أزمة الشرق الأوسط: بين انسداد آفاق الديمقراطية واستدامة الهيمنة الخارجية

 

أحمد شيخو

ما زالت منطقة الشرق الأوسط ترزح تحت وطأة أزمات بنيوية مركبة وممتدة تتقاطع فيها الصراعات الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية الساعية إلى فرض الهيمنة ونهب المقدرات المادية والحضارية، كناتج حتمي لتفاعل حاد بين هشاشة المؤسسات وتغول السلطوية من جهة، ومخططات النهب الخارجي من جهة أخرى، لترزح الشعوب تحت ظروف قاسية تبرز فيها الإشكالية المركزية المتمثلة في أن أزمة المنطقة لا تكمن أبداً في غنى تنوعها الإثني والديني والثقافي باعتبار الشرق الأوسط موطناً تاريخياً للتعددية، بل تتمثل جذرياً في غياب نظام سياسي ديمقراطي قادر على إدارة هذا التنوع وإصرار السلطة على فرض هوية أحادية قسراً تحول الثراء الحضاري إلى بؤرة توتر دائم وتفتح الباب واسعاً أمام سلب المنطقة إرادتها السيادية، وهو ما يفرض السؤال الجوهري على الفكر السياسي الجاد حول سبب بقاء الشرق الأوسط ساحة مفتوحة للاضطراب، ومن يتحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية عن هذا الواقع، وكيف يمكن تجاوز هذه الحلقة المفرغة لبناء ذاتية وطنية وثقافية واقتصادية تصون كرامة الإنسان وتؤسس لجمهوريات ديمقراطية ونموذج جديد من التفاعل المتكافئ مع العالم، حيث يحيلنا التفكيك التحليلي لهذه الأزمة مباشرة إلى سببين رئيسيين يمثلان الجذر الهيكلي للمأزق المعاش وهما غياب الديمقراطية المجتمعية والتدخلات الخارجية التوسعية.

 

الثنائية المأزومة (غياب الديمقراطية والتدخل الخارجي(

 

1- انسداد آفاق الديمقراطية

إن انسداد آفاق الديمقراطية في المنطقة لا يُقاس بالآليات الإجرائية والشكلية فحسب، بل باعتبارها ثقافة حياة ونمط إدارة مجتمعية وتفاعلاً إنسانياً وأخلاقياً يضمن التعددية والتنوع، في حين تعاني بنية معظم الأنظمة الشرق أوسطية من هيمنة “الذهنية الاحتكارية الأحادية” على الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي حيث تحولت الممارسة السياسية إلى معادلة صفرية إقصائية تُغيّب المخالف وتلغي الاختلاف الطبيعي الذي هو أصل الحياة المجتمعية، وتتجلى هذه الأزمة بوضوح في الإقصاء العنيف والتصهير القسري الذي يتعاطى مع التنوع الثقافي كتهديد أمني يستوجب القمع دافعاً المكونات المجتمعية الأصيلة إلى التخندق خلف هوياتها الأولية دفاعاً عن الوجود، بالتوازي مع الغياب التام للعقد الاجتماعي التشاركي وتحول الدولة إلى أداة احتكارية في يد فئة أو أيديولوجيا معينة باتت تُدار كغنيمة بدلاً من أن تكون فضاءً جامعاً للمواطنة المتساوية.

 

2- استدامة التدخل الخارجي وركائز الشرعية المستوردة

 

إن التدخلات الخارجية ليست مجرد أحداث طارئة، بل تمثل صيرورة تاريخية عميقة للمشاريع الإمبريالية والإقليمية التي أعادت تشكيل بنية المنطقة عبر أدوات الهندسة الاستعمارية الفوقية في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية وما تلاهما من ترتيبات جيوسياسية.

 

ومن هنا تنبع أزمة الشرعية السياسية المأزومة في الشرق الأوسط؛ حيث يستمد مفصلها الأساسي وجوده واستمراره من توازنات النظام العالمي ومصالحه الاستراتيجية العليا، لا من الشرعية الشعبية والوطنية الحقيقية والمنبعثة من إرادة المجتمعات.

 

وما الصناديق الانتخابية والديمقراطيات التمثيلية الشكلية التي تروج لها أنظمة الاستبداد إلا مسرحيات باهتة تهدف إلى مراكمة رأس المال الإعلامي المضلل، والتغطية الفاضحة على ارتهان الإرادة الوطنية، وتفريغ السيادة من مضمونها الحقيقي لصالح مراكز النفوذ الخارجي.

 

 

جذور الداء (القوموية العنصرية والدينوية السلطوية واليسار الكلاسيكي(

 إن القراءة الفكرية العميقة للواقع تثبت أن الهيمنة الخارجية لم تكن لتترسخ وتدوم لولا وجود بيئة محلية مشبعة بأمراض أيديولوجية خبيثة تشكل المرتكزات الأساسية لتأطير المشاكل البنيوية، متمثلةً في القوموية العنصرية ومفهوم الدولة-الأمة القومية التي تقدس العرق وتمنح ذاتها حق الاستعلاء والتمايز عبر تخيير المكونات الأخرى بين الانصهار القسري أو سياسات الإبادة والتهميش كحال النماذج البعثية والطورانية التركياتية، بالتوازي مع الدينوية أو الدين السياسي بشقيه السني والشيعي واليهودية السياسية التي تمثل الوجه الآخر للقوموية بادعائها المرجعية الإلهية المطلقة لحكم الشعوب ومصادرة إرادتها وممارسة الوصاية الكاملة تحت عباءة الوكيل الحصري للحقيقة، فضلاً عن سقوط التيار اليساري الكلاسيكي الذي أخفق في قراءة المشهد الإقليمي باختزاله قضايا التحرر في الشعار الاقتصادي الضيق وتهميشه للحرية والخصوصيات الثقافية واصفاً إياها بالوعي الزائف وصولاً إلى سقوطه الأخلاقي في تبرير استبداد الأنظمة السلطوية تحت يافطة الممانعة، وكلها تيارات تتقاطع في نزعتها الاحتكارية الشديدة ونزوعها المتطرف نحو المركزية السلطوية وتركيز القرار في يد فئة قليلة باسم مقدسات متخيلة لشرعنة نهب المجتمع وسلب حريته، لتكمن المفارقة التاريخية في استناد هذه التيارات الثلاثة جميعاً -رغم شعارات السيادة المزيفة- في ديمومة وجودها إلى التقاطعات الوظيفية المباشرة مع القوى الخارجية.

 

التجليات المجتمعية للأزمة البنيوية

 إن تداعيات هذا الانسداد السياسي والأيديولوجي تتجلى بوضوح صارخ ومؤلم في بنية المجتمع برمتها، متمثلةً في استعباد المرأة وتهميشها المركّب سلطوياً ومجتمعياً لتتحول إلى حلقة أضعف وضحية مستمرة للصراعات الحاكمة، بالتوازي مع تحول الأسرة تحت ضغوط الذهنية السلطوية والأزمات الاقتصادية إلى مؤسسة مفككة تعيد إنتاج القهر عوضاً عن أن تكون مساحة للحياة المشتركة القائمة على القيم الديمقراطية.

 

ولا ينفصل هذا الواقع عن الانهيار الاقتصادي المريع وغياب الأمن المجتمعي، حيث يعاني الشرق الأوسط من تفشي الفقر المدقع والجوع رغم ثرواته الهائلة، كنتيجة حتمية لسوء الإدارة واعتماد الأزمات كأدوات وظيفية لاستنزاف الشعوب ومنعها من امتلاك إرادتها، فضلاً عن تسليع الصحة والتجهيل الممنهج في التعليم الذي خضع إما للسلعنة النفعية الضيقة أو للتسييس العقائدي المدمر الذي أدى إلى هجرة الكفاءات وإبقاء الجسد المجتمعي غارقاً في الأمراض كمرآة لمرض النظام السياسي.

 

ويرافق ذلك تآكل خطير للأخلاق وسيادة القوانين الشكلية المفصلة على مقاس مصالح السلطة، وتفريغ الخطاب الديني والأخلاقي من جوهره الإنساني لتحويله إلى أداة لشرعنة الواقع الفاسد، وصولاً إلى التحجيم الممنهج وتدمير الفضاءات الأهلية ومنع المجتمع من بناء مؤسسات مدنية مستقلة، مما جرد الأفراد من أطر التنظيم الذاتي والحماية الجماعية وكرّس حالة من الهشاشة والاتكالية التي تقف سداً منيعاً أمام أي حراك إصلاحي أو رقابي يواجه الاستبداد والفساد.

 

المسارات البديلة وممكنات التحول (الجمهورية الديمقراطية(

 

إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب القطع الجذري والواعي مع كافة الذهنيات الأحادية المقيتة، والتأسيس لمسار جديد ومستدام يرتكز على الانتقال الشامل من عقيدة “الصهر والفرض الأحادي” إلى مفهوم الجمهورية الديمقراطية العميقة والإدارة التشاركية الحقيقية التي تتسع وتنبسط لجميع المكونات القومية والدينية والإثنية دون استثناء، معيداً بذلك بناء الدولة على أسس صلبة من العقد الاجتماعي الحر والمواطنة المتساوية التي تتيح إدارات ديمقراطية لامركزية تُشرك التجمعات والمكونات في صياغة قرارها ومصيرها بمنأى عن أي تغول مركزي.

 

يضاف إلى ذلك ضرورة إرساء دعائم التكامل الديمقراطي الإقليمي كبديل جذري للاستقطاب القومي والطائفي المفتت، بحيث يقوم هذا التكامل على التعاون والتضامن بين شعوب المنطقة ودولها حمايةً للمصالح المجتمعية والثروات الوطنية، وتحييداً للتدخلات الخارجية التي تستغل المنطقة، مع التأكيد الحاسم على أن تمكين المرأة ومشاركتها الفاعلة والقيادية هو شرط جوهرى وحجر الزاوية الذي لا غنى عنه في بناء أي جمهورية ديمقراطية حقيقية، إذ تستحيل الحرية المجتمعية برمتها دون تحقيق حرية المرأة ومساواتها الكاملة وتصديها للأنماط السلطوية والذكورية.

 

ولا يتأتى هذا التحول المنشود دون تأميم الخدمات الأساسية وتحرير قطاعي الصحة والتعليم من المنطق التجاري والنفعي الضيق، لإعادة صياغة الاقتصاد برمته ليصبح اقتصاداً مجتمعياً حقيقياً موجهاً لخدمة الإنسان وتحقيق استقراره المعيشي بعيداً عن ارتهانات التمويل الخارجي والربح الاحتكاري، وصولاً في النهاية إلى صياغة دساتير توافقية جامعة وعقد اجتماعي لامركزي وديمقراطي يعبر بأمانة عن مصالح كافة الأطياف والمكونات، ويضمن حقوقها الثقافية والسياسية دون أي تمييز مع المحافظة الحية على وحدة البلدان.

خاتمة

إن الشرق الأوسط لا يفتقر إلى طاقات البناء والتغيير أو مقومات النهوض الحضاري، بقدر ما يحتاج إلى وعي مجتمعي ديمقراطي وذهنية تشاركية وإرادة سياسية وثقافية واقتصادية وأمنية تقطع نهائياً مع ذهنية الاستبداد المحلي والارتهان للخارج.

 

وإن بناء المستقبل المنشود لا يتحقق بإعادة تدوير الأزمات أو الرهان على إصلاح هياكل مأزومة بطبيعتها أو تيارات فاشلة فاسدة، بل بالانعتاق نحو فضاء “الجمهورية الديمقراطية” التي تستند إلى قوة المجتمع المنظم، وإرادة المرأة الحرة، والإدارة التشاركية اللامركزية.

 

وحين تختار شعوب المنطقة نبذ القوموية العنصرية والدينوية السلطوية لصالح عقد اجتماعي جامع واندماج ديمقراطي مشترك وتكامل إقليمي متضامن، فإنها لن تستعيد سيادتها المنهوبة فحسب، بل ستعيد الاعتبار لتاريخها العريق كمهد للحضارة الإنسانية وموئل للعيش المشترك والكرامة.

 

شارك ذلك الخبر

نشرتنا الاخبارية

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

اخر الاخبار

اعلانك هنا
Ad Size: 336x280 px

أهم التصنيفات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!