بمشاركة أكثر من 31 دولة.. مؤتمر برعاية القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية يفتح مساراً للتعاون الأمني والاقتصادي والتكنولوجي ويضع مقترحات عملية لمواجهة التحديات العابرة للحدود
بنغازي – رندة رفعت
في رسالة تتجاوز حدود النقاش التقليدي حول مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، احتضنت مدينة بنغازي أعمال مؤتمر الشراكة الدولية لمكافحة الإرهاب والحد من الهجرة غير النظامية، برعاية القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية، وتنظيم مؤسسة 2030، وبالتعاون مع جامعة بنغازي، بمشاركة ممثلين عن أكثر من 31 دولة، ونخبة من المسؤولين والخبراء والباحثين والمتخصصين في الملفات الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية والدولية.

وعلى مدار أيام انعقاده، من 3 إلى 5 نوفمبر الجاري، تحول المؤتمر إلى منصة للحوار متعدد الأطراف حول واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في المشهد الإقليمي والدولي، حيث لم تقتصر المناقشات على التدابير الأمنية ومراقبة الحدود، بل امتدت إلى بحث الجذور الاقتصادية والاجتماعية للهجرة، وعلاقة شبكات التهريب والجريمة المنظمة بالتحديات الأمنية، ودور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتبادل المعلومات في بناء منظومة أكثر كفاءة للوقاية والاستجابة.
وشهدت أعمال المؤتمر حضور رئيس الحكومة الليبية الدكتور أسامة حماد، إلى جانب مسؤولين حكوميين وأمنيين وعسكريين وأكاديميين، فيما عكست المشاركة الدولية اتساع الاهتمام بضرورة بناء آليات تعاون تتعامل مع الظاهرتين باعتبارهما تحديين عابريْن للحدود، لا يمكن لأي دولة مواجهتهما بمعزل عن محيطها الإقليمي وشركائها الدوليين.
بنغازي.. من مواجهة التحديات إلى استضافة الحوار الدولي
يحمل انعقاد المؤتمر في بنغازي دلالة تتجاوز اختيار المدينة مقراً لاستضافة فعالية دولية؛ إذ يضعها في قلب نقاش إقليمي ودولي يتصل بأمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ومواجهة شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، وتعزيز الاستقرار في منطقة تتشابك فيها الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية والتنموية.

وتبرز أهمية هذا المسار في ظل الموقع الجغرافي لليبيا، وما يفرضه من مسؤوليات وتحديات ترتبط بأمن المجال الإقليمي ومسارات الهجرة وحركة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، فضلاً عن انعكاسات الأوضاع في دول الجوار على استقرار المنطقة.
ومن هذا المنطلق، اكتسبت رعاية القيادة العامة للقوات المسلحة للمؤتمر بعداً مؤسسياً واستراتيجياً، من حيث إتاحة مساحة للحوار بين الخبرات الأمنية والعلمية والدولية، وربط الاعتبارات المرتبطة بأمن الحدود برؤية أوسع للتعاون وتبادل الخبرات وبناء القدرات.
الأمن وحده لا يكفي.. التنمية شريك أساسي في مواجهة الهجرة
ومن أبرز القضايا التي فرضت حضورها خلال المناقشات ضرورة الانتقال من التعامل مع الهجرة غير النظامية باعتبارها ملفاً أمنياً منفرداً إلى مقاربة شاملة تربط بين حماية الحدود، وتجفيف منابع الجريمة المنظمة، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية في مناطق المنشأ والعبور.
فالهجرة غير النظامية ليست مجرد تحركات سكانية، بل تتداخل معها شبكات تهريب واتجار بالبشر، وأوضاع اقتصادية وتنموية معقدة، الأمر الذي يجعل المعالجة المستدامة مرهونة بتكامل الأدوار الأمنية والاقتصادية والإنسانية والتكنولوجية.
كما برزت أهمية التمييز بين المهاجرين الذين تدفعهم الظروف إلى البحث عن فرص للحياة، وبين الشبكات الإجرامية التي تستغل أوضاعهم وتحوّل مسارات الهجرة إلى أنشطة غير مشروعة، بما يستدعي توجيه المواجهة نحو تفكيك تلك الشبكات وملاحقة مصادر تمويلها وتعزيز التعاون القضائي والأمني بشأنها.
خالد الكاديكي: مستقبل مكافحة الهجرة يرتبط بمنظومة تجمع الأمن والتكنولوجيا والتنمية والاستثمار
وفي حوار خاص على هامش المؤتمر، وبعد انتهاء فعالياته، قدم المستشار الدكتور خالد الكاديكي، الخبير الاستراتيجي في التنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، رؤية تتجاوز المعالجة التقليدية لملف الهجرة غير النظامية، مؤكداً أن مستقبل المواجهة يرتبط ببناء منظومة متكاملة تجمع بين الأمن والتكنولوجيا والتنمية الاقتصادية والشراكات الدولية.

ورداً على ما إذا كان مستقبل مكافحة الهجرة غير النظامية يعتمد على منظومة متكاملة تجمع التكنولوجيا والتنمية والاستثمار والشراكة الدولية، قال الكاديكي:
«بالتأكيد، لأن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي. نحن بحاجة إلى استراتيجية متكاملة تجمع بين الأمن والتكنولوجيا والتنمية الاقتصادية، وخلق فرص العمل في مناطق العبور والمناطق الأكثر تأثراً بالهجرة».
وطرح الكاديكي تصوراً عملياً يمكن أن يشكل أحد المسارات المستقبلية للتعاون الإقليمي، يتمثل في تأسيس منصة إقليمية مشتركة للإنذار المبكر وتبادل المعلومات حول الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، بمشاركة ليبيا والدول العربية والإفريقية والشركاء الدوليين.
وأوضح أن أهمية هذه المنصة لا تقتصر على جمع المعلومات أو رصد التحركات، وإنما تمتد إلى تكاملها مع برامج التنمية والاستثمار والتدريب، لتتحول إلى نموذج قابل للتطبيق والتوسع، يربط بين سرعة الاستجابة الأمنية ومعالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تسهم في تفاقم الظاهرة.
وفي قراءة لنتائج المؤتمر وما ينبغي أن يترتب عليها، شدد الكاديكي على أن معيار النجاح الحقيقي لا يتمثل في حجم المشاركة أو عدد الجلسات، وإنما في القدرة على تحويل النقاشات إلى مشروعات وشراكات وبرامج قابلة للتنفيذ، قائلاً:
«نجاح هذا المؤتمر لا يُقاس بعدد الجلسات أو المشاركين، وإنما بمدى قدرتنا على تحويل ما طُرح خلال الأيام الثلاثة إلى شراكات ومشروعات وبرامج تنفيذية على أرض الواقع».
واختتم رؤيته بالتأكيد على أن ليبيا لا ينبغي النظر إليها باعتبارها دولة تواجه تحديات الهجرة فحسب، بل يمكنها أن تكون شريكاً محورياً في بناء منظومة إقليمية ودولية أكثر أمناً واستقراراً.
من أوراق البحث إلى آليات التنفيذ
وعكست المناقشات العلمية للمؤتمر أهمية توظيف الدراسات المتخصصة والخبرات الميدانية في صياغة سياسات أكثر ارتباطاً بطبيعة التحديات القائمة، حيث تناولت الأوراق البحثية أبعاداً أمنية وقانونية واقتصادية وتقنية وإنسانية، إلى جانب قضايا أمن الحدود والتنسيق المؤسسي ومكافحة تمويل الإرهاب وتطوير آليات الإنذار المبكر.
كما أكدت مخرجات المؤتمر أهمية تبني استراتيجية وطنية متكاملة لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، وتعزيز تبادل المعلومات والخبرات إقليمياً ودولياً، وتشكيل فريق عمل متخصص لدراسة المخرجات وإعداد خطة تنفيذية تستند إلى توصيات الباحثين والخبراء.
الشراكة الدولية.. الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المؤتمر
إن القيمة الاستراتيجية لمؤتمر بنغازي لا تتوقف عند انعقاد جلساته أو اتساع المشاركة الدولية، بل تتصل بما يمكن أن يترتب عليه من مسارات تعاون مؤسسي مستدام، وتطوير قدرات تبادل المعلومات، وإطلاق برامج تنموية تستهدف المناطق الأكثر تأثراً، وتعزيز التنسيق بين الدول المعنية بمواجهة التحديات العابرة للحدود.
وتكشف التجربة التي طرحها المؤتمر عن حقيقة أساسية، مفادها أن أمن الحدود لا ينفصل عن أمن المجتمعات، وأن مواجهة الإرهاب وشبكات التهريب لا يمكن أن تحقق أهدافها بعيدة المدى دون مؤسسات قوية، واقتصاد قادر على توفير الفرص، وشراكات دولية تقوم على تبادل المسؤوليات والمصالح.
ومن هنا، تبرز بنغازي باعتبارها مساحة للحوار حول مستقبل التعاون الإقليمي، وفرصة لإعادة وضع ليبيا في موقع الشريك الفاعل في صياغة المقاربات الأمنية والتنموية، بما يفتح المجال أمام انتقال مخرجات المؤتمر من مستوى التوصيات إلى مستوى السياسات والبرامج والمشروعات القابلة للقياس والتنفيذ.
فالرهان الحقيقي ليس فقط على مواجهة التهديدات القائمة، وإنما على بناء منظومة تحول دون إنتاجها من جديد، وتؤسس لأمن مستدام تتكامل فيه قوة المؤسسات مع فرص التنمية والتعاون الدولي.













