محمد أرسلان علي

العرب والكرد…الحوار طريق المستقبل المشترك

محمد أرسلان علي لطالما كانت قضية هذين الشعبين من أهم القضايا التي تؤرقهما وكافة المحاولات والمساعي التي يعملان عليها للخروج من المأزق وعنق الزجاجة الذي أُقحِما به، لم تسفر عن نتائج ملموسة على أرض الواقع لتوحي بأنهما قد تخلصا من أي من تلك المشاكل التي يعانيانها. ورغم أن ما يعانيانه بالأساس يرجع لعاملين أساسيين أثنين ناتجان عن الظروف الموضوعية والذاتية واعتمادهما الحل من الخارج بدلاً من البحث عن أسباب هذه المشاكل من الداخل.ربما كانت عملية البحث عن حلول للقضايا التي يعاني منها كل شعب على حدا هي بحدِ ذاتها من الأسباب التي أخرت أو جعلتهما يتخبطون أكثر في عملية البحث هذه والمستمرة منذ عقود من الزمن. والقضية الأخرى التي يعانيان منها هي تحديد الصديق من العدو والتي عليها يتم بناء العلاقات لتنعكس من خلالها على مسائل التنمية والتطوير. فبدون إدراك هذه الخطوات لا يمكن لأي طرف أو شعب أو حتى شخص النجاح في أية محاولة للخروج من أي مشكلة يعاني منها، بل ربما ينغمس أكثر كلما تحرك كالذي يحاول الخروج من الرمال المتحركة، فإن هو تحرك سيغوص أكثر وإن هو بقي ساكناً سيصاب بالشلل والجمود والدوغمائية التي سترجعه للماضي والتحجر الفكري.على هذه الأفكار والرؤى انعقد مؤتمر “العرب والكرد…الحوار طريق المستقبل المشترك” في المملكة الأردنية الهاشمية هذا الشهر، تحت رعاية مركز القدس للدراسات السياسية ولجنة العلاقات العربية – الكردية المنبثقة من المؤتمر الوطني الكردستاني. على مدى يوماً كاملاً حاولت هاتين الجهتين بكل امكانياتهما المعرفية جعل المشاركين في المؤتمر أن يركزوا على النقاش والحوار حول الأسباب التي أودت بهذين الشعبين الأصيلين أن يعيشا الفوضى والجمود حتى باتوا عرضة للكثير من التدخلات الخارجية إن كان بشكل مباشر أو غير مباشر والتلاعب بمصيرهما من جهة، وكذلك التركيز على أن الحوار هو السبيل الأنجع للخروج من هذه الدوامة ليكونا مصدر حل لكل القضايا بدلاً من استجداء الحلول من الخارج.مركز القدس ولجنة العلاقات في المؤتمر الوطني الكردستاني على ما اعتقد كانت هذه محاولتهما الأولى ولوضع اليد على الجرح الذي يئن تحته الشعبين العربي والكردي. وأن أكثر من التشخيص الممل والنظري الطويل حاولا أن يحددا بشكل موضوعي الحلول التي يمكن للشعبين العربي والكردي من خلالها حل كافة المشاكل التي يعانيان منها ولكن بشكل مشترك بعيداً عن تفرد كل شعب عن الآخر، نظراً للتاريخ والثقافة المشتركة التي يتمتعان بهما وكذلك المصير المشترك.حيث أن تاريخ المنطقة يشهد بأن هذين الشعبين كانا دائماً في حالة من الوفاق والتلاحم المشترك في بناء الحضارة الإنسانية ونشرها في الأطراف، وكذلك في صدّ كافة الهجمات التي كانت تتم عليهما من أي جهة كانت. وحتى أن أية محاولات للفصل بين الشعبين ودق أسفين بينهما لم تنجح ولن تنجح بسبب التاريخ الطويل الذي يجمعهما في كافة مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية.حيث انعقد المؤتمر في مرحلة حساسة وتاريخية مهمة ومنطقة الشرق الأوسط التي تدور فيها الصراعات والتناقضات للسيطرة على مقدرات شعوب المنطقة من قبل الدول ذات النفوذ والمشاريع التوسعية. وبكل تأكيد ان انعقاد المؤتمر في عمّان له معنىً كبير وإن دلَّ على شيء، إنما يدل على أنه انعقد بهدف إنتاج حوار بنّاء بين مكونات المنطقة المختلفة.ونتيجة الأزمة التي يعاني منها النظام العالمي والذي يعمل بكل مساعيه للخروج من الأزمة البنيوية التي يعاني منها، وذلك عن طريق إعادة ترسيم حدود منطقتنا سياسياً واجتماعياً وثقافياً وجغرافياً من جديد، وذلك رغماً عن إرادة شعوب المنطقة من عرب وكرد وتركمان وآشوريين ومكونات اخرى. هذه الشعوب التي تعتبر أصيلة في المنطقة والتي لا يمكن الفصل بينهما بسبب التاريخ والثقافة المشتركة التي تجمعهما مع بعض. ويمكن اعتبار سبب بقائها حتى الآن هو اتباعها منهجية العيش المشترك بهوياتها الثقافية المتعددة فيما بينها طيلة آلاف السنين.في ظِل هذه الفوضى والأزمة انعقد المؤتمر وتم النقاش حول جملة من القضايا التي تعانيها المنطقة. وانعقاد المؤتمر هذا بحد ذاته محاولة لإرجاع الثقة بين شعوب المنطقة من خلال مناقشة القضايا التي تعاني منها وخاصة كيفية الخروج من مأزق الدولة القومية المتعصبة والدينية والطائفية، التي قوضت أواصر العيش المشترك ما بين شعوبه المختلفة. وكذلك قضية المرأة التي أوصلت المنطقة لطريق مسدود يبحث عن أية طريقة للخروج من عنق الزجاجة التي تم إقحامه فيها. رغم أن المرأة العربية والكردية كانت السباقة عبر التاريخ في رصف مسيرة التطور الإنساني والحضاري للمنطقة. لأن هذه المنطقة تعتبر أول مكان برزت فيه العقائد والأخلاق وأول بقعة شهدت استقرار الانسان، وأن ذلك لن يكون إلا بتآخي شعوبها وثقافاتها ووحدتهم للتخلص من حالة الاغتراب التي تعيشها وذلك بالعودة للجذور التاريخية والثقافية والحضارية المختلفة.ومن جملة التوصيات التي خرجت عن المؤتمر بعد حوار المشاركين فيه والذي كان معظمهم يحمل نفس الهمّ والأمل لعودة العلاقات بين الشعبين إلى حقيقتها والتي اعتبروها من أولى المهام الواقعة على عاتق المثقفين بالدرجة الأولى لايصال الحقيقة للشعوب بعيداً عن الزيف والرياء والقطيعة التي تعمّد البعض في إلصاقها ببعضهم البعض. وعليه أكدّ المشاركون على ضرورة اعتماد الحوار والشفافية لحل كافة القضايا والتناقضات المتجذرة في الشرق الأوسط وكذلك عند وجود أي اشكاليات واتباع الوسائل القانونية والدستورية عند حدوث اي خلاف او نزاع. لأنه من دون الحوار لا يمكن إزالة العراقيل التي تقف مانعاً قوياُ في وجه تقارب هذين الشعبين. حيث عمل أعداء المنطقة وشعوبها على تسيير سياسة “فرق تسد” بكل دهاء للتفريق بين المجتمعات ليسهل عليهم السيطرة عليها ونهب خيراتها وسرقة أرضيها وإعادة هندسة المنطقة والتغيير الديموغرافي الذي طال بعض البلدان واحتلالها، إن كان في فلسطين أو كردستان.والأمر الهام الآخر الذي اتفق عليه المشاركين في المؤتمر هو أن الحل الديمقراطي هو الطريق الأسلم للنهوض بالمجتمع والرقي به ليكون مجتمعاً منتجاً لا مستهلكاً، وأن هذا لا يمكن له أن يتم إلا من خلال قبول واعتراف كافة الهويات العقائدية والقومية والثقافية (والإثنية) ببعضها البعض واعتبار هذا التنوع والاختلاف عنصر غناً وقوة وليس تفرقة وتقسيم وانفصال، كما يروج له محدودي التفكير ومتحجري العقل على أن الدولة لا يمكن أن تقوم إلا على عرق أو دين واحد. فالايديولوجيات الولائية القومجية والدينية على حدٍ سواء عملت على نشر الفكر والولاء الأعمى للقومية الضيقة وكذلك للدين. فالولاء الأعمى كما قال عنه الكاتب جورج أورويل في روايته الرائعة (1984): “الولاء الأعمى يعني انعدام التفكير، بل يعني انعدام الحاجة إلى التفكير أيضاً. الولاء هو عدم الوعي”.وهذا التقرب هو الذي أوصل الشعبين والمجتمعات لحالة من الصراع والاقتتال بين بعضهما على أفكار غريبة عن ثقافة المنطقة وحقيقتها. وأن الحل الأمثل للخروج من هذه العقلية الواحدوية، يتمثل بثورة ذهنية بكل معنى الكلمة للتخلص من كافة المصطلحات والأفكار البالية والتي تفرق بين شعوب المنطقة بكل مكوناتها وأثنياتها. وربما كانت فلسفة السيد عبد الله أوجلان في الأمة الديمقراطية ودولة المواطنة والتجسير بينهما هي الطريق لإخراج المنطقة

اقرأ المزيد »

الأمل والحب في زمن الكورونا

محمد أرسلان عليلطالما عجَّت منطقتنا منذ زمنٍ بعيد بالقضايا والمشاكل التي أثقلت كاهلها مما أثر بشكل مباشر على شعوبها، ومعظم تلك وهذه القضايا كانت الشعوب تدفع فواتيرها الباهظة. حيث لم تهدأ طواحين العنف ولم تنزل رايات المعارك ولم تتوقف الحناجر الحماسية ولا حتى سماسرة وكهنة الحروب ولا كذلك الزعماء والحكام المستبدين (الخالدين)، لم يفكر أحداً منهم على كبح نزواته ومحاربة أهوائه وتقييد هواجسه، بل على العكس عمل على تغذيتها بنرجسيته وانفصامه ورواها من ماء غروره وحرثها بمعول جنون العظمة الذي انتابه. اللعب بالمصطلحات والكلام كان ديدنهم في اصرارهم على الوصول لما يطمحون له في السلطة والجاه. غرور ونزوات واهواء حكامنا تحولت إلى انتصار الحق والاستقلال الوطني والسلام الشامل والعادل وفتوحات وسيادة الوطن ومحق العدو الغاشم والكافر وكل من يدور في فلكهم من منافق وخائن وعميل. مصطلحات ملفوفة بهالة من القدسية التي لا يمكن الاقتراب منها. وتم ذلك بعدما تم افراغ المصطلحات من جوهرها واللعب بمعناها وجدواها، تحولت لمصطلحات هشّة لا قيمة لها عند أي طفل عديم الإدراك بعدما انكشفت الحقيقة المخبأة تحت ظل صنم الرئيس والزعيم على ربوع الوطن، الذي تنهش فيه ذئاب من الخارج والداخل وكله تحت مسمى (ارحل – يسقط – كلن يعني… – طلعت ريحتكن)، والقائمة تطول لهذه الشعارات والتي بنفس الوقت لم تكن بريئة مما نعيشه ووصلناه الآن.علمونا الثأر والقتل والحذر وشعارات تنمّي هذه الكلمات المستوحاة من الفكر القومجي اليساري منه واليميني أو الديني المتطرف، وكله من أجل الله أو الدولة (الإله الذي يسير على الأرض) كما وصفها الفيلسوف الألماني هيغل. كان العيب والحرام أكبر مصطلحين تم فيهما كبت المجتمع من كافة النواحي حتى تحول إلى مجرد قطيع يسير خلف مرياع يحمل جرساً ينبه كل من خرج عن الطريق بالعودة إليه أو أن الكهنة أو السماسرة المستذئبة ستتكفل بما تبقى.كل ذلك كان من نتائج الحربين العالميتين التي قضت على كل ما تبقى من ثقافات الشعوب ومجتمعاتها كي يتم إعادة هندستها من جديد وفق أطماع ومصالح قوى الهيمنة الرأسمالية المنتصرة. فتم رسم الخطوط بقلم يسير وفق أهواء وجشع المنتصرين الذين يبحثون عن الربح الأعظمي فقط، ومن رحم هذه الخطوط كانت الحدود السياسية والسيادة المقدسة والدول الهشّة. ومنها أيضاً كانت معظم الأحزاب والتيارات السياسية القومجية منها والدينية والتي نهلت من الفكر الغربي والاستشراقي معظم عقيدتها ومنهجها، بعد تطعيمه بالديماغوجية والبراغماتية المشرقية. وليكون الناتج الفكري ما نحصده الآن بكل تداعياته الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية وحتى الانسانية.بين ثنائية القومجي الراديكالي أوالديني المتطرف، أسود أو أبيض، الشرق أو الغرب، وما رافقهما من صراعات لا زالت مستمرة حتى الآن ونراها، ما زال البعض يشجع هذا الفريق بينما الآخر يصفق للفريق الثاني. التراجيديا الكبيرة هي أن كل طرف ومشجع يعتبر نفسه من الفرقة الناجية وباقي الفرق في النار. ولا منطقة وسطى ما بين الجنة والنارِ والتي كانت أسوء ما أفرزته الأفكار المتصحرة التي أجبرت الانسان على أن يقضي نحبه فقط ما بين هذين الخيارين، لانعدام الخيارات الأخرى والتي ستكون دائماً مكسوة بظل عصا السلطان.بين هذه الثنائيات والهويات القاتلة حسب تعبير “أمين معلوف”، اكتشفت لنا قوى الهيمنة المنتصرة في كِلا الحربين العالميتين مؤسسات ما بين بين وتتموضع بوسط هاتين الثنائيتين القاتلتين إدعت أنها أممية شكلاً لكنها دولتية مضموناً ووسمتها بـ “الأمم المتحدة” والتي لم تكن سوى عن دول متحدة لا تهتم سوى بمصالحها وأجنداتها فقط. ومن رحم هذه المؤسسة كانت الولادات القيصرية للكثير من الهيئات والمنظمات المعنية بحقوق الانسان والدفاع عنها. وتم كتابة قوانين اللوح المحفوظ للأمم المتحدة برعاية القوى المنتصرة ووقعت عليه ما تبقى من الدول الهشة التي تم انشاؤها تباعاً ولا زالت. وكل من يناله ظلم من دولة ما أو طرف، ما عليه سوى أن يشتكي في هذه المؤسسات والمنظمات الإنسانية ولينتظر حتى حين ليتم النظر في دعواه وقضيته، هذا إن استعطفوه طبعاً، وهذا الاستعطاف بكل تأكيد مرتبط بمصالح وأجندات “الآلهة الخمس”، التي لها فقط أحقية من تقتل ومن ترحم.هذا من حيث شكل المؤسسات المعنية بحقوق الانسان بكل مسمياتها وفروعها الخدمية والإنسانية، أما حقيقة عملها فهذا له مجال بحث ودراسات أخرى مختلفة. السلام والسلم وحل النزاعات التي تدعيه هذه المؤسسات إلى الآن لم تتجاوز مرحلة القلق التي عبّر عنه زعيمها منذ تشكيلها وحتى راهننا. وليتم تغيير هذا الزعيم بعد أن يزداد قلقه وقبل أن يتحول هذا القلق إلى اكتئاب ومرض مزمن يتم تغييره، ليأتي خلفه ويركب قطار القلق هذا ليعبر عنه في أي محطة يريدها الزعماء. وليثبت بقلقه هذا أن تلكم المؤسسات والمنظمات ليست معنية بما تعانيه الشعوب بقدر ما يتم إلهاؤهم بعسل المقررات وزبد القرارات المعجونين “بقات” اليمن السعيد (التعيس بأحفاده) و “القنب الهندي” في لبنان الحزين، والتي ما زالت تغني له فيروز (بحبك يا لبنان) رغم ما يعانيه و (من قلبي سلام لبيروت) من الطائفية والمذهبية.ومن منّا لا يستمع لفيروز في أول دقائق يبدأ فيه الانسان يومه صباحاً، علَّه بصوتها أو صرخاتها النابعة من تنهداتها الفينيقية وهي تغازل البحر ليكون دواءً لآلام فراق الأمل وغرق الحب في زمن الأمراض السياسية والاقتصادية والنفسية والجسدية التي تعاني منها الشعوب والمجتمعات، علّه ينعم ببعضٍ من أمل وحب يرتشفهما مع قهوته، لأنه يعلم يقيناً أن يومه سيكون جحيماً ورتيباً بنفس الوقت عليه، جرّاء الفساد المستشري في معظم مفاصل الدولة الهشّة والمقدسة. الفساد كلمة أو مصطلح صغير ولكنه بحجم وطننا العربي الممتد من المحيط إلى المحيط. لكن رغم كل شيء تبقى الحياة جميلة عند الانسان المشرقي البسيط والذي لا يعني له كل ما يراه ويعيشه، مقارنة بما يتجرعه من بصيص أمل مع كل شفة قهوة يرتشفها وهو يستمع لفيروز الفينيقية الصوت والميزبوتامية الحنين، والمكلل بالمحبة والأمل لغدٍ أفضل.الأمل والحب الذي اتحفنا به السيد غابرييل غارسيا ماركيز في تحفته “الحب في زمن الكوليرا”، والتي كانت صرخة من الواقعية السحرية أو الواقعية العجائبية التي ظهرت كحركة أدبية في ألمانيا في خمسينيات القرن المنصرم، ورفع لوائها غابرييل في كولومبيا ليعلن أنه في أحلك الظروف والموت يحصد أرواح البشر، لا بدّ من الحب والأمل الذي سينتصر على كل يأس واحباط وقنوط، وسيحول فوضى الفساد والزعماء المستبدين إلى اندماج الانسان مع الطبيعة التي أحبها والتي لا زالت تحتضنه رغم ما تعيشه من ويلات مناخية.ما ميّز غابرييل في روايته التي ألهمت الكثير، هي براعته في تغيير الأساليب والطرق إذا أراد الانسان أن يصل لهدفه ومبتغاه الذي رسمه لنفسه. روايته تحذرنا من اتباع نفس الطرق البالية للوصول لنتائج جديدة تناسب ما نريده ونشتهيه. وتخطرنا بأن الإصرار على الماضي وبعثه كما هو وكما كان، ما هو إلا ضربٌ من الجنون الذي يؤدي بصاحبه إلى الجحيم والفراق والفوضى، والتي هي بالأساس ما نعيشه في زمن الكورونا الآن، كما كان يعيشونه في زمن

اقرأ المزيد »

أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ

الكاتب والمحلل السياسي- محمد أرسلان علي متغيرات متسارعة تضرب المنطقة منذ ولوجنا السنة الجديدة والتي إن استمرت بهذا الشكل سنشهد تطورات عديدة تشهدها بشكل عام أو في كل دولة على حدا. فبعد أكثر من 3 شهور على الانتخابات التي جرت في العراق والنتائج التي كانت غير متوقعة للأطراف التي اعتادت الفوز بالانتخابات السابقة والتي لم تستطع الحصول على نسبة مرتفعة من الأصوات، كل ذلك كان عامل حاسم في عملية الشد والجذب في التصريحات ما بين الطرفين الفائزين في الانتخابات. فمن جهة حصل السيد الصدر على النسبة الأكبر في هذه الانتخابات والتي وصلت 73 كرسي في البرلمان، وبينما الأطراف الأخرى كانت نسبة مقاعدها قليلة مقارنة بالانتخابات السابقة وحتى الحالية. هذا التغيير المفاجئ في الانتخابات بكل تأكيد له أسبابه الكثيرة منها عدم ثقة الشعب بهم بعد أن أعاد انتخابهم عدة مرات ولكنهم لم يقدموا شيئاً للشعب وخاصة من الناحية الخدمية وكذلك الأمنية.الأمر الآخر الذي له تأثير في هذه النتائج الانتخابية هي الصراع الإيراني الغربي وخاصة أن الطرفين في حالة صراع من أجل عقد جولة أخرى من الاتفاقية النووية والتي لم تصل إلى أية نتيجة حتى الآن، والتدخلات الإقليمية، كل ذلك كان له التأثير المباشر وغير المباشر على الانتخابات وكذلك اعلان نتائج الانتخابات التي تأجلت مدة من الزمن.الأمر الذي حصل في الجلسة الأخيرة في البرلمان كان متوقعاً وخاصة أن عملية الشدّ والجذب لا زالت مستمرة ما بين الطرفين المتنافسين على السلطة وهم الطرفين الشيعيين واللذين يعرفان بالاطار التنسيقي والتيار الصدري، وهذا التنافس على السلطة لكل طرف مبرراته في التمسك بها. بشكل عام أعتقد أن جلسات البرلمان سوف تستمر وعملية تشكيل الحكومة سوف تستغرق وقت طويل نوعاً ما حتى يتفق الطرفان على صيغة ما على الأقل لتجنيب العراق فترة صراع ستكون دموية على الطرفين، وإن أصرّ كل طرف على الامتيازات التي يريد الحصول عليها بغض الطرف عن النتائج الرسمية للانتخابات. ولكن إن لم يتفق الطرفين أو لنقل لم تنجح المفاوضات في جنيف ما بين ايران من جهة واوروبا وأمريكا من جهة أخرى سيكون له تأثير مباشر في العراق وربما ستحول العراق ثانية إلى ميدان حرب بالوكالة لتصل شراراتها إلى لبنان وسوريا واليمن.وهناك ثمة مشكلة أخرى ربما تتصدر المشهد وهي الصراع الكردي الكردي على الاستحقاق الرئاسي. حيث من المتعارف عليه أن حصة رئاسة العراق كانت من نصيب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي كان يتزعمه الرئيس الراحل جلال الطالباني، ولكن منذ الرئاسة السابقة أظهر الحزب الديمقراطي الكردستاني والذي يتزعمه السيد مسعود البارزاني نيّته في الاستحواذ على هذا المنصب، ولكن إصرار الاتحاد على هذه المنصب في الفترة السابقة تم تمريره نوعاً ما، لكن الآن وبعد الانتخابات الأخيرة أعاد الديمقراطي الكردستاني مرة ثانية نيته في الاستحواذ على هذا المنصب، وحتى الان هناك حالة عدم استقرار وكذلك تراشق كلامي واعلامي ما بين الطرفين (الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني)، في وقت يصرّ كل طرف على هذا المنصب.أما في سوريا، فبعد حالة زواج المتعة ما بين روسيا وتركيا وشهادة الضامنين المزيفة ومعهم إيران وسلسلة اجتماعات استانة وسوتشي وما تمخض عنها من ويلات على عموم الشعب السوري كلٌ حسب التوافق ما بين هذه الأطراف. ولم يسلم من وحشية تنفيذ اتفاقاتهم لا النظام ولا المعارضة المرتمية في أحضان الدولة التركية ولا كذلك مناطق شمالي وشرقي سوريا التي تعتبر تحت سيطرة مجلس سوريا الديمقراطي. حيث كان الضامنين يتوافقون فقط على مصالحهم الخاصة على حساب الشعب السوري في مناطقهم الثلاث. الآن وبعد المستجدات التي أحاطت بأوزبكستان وأوكرانيا، نرى ان التوافق الروسي – التركي يعيش حالة الموت السريري نتيجة تدخل تركيا في النزاعين في أوزبكستان وأوكرانيا وذلك بإرسالها المرتزقة من سوريا إلى هناك حسب ما هو مطلوب منها وفق الأجندات الدولية.وإيران الوضع الذي تعيشه لا يختلف كثيراً عمّا يحصل في العراق أو سوريا. فالوضع الداخلي مشتت كثيراً وحالة اقتصادية خانقة يعيشها الشعب هناك ووضع احتقاني كبير وخاصة في الأحواز ومناطق أخرى. بالإضافة لحالة الحصار الذي يضيق على إيران يوماً بعد يوم.أما لبنان الذي يهوي في فراغ الدولة الهشة فلا أمل يلوح في الأفق للخروج من المستنقع الذي أدخل لبنان فيه حسب التوازنات الطائفية والتوافقات الإقليمية والدولية. بكلمة أن لبنان يعيش مشاكل وتناقضات الدول الإقليمية والدولية أكثر مما يعيش حالته الداخلية. وهو نفس الوضع في اليمن وليبيا وأرمينيا التي لا زالت تبحث عن صديق تتكئ عليه لتخرجه من الصديق الروسي المنافق الذي أدخلها في حالة لا يحسد عليها.كل هذه النزاعات والتي ربما تتحول لصراعات سلطوية إن كانت على تشكيل الحكومة أو منصب الرئاسة سوف تتأثر بشكل مباشر بالتجاذبات الإقليمية والدولية والصراعات التي ما بينها بنفس الوقت.تتلاقي مشاريع قوى الهيمنة في منطقة الشرق الأوسط والتي تعمل كلا منها وفق أجنداتها العلنية (خدمة شعوب تلك الدول) ومخفية تنفيذاً لـ (أطماع)، تخدم مصالحها في الدرجة الأولى. فالتفجير الذي تعرض له ميناء بيروت في 4 أغسطس 2020 بكل تأكيد له علاقة بشكل من الأشكال بالغارة الذي تعرض له ميناء اللاذقية السوري في شهر ديسمبر من العام المنصرم، وله علاقة بالذي حصل أو الذي سيحصل في ميناء أم قصر أكبر موانئ العراق. وهو صراع شكله امريكي – إيراني وبنفس الوقت صراع أمريكي روسي وصيني لوأد مشروع “الحزام والطريق”.صراع قوى الهيمنة فيما بينها سيكون له تداعياته بشكل مباشر على المنطقة برمتها وذلك لغياب مشروع فكري نهضوي نعاني منه ويكون بديلاً عمّا هو مطروح من قِبل الآخرين. هذا التصحر الفكري النهضوي والتجديدي ينتشر في كل مفاصل المصطلحات الفكرية والمعرفية ربما كانت له ظروفه الموضوعية والذاتية والتي كان لها التأثير الكبير عمّا نعيشه في راهننا.بكل تأكيد للخروج من عنق الزجاجة ومستنقع التخبط الفكري الاستهلاكي ينبغي بالدرجة الأولى أن يكون ثمة بوادر لمشروع نهضة وإصلاح وتنوير لكل ما ورثناه من علوم اجتماعية واقتصادية وثقافية ودينية وسياسية ودينية، يقوم عليها مجموعة من المتنورين والمثقفين والمتكئين على قوة دافعة من الحكومات الوطنية التي لها هدف معين كي يكون لها موطئ قدم في مستقبل الأيام. إذ، لا يمكن الاعتماد على الكهنة أياً كان موقعهم إن كانوا من كهنة (السياسة – الاقتصاد – الدين – الثقافة – علوم الاجتماع)… الخ، وانتظارهم كي يقدموا مشاريع إصلاحية، لأنهم بكل تأكيد لن يتخلوا عن مصالحهم المادية والسلطوية التي يشفطونها كرمىً لعيون المجتمعات والشعوب. كهنة السلطة والمال والجاه إن كانوا دولاً أو شخوص أو أطراف سيحاولون بكل جهودهم عرقلة أية عملية تنموية واصلاحية تتم في أي مكان. هكذا علّمنا التاريخ الذي إن تصفحنا أوراقه لرأينا الكثير من الدروس فيها تعظنا بهذه الأمور الكبيرة. لأن كل من يبحث عن السلطة والمال يكون هدفه الأول والأخير هو الإبقاء على المجتمع في حالة من الجهل المعرفي والفكري كي يسهل السيطرة عليهم وتسييّرهم كيفما يشاؤون وأينما يريدون.ولطالما استغل الكهنة

اقرأ المزيد »

وَإِذَا مَرِضْتُمْ فَبِالفَلسَفَةِ تُشْفَونْ

الكاتب والمحلل السياسي– محمد أرسلان عليلطالما كانت المجتمعات منذ تشكلها البدئي معنية بشكل كبير حول كافة المجاهيل التي كانت تحيط بها وكذلك ذاك المجهول الكبير والذي لم يتوقف لبرهة لمعرفة ذاته وماهيته وكينونته، إنه الانسان. ضمن حالة الذهول والهلع بدأ هذا الانسان رحلته الاسكتشافية بدءاً من الذات (الجوانية) متجهاً نحو الطبيعة (البرانية)، التي كانت تغريه بجمالها وعفويتها وبساطتها، ولكن بنفس الوقت كانت الكائن الشرس الذي لا يعرف الرحمة ولا يمكن التحكم به والمعقد لدرجة تركه كما هو. ما بين هذه الثنائية التي شغلت باله وتفكيره الذي كان يحثّه على سبر أغوار هذا العالم المجهول للتأقلم معه. أولى خطوات هذا السبر كانت من خلال الشكوك والاسئلة التي هي كانت المحاولة الأولية لهذا الطفل البشري للبحث عن أجوبة تشفي فضوله الجامح في السيطرة عليها.المعصية أو رفض ما هو موجود والاحتجاج على ما هو متعارف عليه والتفكير خارج الصندوق كانت بداية طرح الأسئلة الكبرى للعوم في سماء المعرفة والوعي والفلسفة الأولى. وهي المسيرة التي بدأت لتمرد الانسان على كل شيء يحيط من حوله للخروج من هذا العالم المجهول والمخيف نحو عالم المعرفة والعلم والذي بدأ بالأسئلة الكبرى؛ مَنْ أنا ومَنْ أكون وما هذا وكيف؟ كل تلك الأسئلة رسمت الملامح الأولية لظهور الفلسفة فيما بعد، والتي فتحت الطريق نحو التطور الحضاري والثقافي للمجتمعات الإنسانية.بدأت فلسفة التطور الإنساني من ميزوبوتاميا ومصر القديمة والتي أعطت الكثير من أجوبة تلك الأسئلة التي كانت تؤرق الانسان إن كان في مجال الحياة أو الموت، الزراعة وعلوم الفلك والحساب. ولطالما كانت الفلسفة مرتبطة بشكل وثيق بالأخلاق المجتمعية والتي كانت بمثابة قوانين لا يمكن إحلالها مهما كان السبب. بهذه الحياة البسيطة والمركبة في نفس الوقت سطع نور الحضارة من هذه المنطقة لينشر شعاع التطور في كافة الأطراف القريبة منها والبعيدة. وما تأثر أرسطو بفلسفة هذه المنطقة إلا دليلاً على انبهاره بها حتى استطاع أن يقنع الاسكندر كي يسيطر عليها لما تحويه من علوم ومعرفة وفلسفة كانت تعتبر مركز الكون بالنسبة لهم.كانت الفلسفة بمثابة الميزان في استقرار المجتمعات وانضباط الانسان بقوانين الأخلاق المجتمعية وبالعلوم بشكلها البسيط التي وصلت إليه جراء محاولة الانسان التوفيق ما بين العلم والطبيعة من ناحية والحالة الروحية التي كانت تؤرقه أكثر للسجود للآلهة وطلب المغفرة منها وطاعتها.صراع الثنائيات الذي بدأ من الأزل كان هو العامل الحاسم في ظهور الطبقات للسيطرة على المجتمع وكدحه ومجهوده. هذه المحاولات التي لطالما قمعت وعملت على تكفير كل من يفكر بعيداً عمَّا يؤمرون به لتنفيذه كي ينالون طاعة الآلهة، وكل من كان يخالف هذه القوانين كان تهجيره وإبعاده هي الخطوة الأولى في السيطرة على الجميع بواسطة ترهيبهم وتخويفهم بالتهجير وأنهم منبوذين من خِلانهم. عملية الإبعاد تلك كانت هي الموت بحدِ ذاتها بالنسبة للإنسان في تلك المرحلة والذي سيكون وجهاً لوجه مع وحشية الطبيعة المجهولة. كان التهجير والإبعاد هي العقوبة الأولى لكل من يفكر أكثر من المجموعة التي ينتمي إليها، لتتطور إلى مرحلة الاعتقال والتعذيب والقتل في نهاية الأمر.هي نفسها الأدوات التي تستخدمها الأنظمة الحاكمة في راهننا لتطويع الانسان وجعله انسان مستقر يعيش كما يُقال له أن يعيش وألا يخرج عن المعرفة المقدمة له والتي تمثل هي فقط الحقيقة. وكل علم أو معرفة خارج ما يتم تلقينه له/م ما هي إلا هرطقة وهذيان.لهذا كان الفلاسفة والمفكرين على مرّ التاريخ عرضةً لشتى أنواع الملاحقات والمضايقات والنفي والتهجير وحتى الرجم والحرق والتكفير. ليس لأنهم فكروا أو ادعوا أنهم فلاسفة أو أنهم بشروا بدين جديد ووعدوا العالم بالسعادة والحرية، بل لأنهم “نبشوا في الأسس وقاموا بتعرية الأصول وأزالوا الأقنعة وفضحوا الأوهام”، كما قال فريدريك نيتشه.كان صراعاً ولا زال حتى راهننا ما بين الانسان المكافح والمقاوم من جهة وبين الانسان الخنوع والمستسلم والجبان من جهة أخرى. إنها الحياة التي خطت مسارها لبني الانسان والذي عليه أن يختار ما بينهما كي يكون بمقدوره مواصلة الحياة. إذ، لا يمكن النجاح في الحياة من دون كفاح ومقاومة كل “الأوهام” التي تصدرها لنا الأنظمة الحاكمة سواء تحت مسمى الدين أو القومجية، وذلك من أجل الاستحواذ على السلطة ومحاربة منافسوها مهما كانت درجة علومهم ومعرفتهم الحياتية. المهم عند الأنظمة هي أن يكون الانسان يؤمن بشكل أعمى بـ “القضاء والقدر”، من غير تفكير ولا حتى سعي للخروج من المأزق الذي يعيشه إن كان نفسياً وروحياً أو مادياً وجسدياً.إنها الرأسمالية التي قضت على كل أشكال العلم والمعرفة وجعلته من ملكيتها الخاصة ولا يمكن لأي كان أن يفكر خارج منظومتها الفكرية الاستهلاكية. الرأسمالية التي ليس لها أية علاقة بالاقتصاد ولا تطويره ما عدا أنها تفكر بالربح الأعظمي على حساب الاقتصاد المجتمعي. لذلك أنشأت الاقتصاد التقني والتكنولوجي البديل عن الاقتصاد المجتمعي، حتى أوصلت المجتمع لحالة من الفقر المدقع يعاني التضخم اليومي وعليه أن يدفع ما عنده وما إدخره كي يسد عجز السلطة، التي هي بدورها تسرق أي شيء تطاله يدها. باتت الصناعة الاستهلاكية هي المتحكمة بمفاصل المال الصناعي والذي لا يذهب إلا لحفنة من تفاهات المجتمع والمنبوذين وجعلهم من رموز المجتمع كي يتم تقليدهم من البسطاء.الرأسمالية لم تدع أحداً يعمل في مجال الفلسفة إلا وحاربته بكل الوسائل بهدف عدم ايقاظ المجتمع والانسان من غفلته التي يعيش فيها على أنها النعيم والفردوس المفقود. لذلك صنعت الفلسفة الرديئة ومكيجتها بألف لون ولون كي تُبهر عيون السذج من المصفقين لها والذين يدورون في فلكها. مفكرين وفلاسفة وعلماء أغبياء بكل معنى الكلمة هم الذين يروجون لنظام التفاهة هذا، الذي لا يعطي الانسان سوى الوهم يجعله يعيش في العالم الافتراضي الذي يصنعونه على أنه المستقبل، بعد أن يتم اقتلاع الانسان من حالة المجتمعية وجعله يعيش الفردانية المطلقة وليتحول إلى انسان متوحش لا يعرف معنى القوانين المجتمعية.وهذا ما حفّز فولتير إلى القول: “لا نجاح في هذه الحياة إلا بالكفاح المتواصل حتى آخر رمق، تسقط عند نهاية المسار والسلاح بين يديك! أما الجبان فهو الذي يقضي حياته متحسراً ومتأوهاً، تاركاً غيره يفعل به ما يشاء متى شاء وكيفما شاء”.لطالما كانت الفلسفة داء لكل الأمراض المجتمعية التي انتشرت نتيجة سطوة وسيطرة الأنظمة الحاكمة على المجتمعات ونشرت كافة أنواع الجهل الممنهج والعلم الرديء كي تجعل من الانسان لا يبحث سوى عن مصالحه الخاصة على حساب مصالح المجتمع العليا والعامة. وبهذا الشكل نكون وجهاً لوجه أمام مجتمع مخصي بعيد عن الإنتاج وينتظر في طوابير المعونات الإنسانية التي تتكرم بها الدولة على هؤلاء البسطاء من الرعية المخصية فكرياً. وأفضل من أعطى وصفاً دقيقاً لهذا النظام كان الدكتور آلان دونو في كتابه “نظام التفاهة”، حيث يقول: “أننا نمر اليوم في مرحلة تاريخية لا مثيل لها، تسود فيها سيطرة التافهين، على محاور الدولة الحديثة كلها. ولنظام التفاهة هذا رموز تافهة ولغة تافهة وشخصيات وأدوات تافهة. أما سرّ نجاحه فيكمن

اقرأ المزيد »

وإذا الشُعوبِ سُئِلتْ

الكاتب والمحلل السياسي محمد أرسلان علي لا زالت تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان تظهر تأثيراتها على دول الجوار لأفغانستان وعلى الداخل الافغاني بنفس الوقت. ففي الداخل لا زال الوضع ضبابي حول آلية تنفيذ الاتفاقات التي تمت ما بين أمريكا وطالبان وخاصة بعد ظهور ما يسمى “داعش خراسان” التي نفذت عدة عمليات انتحارية وتفجيرات راح ضحيتها العشرات من الضحايا. ورغم أن طالبان أعلنت مرات عديدة أنها سوف تنهي داعش خراسان، لكن على أرض الواقع الملاحظ أن داعش خراسان تتمدد وتنتشر في مناطق مختلفة من أفغانستان وخاصة في مناطق البلوش، الذين بالأساس أنهم على عداء مع طالبان. ويُقال أن الكثير من الضباط من الجيش الافغاني انضموا لداعش خراسان بعد الانسحاب الأمريكي. وربما أن ظهور داعش خراسان مخطط ومدبر من قبل أمريكا بنفس الوقت للسيطرة على طالبان في حال لم تنفذ ما هو مطلوب منها، ومن خلال هذه الجماعة بالمقدور التخلص من كل طرف او تيار يرفض التعاون مع أمريكا أو لا ينفذ ما هو مطلوب منه. وعليه رأينا في الآونة الأخيرة كيف أن طالبان بدأت بتنفيذ ما هو مطلوب منها كي تنال الشرعية من قبل المجتمع الدولي وبعد لقاءات عديدة مع ممثلين من بعض الدول وخاصة الصين وروسيا وأمريكا وتركيا وقطر وغيرها من الدول. وما قيام طالبان بالهجوم على مناطق في الحدود الشرقية لإيران قبل مدة وسيطرتها على بعض القرى هناك، له ارتباط وثيق بما يتم التخطيط له من أجل الضغط على إيران في الجبهة الشرقية والتي تعتبر الخاصرة الرخوة لإيران، لأنها في هذه الحالة سوف تحارب طرف غير منظم ويعتمد حرب العصابات ويمتلك عقيدة قتالية مناهضة للشيعة بشكل عام. ولكن في نفس الوقت أن لإيران علاقات قديمة وقوية مع الجماعات المسلحة إن كانت القاعدة أو طالبان أو داعش خراسان المتواجدة في أفغانستان. وهذا ما يمكن اثباته من وجود عائلة أسامة بن لادن في ايران حتى الآن وحتى يقال ان هناك معسكرات تدريبية اقامتها ايران للقاعدة ضمن حدودها وبالقرب من الحدود مع أفغانستان.أي، كيف أنه لأمريكا علاقات مع الفصائل المختلفة في أفغانستان كذلك لإيران، حيث عملت منذ سنوات على إقامة نفس العلاقات مع الأفغان. وكذلك الجبهة الشمالية أيضاً لم تهدأ وبعض الأحيان يقوم الاذربيجانيين ببعض المناورات بالقرب من الحدود مع ايران والقيام ببعض الهجومات على أرمينيا للضغط على ايران. وفي الخليج نفس الأمر هناك الكثير من الاستفزازات ما بين أمريكا وايران وخاصة قيام كل طرف باعتراض سفن الطرف الآخر للضغط عليه واستفزازه. وأهم جبهة يمكن أن تؤثر على ايران هي جبهة العراق.حيث لازال العراق الى الان لم يعلن النتائج النهائية للانتخابات والتي كانت نتائجها سلبية بالنسبة لإيران والتي خسرت فيها الانتخابات بشكل واضح بعيداً عمّا كانت في الصناديق. وعدم إعلان النتائج حتى الان له أسبابه التي يتم التحضير لها للضغظ على ايران للقبول بتقديم تنازلات للغرب من أجل التخلي عن البرنامج النووي وكذلك الانسحاب من العراق وسوريا ولبنان أو تحجيم أذرعها هناك (حزب الله في لبنان، الحشد في العراق، فصائل الشيعة في سوريا). حالة التخبط التي يعيشها العراق ولبنان وحتى سوريا له علاقة بما سيتم التحضير له في العراق لإيران بشكل مباشر. الأمور تسير نحو التصعيد رويداً رويداً في العراق وخاصة أن الفصائل الموالية لإيران الى الان لم تقبل نتائج الانتخابات التي خسرتها، وما قيامها بالاعتصام أمام المنطقة الخضراء إلا للضغط فقط من أجل الحصول على بعض الامتيازات في تشكيل الحكومة المقبلة، ولكن الظاهر أنه لن يكون لإيران أية امتيازات في أية حكومة سيتم تشكيلها في العراق في المستقبل. وعليه كل طرف يحضر نفسه من أجل أي تطورات من شأنها تؤدي إلى اشعال فتيل الحرب والاقتتال بين طرفي الشيعة في العراق. ما بين شيعة النجف وشيعة قم. الكل في حالة انتظار مما ستؤول له التطورات في العراق والتي سيكون لها تأثير مباشر على سوريا ولبنان والمنطقة بشكل عام. وربما كانت العملية الفاشلة لاغتيال الكاظمي من قبل فصيل تابع لإيران وفق ما تم تسريبه في الاعلام، هي نقطة البداية لابتعاد الكاظمي عن ايران أكثر وكذلك الفصائل الموالية لها.إقليم كردستان العراق الذي سيكون في معمعة هذا الشد والجذب العراقي الأمريكي الإيراني، وربما أن ما يحصل في إقليم كردستان العراق/جنوب كردستان من صراعات داخلية ما بين حزبي السلطة البارتي واليكيتي من طرف واليكيتي بين لاهور وبافل وقباد من طرف أخر له صلة مباشرة بايران ولتركيا كذلك يد فيها.من طرف آخر تركيا التي لم تهدأ الى الان رغم الحالة الاقتصادية الصعبة التي تعيشها إلا أنها تعمل كل ما في وسعها للسيطرة على جنوب كردستان وعيونها الان على الموصل وكركوك ومخمور. وما قيام داعش في الفترة الأخيرة بعدة هجمات في هذه المناطق إلا دليل على أن تركيا هي وراء هذه العمليات التي يقوم بها داعش والتي بحجتها يمكن لها أن تشن هجوما كبيراً على هذه المناطق بحجة محاربة داعش والسيطرة عليها وبذلك القضاء على الحالة السياسية لجنوب كردستان.الوضع في ليبيا لا يختلف كثيراً عن باقي المناطق التي تنتشر فيها الفوضى. ولا يمكن الفصل بين هذه المناطق ابداً. لأن العقلية الغربية بشكل عام تتقرب من المنطقة بشكل عام كقطعة جغرافية واحد تريد تنفيذ مشروع واحد فيها ألا وهو مشروع الشرق الأوسط الكبير/ الجديد. الانتخابات التي كان من المتوقع تأجيلها لحتى إشعار آخر قد تم تأجيلها بسبب عدم توافق القوى الإقليمية على الحل النهائي بعد. أي أن الاستقرار في ليبيا مؤجل حتى حين. ورغم محاولة تركيا التقرب من مصر والامارات والسعودية إلا أن الخلافات بينهم عميقة جداً ولا يمكن لهذه الدول ان تقبل بتركيا مرة ثانية. والكل يلعب على عامل الوقت لعله يربح فيها الزمن لتنفيذ سياساته في ليبيا.الوضع الفلسطيني لا يختلف عن باقي دول المنطقة التي تعاني القتل والتهجير والدمار والتغيير الديموغرافي على حساب سكان المناطق الأصليين. فما يفعله النظام التركي في الشمال السوري لا يختلف كثيراً عمّا تسعى إليه إسرائيل في سيطرتها على بعض المدن والمناطق وتهجير سكانها. إسرائيل متمادية في عنفها على الشعب الفلسطيني وسط صمت دولي كبير واقليمي خجول، هو نفسه الصمت الذي يعاني منه الكرد جراء فاشية النظام التركي وأفعاله في الشمال السوري وشمال العراق وحتى ضمن المدن الكردية في تركيا.إنها الفوضى التي ضربت المنطقة بشكل عام تحت مسميات مختلفة إلا أنها لا تختلف في الدمار والخراب والظلم الذي تعاني منه المجتمعات في المنطقة. شعوب تقتل وتهجر ويتم تدمير المدن أما أعين أنظمة العالم التي أعمتها بريق المال والذهب والسلطة. ليبقى الأمل والمقاومة هو سلاح المجتمعات التي عانت الأمرين. مرّ أنظمتها الحاكمة والمستبدة والتي سرقت خيرات شعوبها تحت شعارات وأوهام ذهبت كلها في مهب أول ريح عصفت بالمنطقة من أجل التغيير، ومرّ قوى الهيمنة العالمية المدعية للديمقراطية وحقوق الانسان والتي في نهاية المطاف

اقرأ المزيد »

إشكالية الانسان في المنطقة…. رعايا أم مواطنون

الكاتب والمحلل السياسي محمد أرسلان علي ما نعيشه الآن من حالة فوضى مستشرية في كافة مفاصل الحياة الفردية والمجتمعية ما هو إلا نتيجة حتمية للحالة الفكرية وللنظم التي حكمت المنطقة منذ عقود من الزمن إن كان ما بعد الحرب العالمية الأولى أو الثانية وما سمي بمرحلة الاستقلال الوطني. منذ ذاك الحين وحتى الآن معظم تلك وهذه الأنظمة التي كانت وما زالت تردد أننا في معركة مصيرية مع العدو ونحن محاصرين وهناك مؤامرة كونية علينا للنيل من سيادتنا وأمننا القومي وكرامتنا. عقود وهذه الأنظمة تبتاع الأسلحة بمختلف أنواعها للتصدي لهذه المؤامرات والهجمات وكل ذلك كان على حساب الشعب والمجتمع ورفاهيته التي تنازل عنها لصالح السيادة والأمن والاستقرار.لكن خلال العقد الأخير وما نعيشه من حالة الاقتتال والصراع والحروب في بلداننا وما وصلنا له من تشتت وتفكك للدولة القوموية والسيادة الوطنية “الهشّة”، لم تكن بسبب تلك الهجمات الخارجية بقدر ما كانت من عقلية الأنظمة المتحكمة بالدولة والتي كان ولا زال جلَّ هدفها الحفاظ على سلطتها ولو كان ذلك على حساب السيادة والشعب والمجتمع. لأننا نرى أن السيادة قد انتهكت والشعب قدّ تم تهجيره والمجتمع لم يعد له وجود بمعناه الذي عرفناه على أنه أساس التطور الإنساني.سوريا والعراق واليمن كنموذجاً، وغيرها من البلدان التي أصابها ما أصابها من تفكك داخلي قبل الهجمة الخارجية كانت السبب الرئيس في حالة الانزلاق نحو الدولة الهشة التي نعيشها بكل تفاصيلها. وما الشعارات التي كنا نصدح بها ليلاً ونهاراً على أننا نعيش الدولة الوطنية، لم تكن إلا شعارات جوفاء خدعنا بها أنفسنا قبل أن نخدع الآخرين. حيث لم نكن نعيش في دولة وطنية بقدر ما كانت دولة استبداد تحول فيها الانسان من مواطن إلى رعية. الكاتب جورج أورويل الذي كتب رواية “مزرعة الحيوان” قبل 75 عامًا تقريبا وأثناء الحرب العالمية الثانية، كتبها لأنه كان قد قرأ التاريخ جيدًا وكتبها لجيل المستقبل كي تكون لهم درسًا وعبرة لنا بعد كل هذه السنوات. مزرعة الحيوان هي رواية توثيقية توصيفية للدوغمائية التي أصابت ثورات الشعوب في تلك الفترة ورفضت التجديد في قراءتها للواقع وراحت تتمسك أكثر بالماضي الذي تولى ولن يعود البتة.هي نفس المرحلة التي نعيشها الان بكل تفاصيل تلك الرواية في دلونا ذات السيادة الوهمية الهشّة والتي حولتها الأنظمة إلى مزرعة الحيوان كما فعلها ستالين وهتلر. ما أشبه أحداث هذه الرواية ونحن نعيشها بكل تفاصيلها الدقيقة وكأننا نعيش عام ١٩٤٥ والسيد أورويل ينظر إلينا ويكتب الرواية وهو يضحك على حالنا.وهذا هو الفرق الذي لم نكن نعيره أي اهتمام حينها. حيث في دولة الاستبداد يسعى الحكام لتحويل الشعب إلى مجرد رعاع وقطيع ينفذون ما يؤمرون به فقط بعيداً عن ممارسة دورهم في السياسة المجتمعية وبالتالي في المشاركة في بناء الدولة الوطنية. لم نكن مشاركين فيها بقدر ما كنا رعية كل ما هو مطلوب منا أن نحافظ على الدولة بالتضحية بالذات من أجل السيادة والاستقلال. أما النهوض والتنمية بالدولة فلم تكن وظيفتنا مطلقاً وغير مطلوبة مننا بنفس الوقت. لأن الزعيم والخالد هو من يفكر بمصلحتنا التي يعرفها أكثر مننا وهو المسؤول عن رعيته، وكأن ذلك قدرنا الذي قبلنا به طوعاً.دولة المواطنة التي كانت غائبة عنّا بألف وسيلة ووسيلة، إن كان ذلك بالقهر القوموي الواحد مع اقصاء باقي الشعوب والقوميات أو بالاستبداد الديني المبني على الطقوس فقط مع غياب جوهر الدين الرحيم. فكنا أمام خيارين لا ثالث لهما؛ فإما أن تكون بعثياً عروبوياً قومجياً أو أن تكون من جماعة الاخوان المسلمين التي لا هم لها سوى الوصول للسلطة والتحكم بالبلاد والعباد، وفي كلتا الحالتين لم نكن بنظرهم سوى رعايا أو رعاع فقط لا غير. والانسان ليس سوى قربان يتم تقديمه في بازارات السياسة القبيحة للدول للجهات الإقليمية والدولية.بكل تأكيد لا يمكن بناء دولة المواطنة بقرار يتخذه الزعيم أو الرئيس الخالد في غفلة من الزمن. إذ، أننا بحاجة إلى ثورة بكل معنى الكلمة على معظم الثقافة التي تم حقننا بها طيلة العقود المنصرمة والتي أدت إلى لما نحن عليه الآن. المواطنة هي حالة ثقافية وممارسة يومية أكثر ما هي قرار وقانون. كما الديمقراطية كيف أنها ليست فقط صناديق انتخاب بل هي تربية ثقافية وحالة توعوية ذهنية. تبدأ بالاعتراف بالآخر وقبول وجوده كما هو وبنفس الوقت ممارسة المجتمع والفرد السياسة التي تكفل حقه في عملية بناء الدولة والمجتمع. فبدون أن يشعر الفرد بأهمية وجوده وخاصة في بناء مجتمعه وممارسته السياسة، لا يمكن أن يحس بالانتماء والولاء للوطن والشعب والمجتمع وسيعيش حالة الاغتراب عن ذاته وشعبه ووطنه، وهو ما كنا نعيشه بكل معنى الكلمة.ننتظر معجزة إلهية تنتشلنا مما نحن فيه أو مما وقعنا فيه من جب عميق بلا قاع، نحفر بأظافرنا قعر الجب علَّنا نخرج منه، متناسين أننا نغوص أكثر فأكثر نحو الأسفل والعتمة التي هي الجهل بحدِ ذاتها. “محكومون بالموت مع وقف التنفيذ”، قالها أمين معلوف في روايته (التائهون)، نعيش ما بين الحياة والموت، ما بين الحرب والسلام، المستقبل بقناع الماضي. نعيش كما ألفينا عليه آباءنا المتصارعين ما بين الشرق والغرب وما بين الدين والقوموية، حتى بتنا كخراف تنتظر جزارها لتكون ضحية لهذا التيار أو ذاك. المهم أننا ضحية أو قرباناً لهذا الفكر أو ذاك ولهذا الحلف أو ذاك.وبين هذا وذاك ما زلنا نتصارع فيما بيننا على أن كل طرف يمثل الحقيقة والآخر هو الكافر والعميل والخائن. ثنائيات باتت جزءاً من شخصياتنا وتكويننا الفكري الهزيل المبني على علوم المستشرقين الخواجة الذين يسبقوننا بسنوات ضوئية في علومهم ومعارفهم، كما نحن نتخيلهم. مستشرقين كتبوا لنا تاريخنا وعلومنا ودساتيرنا وشكلوا أوطاننا ورسموا أعلامنا، وأوهموننا أنه لا بدّ من برلمان كي نكون ديموقراطيين. برلمان شبيه بحلبة المصارعة الاسبانية أو كما يسمونه بـ (كولوسيوم) يتصارع فيه العبيد لحساب الملوك ولتكون المصارعة (الانتخابات) احتفال سنوي لا جديد فيه سوى أن العبيد يتصارعون ليفوزوا بحياة وهمية حتى جولة أخرى لا أكثر.اختزلوا الديمقراطية بانتخابات برلمان العبيد والذي يستمر حتى راهننا بنفس الجوهر والوظيفة ليسن لنا تشريعات وقوانين ليس لها علاقة بواقع الحياة للشعوب والمجتمعات. تناسوا أن الديمقراطية ثقافة واحترام الآخر وقبوله كما هو وليس كما أنا أريد، وهكذا وصلنا لمجتمع متنمل استهلاكي مخصي ينتظر العناية الإلهية لتخلصه مما هو فيه. من هنا كانت بدعة المخلص والمهدي المنتظر الذي سيأتي ليخلصنا من الظلم الذي نحن فيه. أي علينا فقط الانتظار. وهنا تكمن اللعبة الحقيقة التي وقعنا فيها كي لا نعمل ونجتهد ونتعلم لنخرج أنفسنا بأيدينا من الجهل الذي نحن فيه. بل علينا أن ننتظر الآخرين كي يخلصونا، ونقع في فخ الاتكالية والانتظار وقبول العبودية لأننا نؤمن بأن المخلص سيأتي يوماً ما. وبهذا نكون قد قتلنا عامل الوقت بأيدينا، في وقت قالها أجدادنا أن (الوقت كالسيف إن لم تقطعه، قطعك). تراجيديا كبيرة نعيشها مع الزمن

اقرأ المزيد »

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

اخر الاخبار

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

error: Content is protected !!