أحمد شيخو، الكاتب والباحث السياسي
عندما أبدع المسرحي الفرنسي موليير مسرحيته الخالدة “طرطوف” (Le Tartuffe) في القرن السابع عشر، لم يكن يسطّر مجرد كوميديا اجتماعية تنقد فرنسا الباروكية، بل كان يغرس مشرط الجراح في عمق ورمٍ إنساني عابرٍ للأزمنة والأمكنة: ظاهرة الزيف، والأخلاقوية الادعائية، وتوظيف القيم الكبرى لمآرب سلطوية ودنيوية ضيقة.
لقد تجسد في شخصية “طرطوف” الرمز الأسمى للمنافق الذي يتسرب تحت عباءة الزهد إلى بيت النبيل “أورغون”، فيسلب إرادته، ويستنزف ثروته، ويهدد بنيان أسرته، كل ذلك تحت لافتة الورع الإلهي. واليوم، إذ نستقرئ واقع الشرق الأوسط المعاصر، نلفى أن هذه الطرطوفية لم تطوها السنون، بل ارتدت لبوساً عصرياً تحولت معه من نفاقٍ فردي إلى “طرطوفية سياسية” عابرة للمجتمعات، يجسدها نمطان رئيسيان في الشرق الأوسط: المتدينون الأحاديو النظرة، والقومويون الشوفينيون.
إن التاريخ الممتد للشرق الأوسط يشهد بأن المنطقة لم تعانِ من عجز الموارد أو قلة الكفاءات بقدر ما عانت من سيادة الأيديولوجيات المغلقة التي تتخذ من المقدسات شاشات حجبٍ تُخفي خلفها مطامع الهيمنة وتأبيد الاستبداد. وتتجلى الطرطوفية السياسية بوصفها الآلية الأكثر فتكاً بالنسيج الاجتماعي، لكونها تتغذى على المشاعر العاطفية الدافقة لدى الجماهير، وتستثمر في المخاوف التاريخية المتراكمة، صانعةً منها أسواراً عالية تحول دون بنائها لدولة المؤسسات والحريات.
البنية الفلسفية والأيديولوجية للطرطوفية السياسية
تستند الطرطوفية في جوهرها الاجتماعي والسياسي إلى أركانٍ رئيسية تُشكل منطلقاتها الفكرية وآلياتها العملية في السيطرة:
1. احتكار المطلق: ادعاء الفاعل السياسي النطق باسم الحقيقة المطلقة، سواء تمثلت في نص مقدس يُلغى التفسير المتعدد له، أو في نَقاءٍ عِرقيّ موهوم يُصادر حق الآخرين في الوجود.
2. إقصاء المخالف وتخوينه: تحويل أي خلاف فكري أو سياسي من مجرد تباين في الآراء والبرامج إلى صراع حتمي بين الخير المطلق والشر المطلق، مما يشرعن استئصال المخالف.
3. إنكار التعددية الاصيلة: اعتبار الخصوصيات الثقافية واللغوية والمذهبية تهديداً للوحدة المزعومة بدلاً من كونها مصدر غنى وإثراء حضاري للمجتمع.
في دراما موليير، لم يسعَ طرطوف إلى محاجة خصومه بالحجة البرهانية، بل آثر ترهيبهم باللعنة والإثم. وعلى المنوال ذاته في الشرق الأوسط، يتذرع تجار الدين وغلاة القومية بالسلوك نفسه؛ إذ يغلفون عجزهم الإداري والتنموي بشعارات تعبوية تُعطل العقول وتستثمر في أزمات المنطقة التاريخية. إنهم يبنون مشروعيتهم السياسية لا على ما يقدمونه من إنجازات مادية أو إصلاحات معيشية لبناء الحياة الحرة والكريمة، بل على حجم الخوف الذي يزرعونه في نفوس أتباعهم من الآخر المختلف.
طرطوف المتدين: استثمار المقدّس لإعادة إنتاج الاستبداد
يتصدر “طرطوف المتدين” الخارطة السياسية في الشرق الأوسط، ممارساً أنكأ أشكال النفاق الأيديولوجي؛ إذ يحول الدين من قيمة روحية وأخلاقية تحمي كرامة الإنسان وتدعو للعدل، إلى أداة للصراع على السلطة وتفكيك المجتمع.
1. ازدواجية الشعار والممارسة: يرفع شعارات العفة والزهد، بيد أنه عند التمكن يتكالب على المغانم والمحاصصة، معيداً إنتاج شبكات الفساد والزبائنية ذاتها التي طالما هاجمها إبان وجوده في المعارضة.
2. تصدير الخوف والافتغال بالرمزيات: بدلاً من وضع استراتيجيات اقتصادية وخطط لنهضة التعليم والصحة، يُغرق المجتمع في معارك جانبية حول الهوية، محمّلاً الخصوم مسؤولية انهيار الأخلاق، بينما تتآكل مؤسسات الدولة تحت وطأة الفشل.
3. تقديس الذات وشيطنة النقد: كما في المسرحية، يعد هذا التيار أن نقد ممارساته السياسية أو رموزه هو استهداف للدين ذاته، لترهيب المجتمع وإسكات كل صوت نقدٍ أو إصلاح.
إن خطورة هذا النمط تكمن في أنه يُفرغ الدين من شحنته الأخلاقية والإنسانية، ويحوله إلى مجرد شكليات وشعارات تُسلتل لشرعنة القمع والتسلط. وتغدو الهوية الدينية في ظله معياراً للولاء السياسي والمكاسب الدنيوية بدلاً من أن تكون دافعاً للبناء والعطاء والتسامح.
طرطوف القوموي: أسطورة النقاء وتخوين الآخر
إن كان طرطوف المتدين يتستر بالغيبيات، فإن “طرطوف القوموي” يتذرع بالأسطورة العرقية والتاريخ المبتسر. لقد شهد الشرق الأوسط صعود تيارات قوموية أحادية تنظر إلى العرق أو الأمة بوصفهما جوهراً أسمى يبرر سحق الشركاء وإلغاء التعددية.
1. المرجعية الأحادية: الارتهان لأسطورة النقاء العرقي والسيادة التاريخية المزعومة، واختزال الوطنية في الولاء المطبَق للأيديولوجيا الحاكمة أو العرق السائد.
2. الذرائعية والنفعية: تخوين الخصوم واختلاق عدوٍ دائم لتبرير الإخفاق التنموي والتحكم في مقدرات المجتمع، وحظر أي مساحة للنقد الذاتي.
3. الخطاب التجييشي ونفي التنوع: الاعتماد على الشوفينية والتعبئة التي ترفض التنوع الثقافي أو اللغوي، وتعد التعدد تهديداً وجودياً لكيان الدولة والأمة.
يمارس القوموي الأحدادي طرطوفيته حين يتباكى على مظلومية قوميته، بينما يمارس البطش نفسه ضد الأقليات والمكونات الشريكة في الوطن. يدعي الحرص على استقلال القرار الوطني، لكنه يستنزف مقدرات الشعوب في معارك وهمية لا تُطعم جائعاً ولا تبني مجداً، مستعبداً الإرادة الوطنية ومصادراً حريات الأفراد والمجموعات.
العواقب الوخيمة: تجريف المجتمع وتزييف الوعي
تجاوزت خطورة الطرطوفية السياسية حدود السجال الفكري لتتحول إلى واقع مأساوي يتجلى في أبعاد حاسمة تُدد أركان المجتمعات الشرق أوسطية:
1. تآكل دولة المواطنة: استبدال مفهوم المواطن المستقل ذي الحقوق والواجبات بمفهوم المريد التابع أو الموالي العرقي، مما ينسف أسس الدولة الحديثة.
2. تغييب العقل الديمقراطي: سيادة الخطاب العاطفي التجييشي الذي يُقصي التحليل الموضوعي، والمساءلة السياسية، والشفافية.
3. قمع الهويات الأصيلة: حرمان المكونات الاجتماعية والعرقية والمذهبية من حقها الطبيعي في التعبير عن هويتها ولغتها وخصوصيتها الثقافية تحت ذريعة الانسجام القسري أو الحفاظ على الأمن القومي.
4. تخريب القيم الروحية والوطنية: حين يكشف المجتمع النفاق المتأصل خلف تلك الشعارات، ينشأ رد فعل عكسي يدفع أجيالاً زاهدة للكفر بالقيم الوطنية والروحية نفسها، ظناً منها أن هذا السلوك الطرطوفي هو جوهر تلك القيم.
التعددية والمواطنة والديمقراطية: المخرج التأسيسي لإسقاط الطرطوفية
إن إنهاء سطوة الطرطوفية السياسية في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق عبر معالجات سطحية أو استبدال أيديولوجيا أحادية بأخرى، بل يتطلب إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس صلبة تتجاوز منطق الهيمنة والغلبة والوصاية.
1. ترسيخ المواطنة المتساوية: بناء دولة القانون والمؤسسات التي يتعامل معها الأفراد بوصفهم مواطنين ندّيين، متمتعين بحقوق متكافئة ودون تمييز قائم على الدين أو العرق أو المذهب أو الجنس.
2. كفالة حق التعبير عن الهوية واللغة: الاعتراف الشجاع بالتعددية كمعطى حضاري وتاريخي أصيل، وضمان حق جميع التكوينات الاجتماعية والعرقية والمذهبية في ممارسة حياتها والتعبير عن خصوصيتها الثقافية ولغتها بحرية ودون ترهيب أو قيود.
3. الالتزام بالآليات الديمقراطية: إرساء قواعد التداول السلمي للسلطة والتعددية السياسية الحقيقية، والتأسيس لفصل واضح بين السلطات يضمن التوازن ويسمح للمجتمع بمساءلة الحكام ونزع الشرعية عن كل من يستغل المقدس أو القومي لخدمة مصالحه الفئوية.
4. إن الاعتراف بحق الشعوب والمكونات المختلفة في ممارسة خصوصيتها الثقافية واللغوية ليس مجرد منّة أو مكرمة من السلطة، بل هو حجر الزاوية في بناء استقرار دائم. فالقسر الهوياتي لا ينتج إلا الانفجار والتفتت، بينما تفتح التعددية القائمة على احترام الآخر الآفاق نحو مجتمع متماسك وقوي.
الخاتمة: نحو تجريد الطرطوفيين من أقنعتهم
في الفصل الأخير من مسرحية موليير، لم يسقط طرطوف إلا عندما واجه الحقيقة مجردة وبلا مواربة أمام السلطة والمجتمع. وفي الشرق الأوسط المعاصر، لن تنتهي سطوة “الطرطوفية السياسية” إلا بعملية تنوير ونقد فكري جذرية تفكك هذا الخطاب المنافق وتنتصر لإنسانية الإنسان.
إن التحدي الحقيقي أمام المجتمع والمثقفين والقوى الحية اليوم هو الانتقال من شباك العاطفة السياسية والأيديولوجيات المغلقة إلى رحاب العقلانية والديمقراطية؛ عبر إرساء دولة المواطنة وسيادة القانون، وتعرية كل من يستغل المحرّك الديني أو القوموي لمآرب سلطوية وضيعة. إن مواجهة الطرطوفية لا تعني نفي الدين أو إنكار الهوية القومية، بل إعادتهما إلى مضمونهما الأخلاقي والإنساني البعيد عن أطماع السلطة، مع احترام حق جميع التكوينات في العيش بهوياتها ولغاتها المتنوعة في وطن يتسع للجميع. حينها فقط، يعود للعقل الشرق أوسطي رشده، وتتساقط الأقنعة عن طرطوف الأمس واليوم.








