل يضم مهندسين من الهند وباكستان والبنك الدولي. وشهدت المفاوضات تقلبات حادة، وكادت تنهار في بعض مراحلها، غير أن إصرار البنك الدولي حافظ على استمرارها إلى أن تم توقيع المعاهدة في عام 1960.   المعاهدة وبنيتها القانونية   4- وُقعت معاهدة مياه نهر السند في 19 سبتمبر 1960 في كراتشي، ودخلت حيز النفاذ في 12 يناير 1961، بأثر رجعي اعتباراً من “تاريخ السريان”، وهو 1 أبريل 1960. وتتألف المعاهدة من 79 فقرة موزعة على 12 مادة، وتضم ثمانية ملاحق. وبينما لا تشير الديباجة إلا إلى المفوضين المخولين بالتوقيع عن الهند وباكستان، فقد وقع و. أ. ب. إيليف نيابة عن البنك الدولي، الذي يعد طرفاً في المعاهدة فقط فيما يتعلق بالأغراض المحددة في المادتين الخامسة والعاشرة، والملاحق (و)، و(ز)، و(ح).   5- وتنص المعاهدة على أنه لا يجوز تفسير أي نص فيها على أنه يؤسس لمبدأ قانوني عام أو يشكل سابقة قانونية، وقد أُدرجت الإشارة إلى السوابق القانونية لتفادي الاستناد إلى حجج تقوم على حقوق التقادم أو الارتفاق. وتخصص المعاهدة الأنهار الشرقية (رافي، وبياس، وستلج) للهند، والأنهار الغربية (السند، وجيلوم، وتشيناب) لباكستان، وذلك مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها.   الأهداف   6-       تحدد ديباجة المعاهدة أهدافها على النحو التالي:   “إن حكومة الهند وحكومة باكستان، إذ تحدوهما الرغبة في تحقيق أكمل وأفضل استخدام ممكن لمياه نظام أنهار السند، وإذ تدركان ضرورة تحديد وترسيم، بروح من حسن النية والصداقة، حقوق والتزامات كل منهما تجاه الأخرى فيما يتعلق باستخدام هذه المياه، ووضع الترتيبات اللازمة لتسوية جميع المسائل التي قد تنشأ مستقبلاً بشأن تفسير أو تطبيق الأحكام المتفق عليها في هذه المعاهدة، بروح من التعاون، فقد عقدتا العزم على إبرام هذه المعاهدة تحقيقاً لهذه الأهداف”.   آلية تسوية المنازعات   7- تحت عنوان “تسوية الخلافات والمنازعات”، تعهد المعاهدة إلى اللجنة الدائمة لنهر السند، التي تضم ممثلين عن البلدين، بدور في تسوية المسائل المختلفة، ولا سيما المسائل ذات الطابع الإداري والاستشاري.   8- وتُعد المادة التاسعة هي المادة المحورية في إطار تسوية المنازعات، إذ تميز بوضوح بين “المسألة” و”الخلاف” و”النزاع”. فأي مسألة تُعرض أولاً على اللجنة.   وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، يُعتبر أن “خلافاً” قد نشأ، ويُحال إلى خبير محايد. أما الخلاف فلا يعتبر “نزاعاً” إلا إذا كان خارج نطاق الفقرة 2 (أ) من المادة التاسعة، أو إذا أبلغ الخبير المحايد اللجنة بذلك.   9- تتمتع اللجنة بسلطة تقديرية في تقرير ما إذا كان ينبغي التعامل مع أي خلاف من خلال خبير محايد أو اعتباره نزاعاً، ولا يصدر هذا القرار إلا باتفاق داخل اللجنة.   وعند نشوء نزاع، ترفع اللجنة تقريراً إلى حكومتي البلدين، ويجوز لأي منهما دعوة الأخرى إلى تسويته بالاتفاق، كما يمكن الاستعانة بوسطاء.   ولا يجوز إنشاء هيئة تحكيم إلا باتفاق الطرفين، أو عند إخفاق المفاوضات أو الوساطة في حل النزاع.   الشروط المسبقة لإنشاء هيئة تحكيم   10- تكتسب العبارة الافتتاحية للملحق (ز) الخاص بـ (هيئة التحكيم) أهمية بالغة، إذ تنص على ما يلي: “إذا اقتضت الضرورة إنشاء هيئة تحكيم بموجب أحكام المادة التاسعة، تسري أحكام هذا الملحق.” وتفيد عبارة “إذا اقتضت الضرورة” أن هذه المرحلة لا تتحقق إلا بعد استيفاء شروط مسبقة معينة؛ فلا يجوز إحالة أي مسألة إلى هيئة تحكيم بمجرد رغبة أي من الطرفين.   ولا ينشأ النزاع إلا إذا اتفق المفوضان على اعتباره كذلك، أو إذا أبلغ الخبير المحايد اللجنة بذلك، وعندئذ فقط، وبعد استنفاد المفاوضات والوساطة، يمكن أن تقتضي الضرورة اللجوء إلى التحكيم.   11- ويبرز هنا اختلاف جوهري في طريقة التعامل بين “الخلاف” و”النزاع”. ففي حين يجوز لأي من المفوضين، بصورة أحادية، المبادرة بإحالة الخلاف إلى خبير محايد، لا يوجد حكم مماثل يجيز لأي منهما اعتبار الخلاف نزاعاً بصورة أحادية. إذ يتعين أن يكون ذلك بقرار من اللجنة وباتفاق المفوضين معاً.   ومن ثم، لا يجوز بأي حال الشروع بصورة أحادية في إجراءات إنشاء هيئة التحكيم. فالمعاهدات الثنائية تقوم عادة على مبدأ التقرير المشترك، وهو ما ينطبق أيضاً على معاهدة مياه نهر السند.   أثر الشروع في اتخاذ إجراءات أحادية، ومخالفة أحكام المعاهدة، والخيارات المتاحة للطرف الآخر   12- إذا لم يكن النزاع قد نشأ وفقاً لأحكام المعاهدة، فإن اتخاذ أي من الطرفين قراراً أحادياً بالشروع في إجراءات إنشاء هيئة تحكيم قد يشكل انتهاكاً للمعاهدة، ومن ثم يكون إجراءً غير مشروع. ومن الطبيعي أن يسعى الطرف الآخر في المعاهدة إلى البحث عن سبل الانتصاف المناسبة.   13- ويثير ذلك التساؤل التالي: إذا أخل أحد الطرفين بجانب جوهري من المعاهدة بما يقوض الغرض الأساسي منها، أفلا يجعل ذلك استمرار تنفيذها أمراً مستحيلاً؟ وكثيراً ما يُستند في هذا السياق إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 (“الاتفاقية”) باعتبارها الاتفاقية الأكثر صلة للإجابة عن هذا التساؤل، نظراً لأن العديد من أحكامها تعكس قواعد القانون الدولي العرفي.   ومع ذلك، فإن الهند وباكستان ليستا طرفين في هذه الاتفاقية، كما أن معاهدة مياه نهر السند تسبقها زمنياً.   14- ومع ذلك، وحتى إذا جرى الاحتجاج باتفاقية فيينا، فإنه يتعين قراءتها جنباً إلى جنب مع حكمها الأساسي

اقرأ المزيد »
السياسة

السردية الزائفة لباكستان ضد الهند للتغطية على سوء إدارتها لموارد المياه

كوشفيندر فوهرا الرئيس السابق للجنة المياه المركزية، والأمين بحكم منصبه لحكومة الهند، والمفوض الهندي السابق لشؤون نهر السند   هناك الكثير من المعلومات المضللة حول معاهدة مياه نهر السند (IWT)، والتي يتم نشرها عبر مقالات متنوعة تظهر في الصحف والمجلات والمنتديات الإلكترونية، بما في ذلك في باكستان.   ولا تمثل المقالات التي يكتبها من يُسمون بالنخبة أو الباحثون سوى خطاب بلاغي عام يهدف إلى تشكيل تصور عام لدى الرأي العام في باكستان، خالٍ من الحقائق.   ورغم أن الهند علّقت العمل بالمعاهدة، فمن المهم الوقوف على الأسباب الحقيقية لما يُوصف على نطاق واسع في باكستان بأنه أزمة ندرة المياه. إذ تواصل باكستان تحميل الهند مسؤولية مشكلاتها المائية، وكأن الهند ملزمة بتوفير أي كمية من المياه تراها باكستان ضرورية.   وبموجب المادة الثالثة من معاهدة مياه نهر السند، كان يقع على عاتق الهند الالتزام بالسماح بتدفق مياه الأنهار الغربية، باستثناء الاستخدامات المصرح لها بموجب المعاهدة.   وبالتالي فإن كميات المياه التي تصل إلى باكستان في أي وقت تعتمد على عوامل طبيعية مختلفة، مثل معدلات هطول الأمطار، وذوبان الثلوج في مناطق المنابع، إلى جانب الاستخدامات المسموح بها للهند.   ووفقاً لعدد من المؤسسات البحثية، تتلقى باكستان في المتوسط نحو 140 مليون فدان-قدم من المياه سنوياً في حوض نهر السند من الأنهار الغربية، وهو ما يزيد على الكمية المقدرة عند توقيع المعاهدة والبالغة 135 مليون فدان-قدم.   وفي المقابل، تشير التقارير إلى أن تدفقات الأنهار الشرقية انخفضت بنحو 15% مقارنة بالتقدير الأصلي البالغ 33 مليون فدان-قدم.   ومن ثم، يثار التساؤل: لماذا هذا الخطاب المتكرر ضد الهند؟ وعند التعمق في القضية، يتضح أن الحقيقة ليست بعيدة. فمن أصل نحو 140 مليون فدان-قدم من المياه، لا تقوم باكستان بتحويل سوى حوالي 104 ملايين فدان-قدم لأغراض الري، بينما تُهدر الكمية المتبقية داخل منظومة النقل والتوزيع أو تصب في البحر.   وعليه، فإن المشكلة الحقيقية لما يسمى بأزمة ندرة المياه في باكستان تكمن في سوء إدارة الموارد المائية المتاحة، إلى جانب مجموعة من العوامل الأخرى التي نادراً ما يناقشها الخبراء داخل البلاد.   كما يكاد يغيب أي نقاش عام حول تقاعس وإخفاق الجهات المعنية، بما فيها (الحكومة الباكستانية)، في إدارة هذا المورد الحيوي، ولا سيما في ظل التغيرات الجذرية التي شهدها الواقع المائي منذ توقيع المعاهدة عام 1960.   ويطرح ذلك تساؤلاً حول ما إذا كان تحميل الهند المسؤولية بصورة دائمة، وتبني خطاب “الضحية”، يشكل محاولة لصرف الانتباه عن المشكلة الحقيقية، والمتمثلة في سوء إدارة الموارد المائية داخل باكستان. فلنستعرض الحقائق المختلفة.   استخدام المياه في باكستان خلال خمسينيات القرن الماضي، كانت باكستان تستخدم نحو 66 مليون فدان-قدم من المياه، لري ما يقرب من 21 مليون فدان في حوض نهر السند. ومنذ ذلك الحين، ارتفع حجم المياه المستخدمة في الحوض إلى نحو 104 ملايين فدان-قدم لري حوالي 34 مليون فدان.   ويُلاحظ أن كمية المياه المستخدمة لكل وحدة من الأراضي المروية تكاد تكون مماثلة لما كانت عليه عام 1960. إلا أن الواقع على الأرض قد تغير بصورة كبيرة، إذ استمر عدد السكان في الارتفاع، مما أدى إلى انخفاض نصيب الفرد من المياه. غير أن هذا الأمر ينطبق أيضاً على الهند.   وعليه، فإن أساليب إدارة المياه التي كانت مطبقة عند توقيع المعاهدة أصبحت اليوم متقادمة تماماً، وأصبحت تستلزم فهماً أشمل للعلاقة المتداخلة بين المياه والغذاء والطاقة. وقد حققت الهند تقدماً كبيراً في هذا المجال، بينما لم تُبدِ باكستان الجدية الكافية لاتخاذ خطوات مماثلة.   وعلى الرغم من أن الهند لا تحصل إلا على 33 مليون فدان-قدم من المياه (أي ما يعادل 20% من إجمالي مياه الحوض)، فإنها تروي نحو 26 مليون فدان في الجزء الشرقي من حوض نهر السند، وهو ما يعكس تدني إنتاجية استخدام المياه في باكستان.   ضعف حوكمة الموارد المائية في باكستان أشار تقرير دراسة صادر عن مجموعة البنك الدولي بعنوان “باكستان: تحقيق استفادة أكبر من المياه” (والذي تتضمن بياناته معلومات محدثة حتى سبتمبر 2018)، إلى تقييم طويل الأجل لتأمين المياه في باكستان حتى عام 2047. وخلصت الدراسة إلى أن باكستان تُعد من الدول الغنية بالموارد المائية، بما في ذلك حوض نهر السند، وأن هناك 16 دولة فقط تمتلك موارد مائية أكبر منها.   غير أن ارتفاع عدد سكانها، باعتبارها سادس أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، يؤدي إلى انخفاض نصيب الفرد من المياه.   ويجب التأكيد هنا على أن تراجع نصيب الفرد من المياه في باكستان يرجع أساساً إلى الزيادة السكانية، في حين أن الكميات الإجمالية من المياه التي تتلقاها في حوض نهر السند لا تزال، في المتوسط، مساوية أو حتى أكبر من تلك التي كانت مقدرة عند توقيع معاهدة مياه نهر السند.     وأضاف التقرير أن التحديات المتعلقة بالأمن المائي لا تحدد بالضرورة مستقبل الدولة الاقتصادي. ومن اللافت أن هناك 32 دولة يقل فيها نصيب الفرد من المياه مقارنة بباكستان، ومع ذلك يبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها عشرة أضعاف نظيره في باكستان.   ولا توجد سوى ست دول من بين هذه الدول الاثنتين والثلاثين يقل مستوى دخلها عن باكستان، وجميعها دول أفريقية تعاني محدودية الاستثمار في الري واعتماداً كبيراً على الزراعة التقليدية المعتمدة على الأمطار.   كما يؤكد التقرير أن باكستان لا تستغل مواردها المائية على النحو الأمثل، وأن ضعف إدارة الموارد المائية يقوض أمنها المائي. وأشار إلى أن المخاطر المائية طويلة الأجل لا تحظى بالتقدير الكافي، كما أن التدابير الرامية إلى الحد منها تظل محدودة.   وأضاف أن إدارة الموارد المائية في باكستان تعاني من عدد من أوجه القصور، من بينها ضعف حوكمة البيانات المائية، وهشاشة عمليات التخطيط، وانتشار التلوث، والاستغلال المفرط للمياه الجوفية، وانخفاض إنتاجية المياه، وضعف أنظمة التنبؤ الموثوق بالفيضانات والجفاف، إلى جانب تحديات أخرى.   وبالنظر إلى أن أكثر من 90% من المياه في باكستان تُستخدم في أغراض الري، فإن من الضروري تقليل الفاقد المائي وتحسين إنتاجية استخدام المياه لمواجهة التحديات الراهنة.   كما يلفت التقرير إلى أن باكستان لم تنشئ قدرات تخزينية كافية للمياه، علماً بأن نحو 80% من التدفقات المائية السنوية ترد خلال فترة تقارب أربعة أشهر.   ومن ثم، فإن عدم توافر سعات تخزينية مناسبة يحول دون توفير إمدادات مائية موثوقة لموسم الزراعة الشتوي.   ومن ثم، فإن الاستمرار في توجيه اللوم إلى الهند بسبب أوجه القصور في الحوكمة المائية داخل باكستان لن يسهم بأي شكل في معالجة هذه المشكلات.   بل يتعين على باكستان أن تعمل بجدية على تحسين إدارة مواردها المائية، لاسيما وأن متوسط الموارد المائية المتاحة لها يُعد كافياً.   إهدار المياه وانخفاض

اقرأ المزيد »
السياسة

معاهدة مياه نهر السند: اختلال التوازن القانوني واستغلال آليات المعاهدة في عرقلة التنمية الهندية

الجزء الثاني: العرقلة المنهجية واستغلال المعاهدة… والمساءلة المؤجلة 1. استغلال باكستان للمعاهدة كأداة ضغط سياسي واستراتيجي 1.1 العرقلة الممنهجة لمشروعات التنمية الهندية منذ توقيع معاهدة مياه نهر السند، استخدمت باكستان بصورة متكررة آليات تسوية النزاعات المنصوص عليها في المعاهدة ليس بهدف الوصول إلى حلول قانونية متوازنة، وإنما كوسيلة استراتيجية لتعطيل مشروعات التنمية الهندية، لا سيما مشروعات الطاقة الكهرومائية على الأنهار الغربية، رغم أن العديد منها يقع ضمن الحقوق المقررة للهند بموجب نصوص المعاهدة ذاتها. وقد واجهت مشروعات رئيسية، من بينها باغليهار وكيشنغانغا وباكال دول وتولبول، اعتراضات وإجراءات فنية وتحكيمية مطولة من الجانب الباكستاني، الأمر الذي تسبب في تأخير تنفيذها ورفع تكلفتها الاقتصادية والفنية. وفي أكثر من مناسبة، أقرت باكستان بما يمكن أن تحققه هذه المشروعات من فوائد تتعلق بتنظيم تدفقات المياه والحد من مخاطر الفيضانات، لكنها استمرت رغم ذلك في معارضتها. ويعكس هذا النهج نمطًا ثابتًا من توظيف المعاهدة كأداة لإعاقة التنمية في جامو وكشمير، وليس كإطار قانوني لتنظيم الاستخدام المنصف والمستدام للموارد المائية المشتركة. 1.2 توظيف سردية “حرب المياه” بالتوازي مع ذلك، عملت باكستان على بناء خطاب دولي يروّج لفكرة إمكانية استخدام الهند للمياه كوسيلة ضغط أو أداة عدائية، رغم التزام نيودلهي الكامل والدائم بأحكام المعاهدة على مدار عقود. وقد استخدمت هذه السردية في المحافل الدبلوماسية والأكاديمية والإعلامية بهدف حشد التعاطف الدولي وفرض ضغوط سياسية متعددة الأطراف على الهند، بما يقيّد قدرتها على الاستفادة من حقوقها المشروعة المنصوص عليها في الاتفاقية. وتكمن المفارقة الجوهرية في أن الهند لم تُسجَّل ضدها أي مخالفة لمعاهدة مياه نهر السند، سواء خلال حرب عام 1965 أو حرب 1971 أو نزاع كارجيل عام 1999 أو خلال أي مرحلة أخرى من تاريخ المعاهدة الممتد لأكثر من ستة عقود، وذلك رغم استمرار التوترات الأمنية والاتهامات المتعلقة بدعم الإرهاب العابر للحدود. 2. التداعيات التنموية والاستراتيجية على الهند 2.1 خسائر التنمية الزراعية والمائية فرضت القيود الواردة في المعاهدة آثارًا تنموية ممتدة على بعض المناطق الهندية الواقعة ضمن حوض نهر السند، حيث لا تزال مساحات واسعة من راجستان وأجزاء من البنجاب تعاني محدودية الوصول إلى الموارد المائية، رغم الإمكانات التي كان يمكن توظيفها لدعم التوسع الزراعي وتحسين الإنتاجية. ويمثل ذلك، وفق العديد من التقديرات، خسارة اقتصادية تراكمية كبيرة على مدار عقود، سواء فيما يتعلق بالأمن الغذائي أو كفاءة استغلال الموارد الطبيعية. 2.2 تعطّل استغلال الإمكانات الكهرومائية في جامو وكشمير تُعد جامو وكشمير من أكثر المناطق تأثرًا بالقيود التشغيلية والفنية المرتبطة بالمعاهدة، إذ تمتلك المنطقة إمكانات ضخمة لتوليد الطاقة الكهرومائية ما تزال غير مستغلة بصورة كاملة. غير أن القيود التصميمية والإجرائية، إلى جانب الاعتراضات المتكررة من الجانب الباكستاني، أدت إلى إبطاء تنفيذ العديد من المشروعات الحيوية، وخلقت حالة مستمرة من عدم اليقين القانوني والاستثماري. وقد عزز ذلك شعورًا متناميًا داخل الإقليم بأن المعاهدة لم تعد تُنظر إليها كإطار للتعاون المشترك، بل كآلية تحدّ من قدرة السكان المحليين على استثمار مواردهم الطبيعية وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. 2.3 انعكاسات مباشرة على أمن الطاقة أدى تعثر تطوير مشروعات الطاقة الكهرومائية على الأنهار الغربية إلى تقليص مساهمة مصدر طاقة نظيف ومتجدد في مزيج الطاقة الوطني الهندي، بما يحمله ذلك من آثار اقتصادية وبيئية واستراتيجية. وترى الهند أن استمرار القيود الحالية، مقرونًا بالاعتراضات المتكررة، ساهم في تعطيل الاستفادة المثلى من قدراتها المائية، حتى ضمن الحدود التي تتيحها المعاهدة نفسها. 3. الموقف الهندي: إعادة تقييم التوازن والالتزام المتبادل تنطلق الهند في موقفها من أن معاهدة مياه نهر السند تأسست على مبدأ تحقيق “الاستخدام الأمثل لمياه الحوض” في إطار من “حسن النية والصداقة المتبادلة”، وهي مبادئ ترى نيودلهي أنها تعرضت لتآكل تدريجي بفعل التطورات الأمنية والسياسية اللاحقة. وتؤكد الهند أن استمرارية أي اتفاق دولي لا تعتمد فقط على النصوص القانونية، بل كذلك على الالتزام المتبادل بروح الاتفاق وأسس العلاقات الطبيعية بين الدول. وفي هذا السياق، ترى نيودلهي أن استمرار الهجمات الإرهابية العابرة للحدود، بما في ذلك الهجوم على البرلمان الهندي عام 2001، وهجمات مومباي عام 2008، وأحداث باهالجام في أبريل 2025، يفرض إعادة تقييم شاملة للإطار الذي يحكم العلاقات الثنائية، بما في ذلك الاتفاقيات ذات الطابع الاستراتيجي. وتؤكد الهند أن أي مراجعة لموقفها تجاه المعاهدة لا ينبغي تفسيرها باعتبارها خطوة تصعيدية، بل باعتبارها محاولة لإعادة التوازن إلى اتفاق ترى أنه استمر لعقود في ظل التزام أحادي الجانب لم يقابله مستوى مماثل من حسن النية. رغم أن معاهدة مياه نهر السند غالبًا ما تُقدَّم كنموذج ناجح للدبلوماسية الدولية، فإن القراءة الهندية للمعاهدة تشير إلى أنها أفرزت واقعًا غير متوازن من حيث توزيع الموارد والالتزامات والقيود التشغيلية. فقد وافقت الهند، بموجب الاتفاق، على تخصيص النسبة الأكبر من مياه الحوض لصالح باكستان، كما ساهمت ماليًا في ترتيبات تنفيذ المعاهدة، والتزمت الكامل بأحكامها حتى خلال فترات النزاع العسكري والتوتر السياسي. وفي المقابل، ترى نيودلهي أن باكستان استخدمت آليات المعاهدة بصورة متكررة لتعطيل مشروعات التنمية الهندية، إلى جانب توظيف خطاب “حرب المياه” في الساحات الدولية، رغم غياب أي انتهاك موثق من الجانب الهندي. ومن هذا المنطلق، تعتبر الهند أن إعادة النظر في آليات تطبيق المعاهدة أو تعليق بعض جوانبها يأتي في إطار حماية مصالحها التنموية والاستراتيجية المشروعة، وتصحيح اختلال استمر لعقود في ظل غياب التوازن المتبادل في الالتزامات السياسية والأمنية.

اقرأ المزيد »

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

اخر الاخبار

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

error: Content is protected !!