الناطق الرسمي باسم لجنة الأمل للعودة الطوعية في حوار المكاشفة مع حافظ الخير:
«نعمل تحت مظلة السفارة السودانية بالقاهرة.. ونلتزم بقوانين الشراء والتعاقد والنزاهة والشفافية»
البلال: النقد الموضوعي مرحب به.. والأخطاء الفردية لا تُحمّل لمؤسسة بأكملها
«العودة الطوعية مجانية.. ولا يحق لأي عائد دفع أي مقابل مقابل التفويج»
أجراه: حافظ الخير
مع اقتراب لجنة الأمل للعودة الطوعية من إكمال عام على انطلاق عملياتها لتفويج السودانيين من مصر إلى السودان، تواصل اللجنة عملها وسط ظروف إنسانية ولوجستية ومالية معقدة، في محاولة للاستجابة للطلب المتزايد من السودانيين الراغبين في العودة إلى وطنهم.
وخلال الأشهر الماضية، أصبحت مشاهد الحافلات التي تقل السودانيين من القاهرة إلى السودان جزءاً من قصة إنسانية أوسع فرضتها ظروف الحرب والنزوح، فيما تعمل اللجنة، وفق ما يؤكده مسؤولوها، على إدارة عمليات التفويج وفق الموارد المتاحة وبالتنسيق مع الجهات الرسمية والشركاء والمتطوعين.
وفي ظل الحديث عن الموارد المالية، والرقابة، وبعض الانتقادات الإعلامية التي طالت أداء اللجنة، أجرت صحيفة «كاليفورنيا تايمز» حواراً مع الأستاذ عاصم البلال الطيب، عضو اللجنة التنفيذية ورئيس لجنة الإعلام والناطق الرسمي باسم لجنة الأمل للعودة الطوعية، خلال وجوده في أحد ميادين التفويج بالقاهرة، بالتزامن مع مغادرة 15 حافلة تقل 735 سودانياً من منطقة المطبعة بالجيزة عبر شركة العزيزية.
الحوار تناول مستقبل عمليات التفويج، مصادر التمويل، آليات الرقابة، الانتقادات الإعلامية، الحديث عن مخالفات فردية، إلى جانب إمكانية امتداد تجربة اللجنة إلى السودانيين في إثيوبيا وليبيا.
التفويج مستمر رغم الضغوط
كيف تسير عمليات تفويج السودانيين؟ وهل هناك مخاوف من توقفها؟
قال عاصم البلال إن عمليات التفويج تتواصل بصورة منتظمة، وتتراوح حالياً بين مرتين وثلاث مرات أسبوعياً، وفق مراجعات دورية تستند إلى حجم الطلب والموارد المتاحة والمعطيات الميدانية.
وأوضح أن اللجنة تعمل على زيادة عدد الرحلات أو تقليصها بحسب الظروف، بما يضمن استمرارية البرنامج وعدم استنزاف الموارد بصورة قد تؤثر في قدرته على مواصلة العمل.
وأضاف أن التفويج الذي شهدته منطقة المطبعة بالجيزة، بالتزامن مع إجراء الحوار، شمل 15 حافلة تقل 735 سودانياً، بينهم طلاب من مؤسسات التعليم العالي، وموظفون بوزارة مجلس الوزراء ووزارة العدل، إلى جانب حالات إنسانية ومرضية خاصة، وأشخاص سبق تسجيلهم عبر الرابط الإلكتروني خلال الأشهر الماضية.
وأكد أن التسجيل الإلكتروني يمثل الآلية الأساسية التي تعتمد عليها اللجنة لتنظيم قوائم العائدين، مع استمرار فرق التواصل والمتابعة في معالجة الحالات التي يتعذر الوصول إليها بسبب ضعف شبكات الاتصال أو فقدان الهواتف.
وأشار إلى أن اللجنة تراعي الحالات الطارئة والإنسانية عند إعداد قوائم التفويج، مؤكداً أن الهدف الأساسي هو الحفاظ على انتظام العودة وعدم تحويل الموارد المحدودة إلى عمليات عشوائية غير قابلة للاستمرار.
الموارد.. التحدي الأكبر
تردد أن اللجنة تواجه أزمة في التمويل.. فهل تراجع دعم الحكومة والمانحين؟
أوضح البلال أن المهندس محمد وداعة، رئيس اللجنة، موجود في الخرطوم ويعمل على توسيع قاعدة الشراكات وتعزيز الموارد المالية بما يضمن استمرار عمليات التفويج.
وأشاد بالدعم الذي تلقته اللجنة من مؤسسات الدولة والمانحين ورجال الأعمال والمتبرعين ومختلف الجهات التي ساهمت في إنجاح عمليات العودة منذ انطلاقها.
وأشار إلى أن اللجنة تلقت في مراحلها الأولى دعماً من الحكومة، ممثلة في وزارة المالية وعدد من الأجهزة والمؤسسات الرسمية، إلى جانب مساهمات أخرى ساعدت في تنفيذ عمليات تفويج جماعي، من بينها نقل طلاب امتحانات الشهادة وأسرهم، فضلاً عن المساهمة في معالجة أوضاع بعض المرحلين والموقوفين بسبب مخالفات قوانين الإقامة، وكبار السن والحالات الإنسانية الخاصة.
وقال إن بعض خطوط الطيران ورجال الأعمال قدموا أيضاً تسهيلات ومساهمات، إلا أن حجم الاحتياجات ما زال يتطلب استمرار الدعم.
وأكد أن تجربة لجنة الأمل لا تقتصر على عملية نقل مواطنين من دولة إلى أخرى، وإنما أصبحت مرتبطة بملف إقليمي أوسع يتعلق بالسودانيين الموجودين في دول الجوار.
وقال:
«الرحلة ما زالت طويلة، واللجنة تحتاج إلى موارد ودعم مستمر من الدولة والمجتمع حتى تتمكن من أداء مهامها.»
«التفويج لن يتوقف»
وشدد البلال على أن اللجنة تعمل على تعبئة الموارد والبحث عن شراكات جديدة، مؤكداً أن التفويج مستمر ولن يتوقف.
وأوضح أن التوقف الوحيد الذي حدث خلال الفترة الماضية كان في عطلات العيدين، باعتبارها عطلات رسمية في الدولة المضيفة.
وقال إن اللجنة تتعامل مع الموارد المتاحة بحسابات دقيقة، بحيث توازن بين حجم الطلب وعدد الرحلات والقدرة المالية على الاستمرار.
وأكد أن اللجنة لا تفرض رسوماً أو جبايات على المواطنين الراغبين في العودة، وإنما تعتمد على التبرعات والمساهمات التي يتم جمعها عبر حسابها تحت مظلة سفارة السودان بالقاهرة.
وأضاف أن اللجنة تتطلع إلى توسيع المشاركة المجتمعية، مقترحاً إنشاء آلية شعبية منظمة لدعم العودة، من بينها فكرة «جنيه العودة الطوعية»، بما يتيح للمواطنين المساهمة في مساعدة مواطنيهم على العودة إلى الوطن.
الرقابة والشفافية
هناك تساؤلات حول أوجه الصرف وإدارة الأموال.. كيف تردون؟
أكد البلال أن ولاية اللجنة على المال العام تخضع، بحسب قوله، للقنوات الرسمية ذات الصلة، وفي مقدمتها وزارة المالية وديوان المراجع العام عبر الأطر الرسمية بالسفارة السودانية في القاهرة.
وقال:
«نعمل تحت مظلة السفارة، ونلتزم بقوانين الشراء والتعاقد، ونحرص على النزاهة والشفافية.»
وأضاف أن اللجنة تدرك حساسية التعامل مع الموارد المالية العامة والتبرعات، ولذلك فإن عمليات التفويج تخضع لإجراءات تنظيمية ورقابية، بمشاركة أعضاء اللجنة والمتطوعين والجهات ذات الصلة.
الانتقادات الإعلامية.. «نرحب بالنقد الموضوعي»
تعرضت اللجنة لانتقادات من بعض الإعلاميين.. ما ردكم؟
قال البلال إن اللجنة لا تعتبر نفسها فوق النقد، وإن أبوابها مفتوحة أمام الاستفسارات والملاحظات.
وأضاف أن بعض الانتقادات، من وجهة نظره، لم تستند إلى معلومات مكتملة، بينما يرى أن انتقادات أخرى كانت موضوعية ومطلوبة لتقويم الأداء.
وأشار إلى أنه قرأ قبل إجراء الحوار مقالاً للكاتب الصحفي عبد الباقي جبارة، معتبراً أنه تناول أداء اللجنة بصورة موضوعية.
وأكد أن الرقابة الإعلامية تمثل، في رأيه، إحدى الأدوات المهمة للحفاظ على المال العام والمؤسسات العامة، شرط أن تستند إلى المعلومات والوثائق وألا تتحول إلى اتهامات غير مثبتة.
وقال:
«اللجنة ليست بقرة مقدسة، ونحن نرحب بالنقد طالما كان موضوعياً ويستند إلى معلومات.»
وأوضح أن اللجنة، بعد انتهاء مهمتها، ستخضع أعمالها للمراجعة من الجهات المختصة، مشيراً إلى أن تقييم التجربة ينبغي أن يتم بصورة متوازنة، وأن الحكم النهائي على الأداء يجب ألا ينفصل عن الظروف التي عملت فيها اللجنة وحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها.
أخطاء الأفراد لا تعني فساد المؤسسة
ماذا عن الحديث عن بيع تذاكر أو مخالفات في بعض عمليات التفويج؟
قال البلال إن إثبات المخالفات يحتاج إلى أدلة وتحقيقات وإجراءات قانونية، مؤكداً أن أي عمل بشري يمكن أن يشهد أخطاء أو تجاوزات فردية.
وأضاف أن ثبوت مخالفة ارتكبها شخص لا يعني بالضرورة تحميل المؤسسة بأكملها مسؤولية فعل فردي، موضحاً أن المسؤولية يجب أن تقع على من تثبت مخالفته، مع محاسبة الإدارة إذا ثبت وجود تقصير أو تواطؤ من جانبها.
وأشار إلى أن خبرته الصحفية الممتدة لأكثر من أربعة عقود جعلته يدرك أن المؤسسات العامة والخاصة ليست بمنأى عن الأخطاء الفردية، وأن المطلوب هو اكتشاف المخالفة والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤول عنها ومنع تكرارها.
وأكد أن اللجنة تتعامل مع الحالات الميدانية بصورة جماعية، بدءاً من رئيس اللجنة وحتى أصغر متطوع مشارك في عمليات التفويج.
وشدد على أن موقع التفويج يحمل رسالة أساسية مفادها أن العودة طوعية ومجانية، وأنه لا يجوز للعائد دفع أي مقابل للحصول على فرصة التفويج.
ودعا المواطنين أنفسهم إلى ممارسة دورهم الرقابي، قائلاً إن حماية حقوق العائدين ليست مسؤولية اللجنة وحدها، وإنما مسؤولية مشتركة بين المواطن واللجنة والجهات الرسمية والإعلام.
الإعلام المصري.. حضور داعم ورقابي
كيف تنظرون إلى حضور الإعلام المصري في ملف العودة الطوعية؟
قال البلال إنه لا يعتبر حضور الإعلام المصري في أنشطة اللجنة تدخلاً، بل يرى أن وجود الصحفيين والإعلاميين المصريين لتغطية عمليات العودة يمثل جزءاً من المشهد الإعلامي الطبيعي.
وأشاد بالإعلاميين المصريين الذين يتابعون عمل اللجنة، مشيراً إلى أن بعضهم يركز بصورة خاصة على جوانب القصور والانتقادات، وهو حق مهني ما دام يتم في إطار المعلومات والتحقق.
وأضاف أن الاختلاف في زاوية التناول الإعلامي أمر طبيعي، وأن الحكم في النهاية يعود إلى الجمهور الذي يقرأ ويستمع ويتابع مختلف الروايات.
السودانيوين في إثيوبيا.. ملف يحتاج إلى تحرك عاجل
هناك أوضاع صعبة للسودانيين في إثيوبيا.. هل يمكن للجنة التدخل؟
قال البلال إن ملف السودانيين في إثيوبيا يحتاج إلى ترتيبات عاجلة لنقل الراغبين في العودة إلى السودان، مؤكداً استعداد لجنة الأمل للمساهمة في هذا الملف إذا تم تكليفها أو تفويضها رسمياً.
وأشار إلى أنه تلقى رسالة من أحد السودانيين الموجودين في إثيوبيا تتحدث عن صعوبات تواجه بعض الأسر الراغبة في المغادرة، من بينها مطالبات مالية مرتبطة بإجراءات الإقامة والمغادرة، بحسب ما ورد إليه.
وأكد أن هذه المعلومات تحتاج إلى التحقق والتعامل معها بصورة عاجلة، وأن اللجنة مستعدة للتعاون مع الدولة والمجتمع في حال إسناد مهمة تفويج السودانيين في إثيوبيا إليها.
ليبيا.. عودة عبر مصر تحتاج إلى ترتيبات ثلاثية
وحول السودانيين الموجودين في ليبيا، كشف البلال عن ترتيبات لعودة أعداد كبيرة من السودانيين الموجودين هناك عبر الأراضي المصرية.
وأوضح أن تنفيذ مثل هذه العمليات يحتاج إلى تنسيق دقيق بين الدول الثلاث، خصوصاً فيما يتعلق بالمعابر والطاقة الاستيعابية وإجراءات الدخول إلى السودان.
وأشار إلى أن حجم العودة الحالية يضع ضغوطاً على المعابر التي لم تكن مصممة أساساً لاستيعاب موجات كبيرة من العائدين، وإنما لحركة الركاب والبضائع والتجارة.
وقال إن أحداً لم يكن يتوقع أن تشهد المنطقة حركة عودة بهذا الحجم، مؤكداً أن العودة إلى الوطن، رغم كونها خياراً إنسانياً مهماً، تظل بالنسبة لكثير من الأسر رحلة شاقة تتطلب دعماً وتنظيماً وتنسيقاً واسعاً.
«العودة إلى الوطن قصة إنسانية قبل أن تكون عملية نقل»
وفي ختام الحوار، أكد عاصم البلال أن لجنة الأمل للعودة الطوعية تعمل في جوهرها كجهد مجتمعي، وأن غالبية المشاركين في أعمالها متطوعون.
وقال إن ما تقوم به اللجنة يمثل محاولة لمساعدة السودانيين على تجاوز واحدة من أصعب مراحل النزوح والاغتراب التي فرضتها ظروف الحرب، مؤكداً أن أي أوجه قصور أو أخطاء يمكن معالجتها عبر المراجعة والتطوير والمحاسبة عند ثبوت المخالفات.
وأشاد بالمهندس محمد وداعة، رئيس اللجنة، وبأعضاء اللجنة والمتطوعين وفرق النقل والإعلام، مؤكداً أن استمرار عمليات التفويج يعتمد على تكامل أدوار الدولة والمجتمع والمانحين والمتطوعين والإعلام والمواطنين.
وبينما تتواصل الحافلات في رحلتها من القاهرة نحو السودان، تبدو قصة لجنة الأمل، في جانبها الإنساني، أكبر من مجرد برنامج لنقل المسافرين؛ فهي تعكس محاولة مجتمع كامل لمساعدة أبنائه على عبور المسافة بين واقع اللجوء والنزوح وبين حلم العودة إلى الوطن.
وفي كل حافلة تغادر القاهرة، تحمل الأسر السودانية معها أكثر من حقائبها؛ تحمل ذاكرة مدن تركتها قسراً، وأملاً في الوصول إلى أرض الوطن، ورغبة في أن تكون العودة بداية جديدة بعد سنوات من الحرب والتشرد.










