
سفير أوكرانيا في القاهرة: استقلال الدول حق أصيل.. ومصر وأوكرانيا تدعمان سيادة القرار الوطني في عالم متعدد الأقطاب
رندة رفعت كلمة سعادة السيد ميكولا ناهورني، سفير أوكرانيا فوق العادة والمفوض لدى جمهورية مصر العربية، بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لاستعادة استقلال أوكرانيا الحق في اختيار المسار الوطني.. أوكرانيا ومصر وسيادة الدول في عالم متعدد الأقطاب تحتفل أوكرانيا في الرابع والعشرين من أغسطس 2026 بالذكرى الخامسة والثلاثين لاستعادة استقلالها، وهي مناسبة وطنية تحمل هذا العام دلالات عميقة، في ظل استمرار الحرب التي تشهدها البلاد للعام الخامس على التوالي. وفي أوقات السلم، تمثل ذكرى الاستقلال فرصة لاستحضار مسيرة الدولة وما حققته من إنجازات خلال العقود الماضية، إلا أن مفهوم الاستقلال بالنسبة إلى الأوكرانيين اكتسب اليوم أبعادًا أكثر ارتباطًا بقدرة الدولة على حماية سيادتها، وصون حدودها، واتخاذ قراراتها الوطنية بصورة مستقلة، والحفاظ على هويتها، وضمان حق مواطنيها في تحديد مستقبلهم. وتتجاوز هذه التجربة حدود أوكرانيا وأوروبا، لتطرح سؤالًا جوهريًا يتعلق بمستقبل النظام الدولي: هل يحق لكل دولة، بصرف النظر عن حجمها أو قوتها، أن تختار مسارها السياسي والاقتصادي والخارجي بحرية، دون أن تُفرض عليها خياراتها من جانب قوة أخرى؟ وبالنسبة إلى مصر ودول الجنوب العالمي، التي تحرص على استقلالية قرارها الاستراتيجي، وتنويع علاقاتها وشراكاتها الدولية، والحفاظ على دورها في عالم متعدد الأقطاب، فإن هذا السؤال يمثل قضية عملية وليست مجرد نقاش نظري. استقلال أكدته الإرادة الشعبية في 24 أغسطس 1991، أقر البرلمان الأوكراني وثيقة إعلان استقلال أوكرانيا، قبل أن يُطرح القرار على الشعب في استفتاء عام أُجري في الأول من ديسمبر من العام نفسه. وأيد 90.32% من المشاركين في الاستفتاء استقلال أوكرانيا، وحظي القرار بأغلبية في مختلف مناطق البلاد، بما في ذلك كييف ولفيف وأوديسا وخاركيف، وكذلك مقاطعتي دونيتسك ولوهانسك، إضافة إلى شبه جزيرة القرم ومدينة سيفاستوبول. وقد تجاوزت نسبة المشاركة 84%، بما عكس حجم التأييد الشعبي للقرار، وأكد أن استقلال أوكرانيا لم يكن مجرد نتيجة لتغيرات سياسية في نهاية الحقبة السوفيتية، وإنما خيارًا وطنيًا أقرته الإرادة الشعبية عبر عملية ديمقراطية واضحة. وخلال العقود التي تلت الاستقلال، عملت أوكرانيا على تطوير علاقاتها مع مختلف دول العالم، بما في ذلك روسيا والدول الأوروبية والولايات المتحدة والصين، إلى جانب دول آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. كما تخلت أوكرانيا طوعًا عن الترسانة النووية التي ورثتها، وشاركت في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، وطورت علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع شركاء متعددين، انطلاقًا من قناعة بأن الدولة ذات السيادة هي صاحبة الحق في تحديد مصالحها وشراكاتها. خارج منطق مناطق النفوذ تؤمن أوكرانيا بأن العالم المعاصر ينبغي ألا يقوم على مفهوم “مناطق النفوذ” التي تحدد للدول خياراتها وتحالفاتها، بل على احترام سيادة الدول وحقها في اتخاذ قراراتها الوطنية. ومن هذا المنطلق، فإن توجه أوكرانيا نحو تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي لا ينبغي اختزاله في إطار انتقال جيوسياسي من منطقة نفوذ إلى أخرى، وإنما يجب النظر إليه باعتباره خيارًا سياسيًا ومجتمعيًا اتخذته أوكرانيا انطلاقًا من رؤيتها لمستقبلها. فالاستقلال لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع الدول أو التجمعات الدولية، وإنما يعني امتلاك الدولة حرية اختيار شركائها، وبناء علاقاتها الخارجية وفقًا لمصالحها الوطنية، وتحديد أولوياتها بصورة مستقلة. وقد ارتبطت تطلعات المجتمع الأوكراني خلال السنوات الماضية بقيم ومبادئ تشمل الديمقراطية، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، وحرية التعبير والضمير والمعتقد، والمساواة أمام القانون، والتعددية السياسية، واحترام الكرامة الإنسانية. ولا تدعي أوكرانيا أن تجربتها الديمقراطية تخلو من التحديات، فهي تواصل العمل على مكافحة الفساد، وتطوير مؤسسات الدولة، وإصلاح المنظومة القضائية، وتعزيز كفاءة الإدارة العامة، رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب. لكن الأهم هو الحفاظ على اتجاه واضح نحو دولة تستمد شرعيتها من مواطنيها، وتخضع مؤسساتها للمساءلة، وتضع الإنسان وحقوقه في قلب عملية بناء الدولة. وفي هذا السياق، يمثل مسار التقارب مع الاتحاد الأوروبي عملية إصلاح مؤسسي وقانوني، وليس مجرد إعادة ترتيب للتحالفات الدولية. وتشمل مفاوضات الانضمام، التي بدأت في يونيو 2026، ملفات تتعلق بسيادة القانون، والحقوق الأساسية، والمؤسسات الديمقراطية، والإدارة العامة، والمعايير الاقتصادية. وبالتالي، فإن التقارب مع الاتحاد الأوروبي بالنسبة إلى أوكرانيا يرتبط بتطوير القوانين والمؤسسات الوطنية وتعزيز قدرتها، وليس بالتخلي عن السيادة الوطنية. مصر وأوكرانيا.. استقلالية القرار واحترام السيادة تتمتع جمهورية مصر العربية بتاريخ طويل من اتباع سياسة خارجية تقوم على حماية المصالح الوطنية، وتنويع الشراكات، والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية. وتنظر أوكرانيا باحترام إلى هذا النهج المصري، وإلى حرص القاهرة على الحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي، وتطوير علاقاتها مع مختلف الأطراف، والإسهام في معالجة الأزمات الإقليمية والدولية من خلال الحوار والدبلوماسية. كما تؤمن أوكرانيا بأن الحفاظ على قنوات الاتصال المفتوحة، وتشجيع الوساطة، والاستماع إلى مختلف الأطراف، تمثل عناصر ضرورية للتوصل إلى حلول سياسية للنزاعات. ولا يتعارض الانفتاح الدبلوماسي مع الالتزام بالقانون الدولي، بل يمكن أن يعزز فرص الوصول إلى السلام، عندما يستند الحوار إلى قواعد ومبادئ تحظى باعتراف المجتمع الدولي. ويظل ميثاق الأمم المتحدة الإطار الأساسي الذي يؤكد مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، ويدعو إلى تسوية النزاعات بالوسائل السلمية، ويرفض استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي. وهذه المبادئ لا تخص دولة بعينها، وإنما تمثل أساسًا مشتركًا للنظام الدولي، وهي المبادئ التي تتمسك بها الدول العربية والأفريقية في قضايا متعددة تتعلق بالسيادة ووحدة الأراضي واحترام الحدود المعترف بها دوليًا. ومن هذا المنطلق، ترى أوكرانيا أن احترام قواعد القانون الدولي يجب أن يكون مبدأ عالميًا، لأن إضعاف هذه القواعد في أي مكان يمكن أن ينعكس على أمن واستقرار الدول في أماكن أخرى. تداعيات الحرب تتجاوز الحدود الأوكرانية أظهرت التطورات الأخيرة أن آثار الحرب في أوكرانيا لا تقتصر على حدودها الجغرافية، وإنما تمتد إلى الاقتصاد العالمي، والأمن الغذائي، وسلاسل الإمداد، وأمن الملاحة في البحر الأسود. وتكتسب سلامة الموانئ الأوكرانية وحرية الملاحة أهمية خاصة بالنسبة إلى دول الشرق الأوسط وأفريقيا، نظرًا للدور الذي تلعبه المنطقة في حركة التجارة الدولية وإمدادات الحبوب والمنتجات الزراعية. وتواصل أوكرانيا، رغم ظروف الحرب، أداء دور مهم في الأسواق الزراعية العالمية، وهو ما يجعل استقرار قطاعها الزراعي وموانئها البحرية قضية ذات أهمية تتجاوز حدودها الوطنية. كما أن تداعيات الحرب الإنسانية والأمنية أصبحت أكثر اتساعًا، في ظل مشاركة مواطنين من دول مختلفة في العمليات العسكرية، وما يترتب على ذلك من خسائر بشرية وتحديات إنسانية وأمنية تؤكد أن النزاعات المعاصرة نادرًا ما تظل محصورة في نطاق جغرافي واحد. أنطونوف “مريا”.. رمز للقدرة على إعادة البناء وتجسد قصة طائرة أنتونوف أن-225 “مريا”، التي كانت أكبر طائرة نقل في تاريخ الطيران، جانبًا من القدرات الهندسية والتكنولوجية التي طورتها أوكرانيا. كما أصبحت الطائرة، بعد تدميرها








