الكاتب والباحث السياسي الكردي السوري – المهندس أحمد شيخو مع الثورة التكنولوجية و الرقمية وأجيال الانترنت المختلفة وتوسعها وانتشارها في المنطقة والعالم، تأثرت كافة جوانب الحياة والعمل وكذلك السلوكيات وطرائق التفكير والمقاربات ، ولعل أحد الساحات أو الميادين هي السياسة و تفاعلاتها و وكذلك التأثير والعلاقات الدبلوماسية التي تم إدخال الكثير من التعديلات إليها وحتى صياغة أنواع من الدبلوماسيات الجديدة لمواكبة التطور الكبير في الرقمنة وعوالم الاتصال والتأثير والفواعل الجديدة الظاهرة، حيث بات الكثير من العلاقات متأثرة إلى حد ما بالتفاعل الجماهير أو الرأي العام ونبضه أو أنها ملزمة بأخذها بعين الاعتبار أو بضرورة الشرح والتسويق الكافي للمجتمعات والشعوب، حيث أن الغرف المغلقة والكواليس في الدبلوماسية التقليدية تغيرت بشكل أو أخر ولم تعد كما السابق، لنحاول فهم تأثير الرقمية أو دخول الأنترنت إلى المجال الدبلوماسي والعلاقات في ظل تزايد أهمية الدبلوماسية الشعبية أو المجتمعية وكذلك ظهور مفهوم السفير الرقمي(تكنوبلوماسي) و الدبلوماسية الرقمية( التكنوبلوماسية )، التي بات أغلب الدول وزارات الخارجية وحتى القوى المجتمعية والأحزاب والتيارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني والأشخاص يدركون أهميتها ويستعملونها بشكل يومي وفي أصعب المراحل والأزمات و كذلك أوقات السلم وفي مجالات الاقتصاد والأمن والثقافة والصحة والتعليم لتحقيق التأثير والأهداف المطلوبة في ظل الكثرة والتضخم المعلوماتي والاختراق الوارد والحاصل في العديد من الأحيان.لقد كانت العلاقات بين المجتمعات والشعوب والدول ومنذ القدم من أهم الأعمال النبيلة التي يؤديها الناس الحكماء وأصحاب الخبرة والتأثير والإرادة الخلاقة لبناء تركيبات مجتمعية جديدة وكذلك لتحقيق منافع ومصالح مشتركة واحتياجات متبادلة، و لكن مع تمأسس هذه العلاقة مع الدول والسلطات تم حصرها وعملها لما هي لخدمة اصحاب النفوذ والقوة ولذلك خرجت عن جوهرها وأصبحت بغرض الربح والهيمنة والنهب وتم توظيف الحرب والسلم كحالة ووصف وأدوات للعلاقة والدبلوماسية لتحقيق المطلوب. لكن مع فشل نظام الهيمنة العالمية وأدواتها من الدول القومية والسلوك النمطي والأحادي والأنانية في تحقيق العلاقات ومصالح الشعوب والدول القائمة، ظهرت مرة أخرى أهمية دور المجتمعات والشعوب في حقل العلاقات والتفاعل والتأثير، ولعل عدم كفاية الدبلوماسية الرسمية للدول في تحقيق المطلوب أكد مرة أخرى الحاجة إلى الدبلوماسية المجتمعية الديمقراطية كدبلوماسية الأمة الديمقراطية التي تهدف إلى الأخوة والتعايش المشترك وحل القضايا وفق الحلول الديمقراطية والتحول الديمقراطي وريادة المرأة وحضورها في المشهد التفاعلي والدبلوماسي وليس السعي إلى السلطة والدولة القومية والهيمنة والنهب.إن ظهور الدبلوماسية الرقمية اعطت دفعاً لتفاعل المجتمعات والشعوب وحضورهم الدبلوماسي ولكنها تحمل في نفس الوقت الكثير من المخاوف والتحديات التي يجب أخذها بالحسبان في ظل وجود إمكانية لتسويق المعلومة الخطأ بدل الصحيحة لخدمة مصالح القوة والمراكز والشركات التي تمتلك التكنولوجية الفريدة للرصد والإرسال والتشويش.تعريف:لا يوجـد للدبلوماسية الرقمية تـعريـف محـدد لها بين الباحثين ، لما يتمتع به المصطلح من مرونـة وتطور جديد وسريع ، مع التراكم الأسي للمعلومات والبيانات الحالية ، فوفقا لـبعض الباحثين ، تشير الدبلوماسية الرقمية بشكل مركز إلى الاستخدام المتزايد لمنصات الإعلام الافتراضي من الدولة ؛ لتحقيق سياستها الخارجية ، وإدارة سمعتها وصورتها بشكل يستبق أي تشـويش أو يتصـدى له.كما عرفه البعض الأخر بأن الدبلوماسية الرقمية هي استخدام أدوات الاتصال الرقمية بواسطة الدبلوماسيين للتواصل مع بعضهـم ومع عامة الناس.وقال البعض الأخر بأنها المارسات الدبلوماسية من خـلال التقنيات الرقمية والشبكات ، بما فيها الإنترنت والأجهزة المحمولة وقنـوات التواصـل الافتراضي.وقـد عرفها “فيرغوس هانسون (Hanson Fergus)” بأنها استخدام الإنترنت وتقنيات الاتصالات المعلوماتية الجديدة للمساعدة في تنفيذ الأهداف الدبلوماسية، ورأى ” هانسـون ” الدبلوماسية الرقمية بوصفها مصطلحا جديدا أنها استخدام الإنترنت وتقنيات الاتصـال والمعلومات للمساعدة في تحقيق الأهداف الدبلوماسية.، أما “أولوبوكولا أديسيناOlubukola, Adesina ) )” أكدت أن الدبلوماسية الرقمية أحد العوامل الرئيسة التي أثرت في الدبلوماسية في هذا العصر ، لما أحدثته ثورة تكنولوجيـا المعلومات والاتصالات من تأثير في طريقة التواصل مع الجماهير وتبادل المعلومات ، بحيث أدت إلى تغيرات جوهرية في الحياة السياسية والاجتماعية و الاقتصادية في أنحاء العالم.لكن مكتب الشـؤون الخارجية في بريطانيا تقول أن الدبلوماسية الرقمية هي حل مشكلات السياسة الخارجيـة باستخدام الإنترنت .أما وزارة الخارجية الأمريكية فاستخدمت فن الحكم في القرن الحادي والعشرين، تعريفا للدبلوماسية الرقمية. و أطلقت وزارة الخارجية الكندية عليها اسـم ” السياسة المفتوح” أمـا وزارة الخارجية الفرنسية فتعد الدبلوماسية الرقمية امتدادا للدبلوماسية بمفهومها التقليـدي ، مع استنادها إلى الابتكار واستعمال التكنولوجيـا لنقل المعلومات ، للإسهام في تغيير وجه النشاط الدبلوماسي ، وهي أولوية ضمن وزارة الشـؤون الخارجية الفرنسية تتجه إليها للتأثير الدبلوماسي على المسـتـوين الرسمي وغير الرسمي ، وإدارة المعلومات والمعارف والمسائل الخاصة بالخدمات العامة .ونستطيع أن نقول في تعريف شامل للدبلوماسية الرقمية(Digiplomacy) أو الإلكترونية(eDiplomacy) بأنها : ” أهم وسائل التفاعل والتأثير والترويج للسياسة الخارجية للدولة أو المجتمع أو الشعب أو الشركة أو أي جهة أو منظمة أو قوى ، وتكمن قدرتها في تحـويـل البيانات الكبيرة والمعطيات إلى معلومات ومعرفة وصور وفيديوهات وأشكال التعبير المختلفة، يعاد توجيهها بحكمة من صانع القرار في الأطر الدبلوماسية والعلاقاتية ، سواء داخل الدولة كوزارة الخارجية أم خارجها عبر سفاراتها المنتشرة في العالم أو ضمن المجتمعات والشعوب والتنظيمات والقوى والشركات وممثليهم في الداخل والخارج ، باستخدام الأدوات التقنية الجديـدة ومنصات التواصل الافتراضي للتأثير في الجماهير المحلية و الإقليمية والخارجية ، وتفسير وجهة نظر الفاعل والمرسل حول الأزمات التي تتعرض لها بطريقة القوة الناعمة كجزء من القوة الذكية ، و تحتاج إلى فهم أعمق لتاريخ وثقافة الشعوب والمجتمعات والمنطقة التي تقدم إليهم الرسائل السياسية وعاداتها وتقاليدها والقواسم المشتركة ومقدساتها الاجتماعية واحتياجاتها المرحلية والمصيرية”الأهداف:وقد حدد هانســون أهــداف الدبلوماســية الرقميــة وهي (2012 ، Hanson ):1- تضافر الجهود بين دوائر الدولة كافة لإدارة الموارد ذات العلاقة ، وتسخير ثروتها البشرية بحيث يتم استخدامها بالطريقة المثلى لتحقيق المصالح الوطنية في الخارج وزيادة قوتها الناعمة .2- الحفاظ على التواصـل مـع الجماهير في العالم الافتراضـي وتسخير أدوات الاتصـال الجديدة للاستماع إلى الجمهور والتواصـل معـه والتأثيـر عليـه باستخدام الرسائل الرئيسية للدولة عبر الإنترنت .3- الاستفادة من التدفق الهائل للمعلومات واستخدامها في تحسين عملية وضع السياسات ، والمساعدة على توقع الحركات الاجتماعية والسياسية الناشئة والاستجابة لها .4- إغنـاء الاتصالات القنصليـة مـع الجمهـور وإنشـاء قنـوات اتصـال شخصية مباشرة مع المواطنين المسافرين في الخارج ، بحيث يمكن التواصـل معهـم في الأزمات .5- تعزيز حرية التعبيـر والديمقراطيـة فضـلا عـن تقـويـض النظـم الاستبدادية ، حيث إن هـذه التكنولوجيـا تتيح للجميع استخدامها والتعبيـر عـن الـرأي دون احتكار هـذه الوسائل من أي جهـة كانت .6- إنشاء آليات رقمية للاستفادة من الخبرات والموارد الخارجية ( السفارات والقنصليات ) وتسخيرها النهوض بالأهداف الوطنية .بداية الدبلوماسية الرقمية.يشار،عادة، إلى كاسبر كلينج Casper Klynge على أنه أول سفير تكنولوجي أو سفير ” تكنوبلوماسي ” في العالم، حيث عيّنته الدنمارك سفيرا لدى شبكات “الجمهوريات الافتراضية” بما فيها الشركات المتخصصة في صناعة الهواتف الذكية