القضية الكردية بين التاريخ والحاضر وحلها الديمقراطي
الكاتب والباحث السياسي الكردي السوري – المهندس أحمد شيخوبداية القضية الكردية والإنسانية:إن مسببات بروز القضية الكردية الراهنة ضمن الهلال الخصيب، الذي تشارك الشعب الكردي والعديد من المجتمعات والشعوب العيش فيه، يرجع إلى ظهور الهرمية والمدينة والطبقة والدولة المتنامية ضمن أحشاء المجتمع.فقد أنجزت المدنية السومرية في ميزوبوتاميا السفلى (ما بين أعوام 3000–2000 ق.م) بأحد معانيها كحلّ للقضايا الاجتماعية التي تمخض عنها المجتمع النيوليتيّ (Neolithic) البارز في ميزوبوتاميا العليا وبالمركز منها كردستان(موطن الكرد التاريخي) منذ حوالي 10 ألف سنة قبل الميلاد والتنقيبات الاثرية في منطقة كوبكلي تبة(خرابي رشكي) القريبة من مدينة رها(أورفا) وغيرها على الحدود التركية السورية الحالية تؤكد ذلك .أما تلك القضايا، فكانت تأتي من :1- التزايد السكانيّ.2- ضيق مساحة الأراضي .3- ازدياد النزاعات.4-الاحتياجات الجديدة البارزة للمشهد.5- التراكم والتكاثف والتطور التدريجي للحياة والإنسان ومداركه.لقد قام الكهنة السومريون في ميزوبوتاميا السفلى بالبحث عن أجوبة تاريخية لتلك القضايا، من خلال إيجادهم الطبقة والدولة المتمحورة حول المعبد؛ وكانت الزقورات السومرية بمثابة الأرحام البدائية الولادة للدولة، وذلك اعتماداً على حكمائهم النابغين، وبالاستفادة من جميع العناصر المادية والمعنوية للثقافة النيوليتية التي اقتاتوا منها والتي أنجزها شعوب ميزوبوتاميا العليا وعلى رأسهم أسلاف الشعب الكردي والمجتمعات التي عاشت مع الكرد. وقد تبدّى للعيان بدايةً أن الكهنة لم يكونوا على خطأ. فكأنّ العصر الجديد المستند إلى ثالوث المدينة والطبقة والدولة، كان بمثابة حلّ خارق للقضايا العالقة آنذاك.وميثولوجيا ذاك العصر لم تكن تعبّر عبثاً عن نظام إلهيّ جديد ربما كان بدايةً جديدةً لجميع الأحداث اللاحقة في التاريخ البشريّ. فقد تحوّلت معجزة الثورة النيوليتية (neolithic revolution)إلى معجزة المدنية وفق تحور ولوازم المكان والزمان والهدف الجديد.والنظام المبني حينذاك ربما كان الأطول زمناً و المتين بنياناً طيلة التاريخ. لكنه، ومع نضوج وتجذّر التناقضات التي بداخله، لم يتخلف هذه المرة عن أداء دور المولّدة الأولى لقضايا اجتماعية جديدة وأزمات ستتراكم مع السنوات والقرون.هذا وتنصّ أولى الوثائق المدوّنة أيضاً على أنّ القضايا الاجتماعية برزت بأنقى أشكالها في التاريخ ضمن المجتمع السومريّ. فما حالات سوء التفاهم المتجلية بين الآلهة أنفسهم من جهة، وبين الآلهة والعبيد من جهة أخرى في حقيقة الأمر سوى انعكاسٌ للقضايا الاجتماعية وللتناقضات بين أصحاب السلطة من جانب، وللصراع بين أصحاب السلطة والناس الذين يستخدمونهم عبيداً من الجانب الثاني.من هنا، يمثل المجتمع السومريّ، الذي ترك بصماته على الكثير من البدايات في التاريخ، بدايةً لا نظير لها من حيث القضايا التي أسفر عنها أيضاً.بالإمكان إرجاع أولى القضايا الاجتماعية الجادة التي عانت منها أسلاف الكرد أو المجموعات الكردية الأصيلة إلى المدنية السومرية. وبالأصل، فقد حبكت ملحمة كلكامش تأسيساً على هذه القضايا. فقد كانت ثقافة آل عبيد الهرمية (بين أعوام 4500–3500 ق.م) وثقافة أوروك المدينية (بين أعوام 3500–3000 ق.م) مرغمتين على توسيع ذاتيهما باستمرار باتجاه الشرق والشمال. وباعتبارهما أول كيانين ثقافيّين متمحورين حول المدينة والطبقة والدولة، فقد كانتا مضطرتين إلى التغذي من المجتمع النيوليتيّ الموجود على كلا الاتجاهين كي تتمكن من الحياة. وقد جلبت هذه الضرورة الاشتباك والنزاع معها وبالتالي الصدمات والحروب أحياناً.ملحمة كلكامش:أما العلاقة بين ثنائيّ كلكامش وأنكيدو في الملحمة التاريخية، فتعكس وتشير إلى الإشكالية الكامنة في أول علاقة نموذجية للاستعمار الإمبرياليّ في التاريخ. فالمجموعات الكردية العريقة تفيد بالمقاومة متمثلةً في شخص هومبابا ضد العلاقة الاستعمارية الإمبريالية. ويتستر في أساس القضية موضوع الحفاظ على الحياة الحرة الناضجة بالمساواة ضمن المجتمع النيوليتيّ في وجه الحياة المدينية والطبقية والدولتية. إذ يأتى بأنكيدو أسيراً إلى مدينة أوروك، ويروّض، ويستخدم ضمن مجتمع المدينة كمتواطئ عميل ضد المجموعات التي ينحدر منها من جبال كردستان أي ميزوبوتاميا العليا.الهوريين والكوتيين:قاومت وثابرت القبائل الهورية(أحد أسلاف الكرد) ضد صعود حضارة المدينة. وتدلّ هذه المقاومات المرتكزة إلى سلسلة جبال زاغروس على مدى استفحال ودوام القضايا الاجتماعية. أما الكوتيون(أحد اسلاف الكرد)، فيعبّرون عن البنية الكونفدرالية لأولى القبائل التي تنحدر أصولها من جبال زاغروس، والتي سجّلت اسمها على صفحات التاريخ بانتصارها على الحكّام السومريين.الإنصهار:كما ونرصد عن كثب في تلك الحقبة أول مثال لحالات انصهار الغالبين في بوتقة ثقافة المغلوبين المسيطرة، والتي ستنتصب أمامنا لاحقاً على مدار تاريخ المدنية. في حين قام المهيمنون الذين أظهرهم فنّ القتال بتعزيز النظام الحاكم دون انقطاع. فبينما دارت المساعي لحلّ القضايا، فقد أدت إلى استشرائها وتعاظمها ضمن مفارقة واضحة. ذلك أنّ السلطة تمهد السبيل إلى مزيد من السلطة، وأنّ الدولة تفسح المجال أمام مزيد من الدولة، لتتضخم القضايا بدورها وتتضاعف. الهيمنة البابلية والأشورية:شهدت الهيمنتان البابلية والآشورية، اللتان ورثتا تقاليد السلطة من السومريين فيما بين أعوام 1950 ق.م و600 ق.م، وضعاً مشابهاً لدى توسيعها النظام أفقياً وعامودياً. فنظراً لتفاقم القضايا الناجمة من المدينة والطبقة والدولة والسلطة اتساعاً وعمقاً، فإنّ البحث عن الحلّ أيضاً قد جرى ضمن نفس الدوامة العقيمة وبمنوال أوسع وأعمق.الاستعمار الخارجي والنفوذ الطبقي:لكن، وبينما أفضى الاتساع إلى الإمبريالية والاستعمار، فقد أفسح التعمق أمام مزيد من التحول الطبقيّ والاستغلال. ومن ثمّ كانت آلية ذلك النظام، الذي تعاظم مكرّراً ذاته حتى يومنا الراهن، ستظلّ كما هي: تطوير البنية الإمبريالية الاستعمارية خارجياً، وتأسيس النفوذ الطبقيّ داخلياً. هكذا، فقد بات الغالب والمغلوب على السواء ضحية النظام عينه.المقاومة الكردية:ومقابل ذلك، كانت دوامة أسلاف الكرد في المقاومة ضد المدنية استناداً إلى سلسلة جبال طوروس–زاغروس ستطوّر آليتها الحرة، التي ستتعاظم وتتكرر إلى يومنا بنحو متواصل. وكان سيتنامى وعي العشائر والقبائل على خلفية آلية المقاومة لأجل الحرية، وسيتّسع نطاق تنظيمهم، وبالتالي سيسعى المزيد من العشائر والقبائل للبقاء أحراراً. أي أنّ دياليكتيك النشوء ينشط في كلتا الآليتين، ويعظّم كلا النشاطين الجدليّين من نفسيهما على الدوام. الجواب الزرادشتيّ الكردي: إنّ ردّ أسلاف الكرد على قضايا المدنية المحتدمة مع الهيمنتين البابلية والآشورية النابعتين من التوسع الثقافيّ السومريّ، قد عكس ذاته في تقاليد مازدا–ميترا والشريعة الزرادشتية. الأساس في جوهر هذه التقاليد ليس تبنّي الثقافة السومرية كما هي. بل إطراء التحويل عليها وسرد خلاقيتها الخاصة بها. إنّ التحول هنا تاريخيّ. فهذه التقاليد هي التي مكّنت لظهور التقاليد الإغريقية–الرومانية الثقافية. ورغم أنها لم تتمكن من تقويض دوغمائية المجتمع العبوديّ ضمن سياق التاريخ البشريّ، إلا إنها تتسم بتفوقها الذي يؤهّلها لتطويعها وكسر شوكتها، ولتقديم بدائل جديدة بين الحين والآخر. حيث قفزت بالإنسان والأخلاق، وبالتالي بالإرادة إلى مستوى أرفع، وعقدت عرى حرية الإنسان مع الأخلاق والإرادة. هكذا، فالبشرية التي كانت سابقاً مجرد حشد من العبيد البسطاء وبمثابة العدم في عين الآلهة والآلهة–الملوك، قد اكتسبت مزايا مفعمةً بالحرية المنتفضة للتعبير عن إرادتها ولإعادة هيكلة أخلاقها. من هنا، فالثقافة البارزة على حوافّ جبال زاغروس، والجواب الزرادشتيّ بصورة خاصة يتّصفان بأهمية مصيرية من جهة إدراك القضايا الأساسية في ذاك العصر ورسم ملامح طريق الحرية والإرادة الحرة والمساواة.جواب الديانات الإبراهيمية:يمكن تحليل الجواب الإسلاميّ المعطى رداً على القضايا الناجمة من المدنية عن كثب أكثر. حيث يمكن تفسير الإسلام بأنه أساساً جوابٌ









