القاهرة – رندة رفعت
في لقاء حمل دلالات سياسية واقتصادية وإنسانية تتجاوز حدود التواصل الدبلوماسي التقليدي، استقبل السفير عبدالمطلب إدريس ثابت، مندوب دولة ليبيا الدائم لدى جامعة الدول العربية والمكلف بتسيير أعمال سفارة ليبيا لدى جمهورية مصر العربية، مساء الاثنين، بمقر المندوبية الليبية بالقاهرة، نخبة من الصحفيين والإعلاميين المصريين، في إطار تعزيز قنوات الحوار والتنسيق الإعلامي بين البلدين.
اللقاء لم يكن مجرد مناسبة لتبادل الأحاديث، وإنما شكّل مساحة واسعة لقراءة المشهد المصري الليبي من زواياه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية، في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين زخماً متصاعداً وتوسعاً في مجالات التعاون، من إعادة إعمار ليبيا والاستثمار، إلى التعليم والصحة والطيران والعمل القنصلي، وصولاً إلى الملفات الأمنية ومكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر.
ليبيا واحدة.. ومصر شريك استراتيجي
وأكد السفير عبدالمطلب إدريس ثابت أن العلاقات المصرية الليبية تعيش مرحلة متقدمة من التنسيق والتعاون، مشدداً على أن خصوصية هذه العلاقة لا تستند فقط إلى الاتفاقات الرسمية، وإنما إلى شبكة واسعة من الروابط الشعبية والاجتماعية والأسرية والتاريخية التي تربط الشعبين.
وأوضح أن ليبيا، رغم ما مرت به من أزمات وتحولات منذ عام 2011، تعمل اليوم من خلال سفارة واحدة تمثل الدولة الليبية بمختلف مناطقها، مؤكداً أن “ليبيا واحدة.. شرقاً وغرباً وجنوباً”، وأن التعامل مع المواطنين والمؤسسات الليبية لا يقوم على أساس جغرافي أو مناطقي.
وأشار إلى أن السنوات الأخيرة شهدت عودة تدريجية لمسارات التعاون الطبيعي بين البلدين، انعكست في زيادة الزيارات الرسمية، وتكثيف الاتصالات السياسية، وتوسيع نطاق العمل الدبلوماسي والقنصلي.
الشركات المصرية في قلب إعادة إعمار ليبيا
وفي الملف الاقتصادي، برزت إعادة الإعمار باعتبارها أحد أهم محاور الشراكة المصرية الليبية.
وقال المندوب الليبي إن الشركات المصرية أصبحت شريكاً رئيسياً في تنفيذ مشروعات الإعمار داخل ليبيا، مشيراً إلى مشاركتها في نسبة كبيرة من المشروعات الجاري تنفيذها، تُقدَّر، وفق ما ذكره، بنحو 60 إلى 70%.
وتتوزع هذه المشروعات بين مناطق عدة، من بينها طرابلس وسرت ومناطق الجنوب، إلى جانب مدينة درنة التي تعرضت لدمار واسع جراء إعصار دانيال.
وأكد أن شركات مصرية تشارك في إعادة بناء عدد من المرافق والمشروعات في درنة، إلى جانب مشروعات أخرى من المنتظر افتتاح عدد منها خلال الفترة المقبلة.
واستعاد السفير في هذا السياق الموقف المصري عقب كارثة درنة، مشيراً إلى أن مصر كانت من أوائل الدول التي بادرت بتقديم الدعم والمساندة للشعب الليبي، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بتحرك مصري عاجل وعلى أعلى مستوى.
13 ألف طالب ليبي.. والتعليم جسر تاريخي بين الشعبين
وفي ملف التعليم، كشف السفير عبدالمطلب إدريس ثابت عن وجود نحو 13 ألف طالب ليبي في مصر بمراحل التعليم المختلفة، من رياض الأطفال وحتى الدراسات العليا والدكتوراه.
وأكد أن التعاون التعليمي بين البلدين ليس وليد اللحظة، وإنما يمتد إلى عقود طويلة، مستشهداً بالدور التاريخي الذي قام به المعلمون والأساتذة المصريون في بناء وتطوير منظومة التعليم الليبية عقب الاستقلال.
وأوضح أن هذا التعاون جاء في إطار علاقات تاريخية كان التعليم أحد أبرز جسورها، لتتحول الخبرات والكفاءات المصرية التي عملت في ليبيا إلى جزء من الذاكرة المشتركة للشعبين.
الاستثمارات الليبية في مصر تتجاوز 4 مليارات دولار
وعلى المستوى الاستثماري، أشار المندوب الليبي إلى أن حجم الاستثمارات الليبية في مصر يتجاوز 4 مليارات دولار، موزعة على قطاعات متعددة، من بينها الزراعة والسياحة والمصارف وغيرها.
وأوضح أن عدداً من المؤسسات والجهات والشركات الليبية يمتلك أصولاً واستثمارات داخل مصر، من بينها استثمارات زراعية تمتد إلى مساحات كبيرة، إلى جانب مشروعات في القطاعين السياحي والمصرفي.
ولفت إلى أن العلاقات الاقتصادية لا تقتصر على حركة رؤوس الأموال، بل تمتد إلى حركة الأفراد والخدمات، مشيراً إلى أن مصر تمثل وجهة رئيسية للعلاج بالنسبة إلى أعداد كبيرة من المواطنين الليبيين، فضلاً عن امتلاك ليبيين مساكن وعقارات واستثمارات داخل مصر.
أكثر من 10 رحلات جوية يومياً.. والحدود لا تفصل الشعبين
وتكشف حركة الطيران بين البلدين عن حجم التشابك الشعبي المتزايد؛ إذ أوضح السفير أن عدد الرحلات الجوية اليومية بين مصر وليبيا يتجاوز 10 رحلات، من بينها نحو 7 رحلات يومياً بين القاهرة وطرابلس، وفق الأرقام التي أوردها خلال اللقاء.
وأكد أن الروابط الشعبية تظل العنصر الأكثر رسوخاً في العلاقات المصرية الليبية، خصوصاً في المناطق الحدودية والصحراء الغربية، حيث تتداخل العائلات والقبائل والامتدادات الاجتماعية عبر الحدود.
وقال إن جوهر العلاقة بين البلدين هو أن العلاقة بين الشعبين سبقت العلاقة بين الحكومات، وهو ما يفسر قدرتها على الاستمرار رغم التحولات السياسية التي مرت بها المنطقة.
عودة تدريجية للحضور الدبلوماسي المصري في ليبيا
وفيما يتعلق بالعمل الدبلوماسي والقنصلي، أوضح السفير الليبي أن السفارة الليبية بالقاهرة وسّعت نطاق عملها، مع وجود ملحقيات ثقافية وعمالية وقضائية، إلى جانب الملفات التجارية والسياسية.
وأشار إلى استئناف القنصلية المصرية في بنغازي أعمالها منذ نحو عام، وافتتاح القنصلية المصرية في طرابلس قبل نحو شهر، فيما تتواصل أعمال إعادة تأهيل مقر السفارة المصرية في طرابلس، متوقعاً عودتها إلى مقرها بالعاصمة الليبية مع بداية العام المقبل.
وأكد أن التنسيق بين المندوبتين المصرية والليبية لدى جامعة الدول العربية مستمر بصورة مكثفة، لافتاً إلى أن تشابك المصالح بين البلدين يجعل العديد من الملفات المشتركة جزءاً من الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية لكلا الشعبين.
“منظومة وافد”.. خطوة لتنظيم أوضاع العمالة المصرية
وفي ملف العمالة المصرية، كشف السفير عن جهود مشتركة لتنظيم أوضاع العمال المصريين الموجودين في ليبيا بصورة غير نظامية.
وأوضح أن سنوات الاضطراب التي مرت بها ليبيا أسهمت في تراكم أوضاع قانونية وإدارية معقدة لبعض العمالة المصرية، فضلاً عن تحول ليبيا في بعض الحالات إلى محطة عبور للمهاجرين المتجهين إلى أوروبا.
وأشار إلى إطلاق منظومة إلكترونية تحت اسم “منظومة وافد”، بهدف إتاحة تسوية الأوضاع الإدارية والمالية للعمالة المصرية بالتنسيق بين الجهات الليبية المختصة والقنصليات المصرية.
وأكد أن التسوية تتم وفق ضوابط وجداول زمنية محددة، مع تطبيق الإجراءات القانونية بحق من يرفض تصحيح أوضاعه أو الالتزام بالقواعد المنظمة للإقامة والعمل.
مصر وليبيا في مواجهة شبكات الاتجار بالبشر
وفي ملف الهجرة، أكد المندوب الليبي وجود تنسيق مصري ليبي بشأن أوضاع المواطنين المصريين الموجودين في مراكز الهجرة داخل ليبيا.
وأشار إلى زيارات قام بها السفير المصري في ليبيا لعدد من المواطنين المصريين للاطمئنان على أوضاعهم، مؤكداً أهمية توفير المعاملة الإنسانية اللازمة، والعمل على تسوية أوضاع من تسمح ظروفهم القانونية بذلك.
وحذر في الوقت نفسه من تصاعد أنشطة شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، باعتبارها جرائم عابرة للحدود تستفيد من الأزمات الاقتصادية والأمنية التي تعاني منها بعض دول المنطقة.
وقدر عدد المهاجرين الموجودين في ليبيا بنحو مليوني مهاجر، وفق تقديراته، مؤكداً رفض ليبيا لفكرة توطين المهاجرين على أراضيها، والدعوة بدلاً من ذلك إلى معالجة جذور الظاهرة عبر التنمية ودعم دول المصدر، وتوفير مسارات آمنة للعودة الطوعية إلى البلدان الأصلية.
من الأمير إدريس السنوسي إلى الجيش الليبي.. ذاكرة مصرية في التاريخ الليبي
ولم يغِب التاريخ عن اللقاء، حيث استعرض السفير عبدالمطلب إدريس ثابت محطات مضيئة من العلاقات المصرية الليبية، مؤكداً أن مصر لم تكن بالنسبة إلى الليبيين مجرد دولة جارة، وإنما شكلت عبر مراحل تاريخية مساحة دعم واحتضان للقضية الليبية.
وأشار إلى إقامة الأمير إدريس السنوسي في مصر خلال فترة النضال ضد الاستعمار الإيطالي، كما تطرق إلى محطة تاريخية تعود إلى عام 1939، وما ارتبط بها من جهود الليبيين في المنفى.
كما أشار إلى الاتفاق الذي جرى عام 1940 في منطقة الكيلو 9 بإمبابة، والذي ارتبط بجهود دعم استقلال ليبيا، مؤكداً أهمية هذه المحطة في تاريخ تأسيس الجيش الليبي.
وكشف عن جهود ليبية لترميم النصب والمنطقة المحيطة بالموقع التاريخي، تمهيداً لإعادة افتتاحه خلال الأسابيع المقبلة، داعياً الصحفيين والإعلاميين المصريين للمشاركة في هذه المناسبة التي تحمل رمزية خاصة في الذاكرة المشتركة للبلدين.
ليبيا لم تنسَ موقف مصر في أكتوبر
وأكد السفير أن العلاقات المصرية الليبية لم تتوقف عند مرحلة الاستقلال، وإنما امتدت إلى التعاون العسكري والسياسي والاستراتيجي في مراحل لاحقة، مشيراً إلى الدعم الليبي لمصر خلال حرب أكتوبر 1973، باعتبارها إحدى المحطات التي عكست مفهوم المصير العربي المشترك.
جامعة الدول العربية.. منصة للتنسيق ودعم التسوية السياسية
وفي البعد العربي، أكد السفير أهمية الدور الذي تضطلع به جامعة الدول العربية في دعم جهود تسوية الأزمة الليبية، وتعزيز التنسيق بين الدول العربية بشأن الملفات التي تمس الأمن والاستقرار الإقليمي.
وشدد على أن القاهرة وطرابلس تمتلكان مساحة واسعة للتنسيق داخل مؤسسات العمل العربي المشترك، خصوصاً في القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية ذات الصلة المباشرة باستقرار المنطقة.
شراكة تتجاوز السياسة.. وتؤسس لمستقبل واحد
ويكشف مجمل ما طُرح خلال اللقاء عن صورة جديدة للعلاقات المصرية الليبية؛ صورة لا تختزلها الملفات السياسية وحدها، ولا تقف عند حدود المصالح الاقتصادية، وإنما تستند إلى شبكة متداخلة من التاريخ والجغرافيا والعائلة والتعليم والاستثمار والعمل والتنقل.
فمن إعادة إعمار درنة إلى الاستثمارات الليبية في مصر، ومن آلاف الطلاب الليبيين في المؤسسات التعليمية المصرية إلى حركة الطيران اليومية، ومن التعاون القنصلي إلى مواجهة الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، تبدو العلاقة بين القاهرة وطرابلس أمام مرحلة أكثر اتساعاً في مجالات الشراكة.
وأكد السفير عبدالمطلب إدريس ثابت أن ليبيا تنظر إلى مصر باعتبارها شريكاً محورياً في المرحلة المقبلة، وأن تطوير العلاقات الثنائية يتطلب استمرار التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي والتعليمي، بما يخدم مصالح الشعبين.
وفي المحصلة، فإن الرسالة الأبرز التي خرج بها اللقاء يمكن اختصارها في معادلة واحدة:
مصر وليبيا لا تجمعهما حدود مشتركة فحسب، بل يجمعهما تاريخ مشترك، ومصالح متشابكة، وروابط شعبية عميقة، ورؤية لمستقبل أكثر تكاملاً.











