نظام مياه نهر السند
يبلغ طول نهر السند حوالي 1800 ميل. أما روافده الغربية (كابول، وكُرَّم) فيزيد طولها على 700 ميل، في حين يبلغ مجموع أطوال روافده الشرقية (جيلوم، وتشيناب، ورافي، وبياس، وستلج) أكثر من 2800 ميل.
ويغطي حوض النهر مساحة تبلغ 450 ألف ميل مربع، ويُعد من أكبر أحواض الأنهار في العالم. ويقع معظم الحوض داخل الهند وباكستان، وقد أسهم في تشكيل تاريخ وثقافة ونظام البيئة في منطقة جنوب آسيا.
نبذة موجزة عن المفاوضات
2- أدى تقسيم الهند في أغسطس 1947 إلى نشوء نزاع حول مياه نهر السند، الأمر الذي استلزم في نهاية المطاف إجراء مفاوضات للتوصل إلى تسوية متفق عليها. وكانت “اتفاقية ما بين الدولتين” التي تم توقيعها في 4 مايو 1948 (اتفاقية دلهي) أول آلية لتنظيم استخدام المياه بين البلدين.
وبينما أقرت الاتفاقية بوجود نزاع بشأن إمدادات المياه، فقد نصت على أن “حقوق الملكية” لا تخول إقليم البنجاب الغربي المطالبة بأي حصة من مياه إقليم البنجاب الشرقي.
وقد قامت باكستان لاحقاً بإلغاء الاتفاقية في 23 أغسطس 1950.
3- وفي أوائل عام 1951، اقترح ديفيد ليلينثال، الرئيس السابق لهيئة وادي تينيسي، أن تقوم الهند وباكستان بتطوير نظام حوض السند بصورة مشتركة، بالاستعانة بالمساعي الحميدة للبنك الدولي. وعلى إثر ذلك، وجه رئيس البنك الدولي آنذاك، يوجين بلاك، في 6 سبتمبر 1951 رسالة إلى رئيسي وزراء البلدين يقترح فيها ذلك، وهو الاقتراح الذي وافق عليه الطرفان.
كما اقترح بلاك تشكيل فريق عمل يضم مهندسين من الهند وباكستان والبنك الدولي. وشهدت المفاوضات تقلبات حادة، وكادت تنهار في بعض مراحلها، غير أن إصرار البنك الدولي حافظ على استمرارها إلى أن تم توقيع المعاهدة في عام 1960.
المعاهدة وبنيتها القانونية
4- وُقعت معاهدة مياه نهر السند في 19 سبتمبر 1960 في كراتشي، ودخلت حيز النفاذ في 12 يناير 1961، بأثر رجعي اعتباراً من “تاريخ السريان”، وهو 1 أبريل 1960. وتتألف المعاهدة من 79 فقرة موزعة على 12 مادة، وتضم ثمانية ملاحق. وبينما لا تشير الديباجة إلا إلى المفوضين المخولين بالتوقيع عن الهند وباكستان، فقد وقع و. أ. ب. إيليف نيابة عن البنك الدولي، الذي يعد طرفاً في المعاهدة فقط فيما يتعلق بالأغراض المحددة في المادتين الخامسة والعاشرة، والملاحق (و)، و(ز)، و(ح).
5- وتنص المعاهدة على أنه لا يجوز تفسير أي نص فيها على أنه يؤسس لمبدأ قانوني عام أو يشكل سابقة قانونية، وقد أُدرجت الإشارة إلى السوابق القانونية لتفادي الاستناد إلى حجج تقوم على حقوق التقادم أو الارتفاق. وتخصص المعاهدة الأنهار الشرقية (رافي، وبياس، وستلج) للهند، والأنهار الغربية (السند، وجيلوم، وتشيناب) لباكستان، وذلك مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها.
الأهداف
6- تحدد ديباجة المعاهدة أهدافها على النحو التالي:
“إن حكومة الهند وحكومة باكستان، إذ تحدوهما الرغبة في تحقيق أكمل وأفضل استخدام ممكن لمياه نظام أنهار السند، وإذ تدركان ضرورة تحديد وترسيم، بروح من حسن النية والصداقة، حقوق والتزامات كل منهما تجاه الأخرى فيما يتعلق باستخدام هذه المياه، ووضع الترتيبات اللازمة لتسوية جميع المسائل التي قد تنشأ مستقبلاً بشأن تفسير أو تطبيق الأحكام المتفق عليها في هذه المعاهدة، بروح من التعاون، فقد عقدتا العزم على إبرام هذه المعاهدة تحقيقاً لهذه الأهداف”.
آلية تسوية المنازعات
7- تحت عنوان “تسوية الخلافات والمنازعات”، تعهد المعاهدة إلى اللجنة الدائمة لنهر السند، التي تضم ممثلين عن البلدين، بدور في تسوية المسائل المختلفة، ولا سيما المسائل ذات الطابع الإداري والاستشاري.
8- وتُعد المادة التاسعة هي المادة المحورية في إطار تسوية المنازعات، إذ تميز بوضوح بين “المسألة” و”الخلاف” و”النزاع”. فأي مسألة تُعرض أولاً على اللجنة.
وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، يُعتبر أن “خلافاً” قد نشأ، ويُحال إلى خبير محايد. أما الخلاف فلا يعتبر “نزاعاً” إلا إذا كان خارج نطاق الفقرة 2 (أ) من المادة التاسعة، أو إذا أبلغ الخبير المحايد اللجنة بذلك.
9- تتمتع اللجنة بسلطة تقديرية في تقرير ما إذا كان ينبغي التعامل مع أي خلاف من خلال خبير محايد أو اعتباره نزاعاً، ولا يصدر هذا القرار إلا باتفاق داخل اللجنة.
وعند نشوء نزاع، ترفع اللجنة تقريراً إلى حكومتي البلدين، ويجوز لأي منهما دعوة الأخرى إلى تسويته بالاتفاق، كما يمكن الاستعانة بوسطاء.
ولا يجوز إنشاء هيئة تحكيم إلا باتفاق الطرفين، أو عند إخفاق المفاوضات أو الوساطة في حل النزاع.
الشروط المسبقة لإنشاء هيئة تحكيم
10- تكتسب العبارة الافتتاحية للملحق (ز) الخاص بـ (هيئة التحكيم) أهمية بالغة، إذ تنص على ما يلي: “إذا اقتضت الضرورة إنشاء هيئة تحكيم بموجب أحكام المادة التاسعة، تسري أحكام هذا الملحق.” وتفيد عبارة “إذا اقتضت الضرورة” أن هذه المرحلة لا تتحقق إلا بعد استيفاء شروط مسبقة معينة؛ فلا يجوز إحالة أي مسألة إلى هيئة تحكيم بمجرد رغبة أي من الطرفين.
ولا ينشأ النزاع إلا إذا اتفق المفوضان على اعتباره كذلك، أو إذا أبلغ الخبير المحايد اللجنة بذلك، وعندئذ فقط، وبعد استنفاد المفاوضات والوساطة، يمكن أن تقتضي الضرورة اللجوء إلى التحكيم.
11- ويبرز هنا اختلاف جوهري في طريقة التعامل بين “الخلاف” و”النزاع”. ففي حين يجوز لأي من المفوضين، بصورة أحادية، المبادرة بإحالة الخلاف إلى خبير محايد، لا يوجد حكم مماثل يجيز لأي منهما اعتبار الخلاف نزاعاً بصورة أحادية. إذ يتعين أن يكون ذلك بقرار من اللجنة وباتفاق المفوضين معاً.
ومن ثم، لا يجوز بأي حال الشروع بصورة أحادية في إجراءات إنشاء هيئة التحكيم. فالمعاهدات الثنائية تقوم عادة على مبدأ التقرير المشترك، وهو ما ينطبق أيضاً على معاهدة مياه نهر السند.
أثر الشروع في اتخاذ إجراءات أحادية، ومخالفة أحكام المعاهدة، والخيارات المتاحة للطرف الآخر
12- إذا لم يكن النزاع قد نشأ وفقاً لأحكام المعاهدة، فإن اتخاذ أي من الطرفين قراراً أحادياً بالشروع في إجراءات إنشاء هيئة تحكيم قد يشكل انتهاكاً للمعاهدة، ومن ثم يكون إجراءً غير مشروع.
ومن الطبيعي أن يسعى الطرف الآخر في المعاهدة إلى البحث عن سبل الانتصاف المناسبة.
13- ويثير ذلك التساؤل التالي: إذا أخل أحد الطرفين بجانب جوهري من المعاهدة بما يقوض الغرض الأساسي منها، أفلا يجعل ذلك استمرار تنفيذها أمراً مستحيلاً؟ وكثيراً ما يُستند في هذا السياق إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 (“الاتفاقية”) باعتبارها الاتفاقية الأكثر صلة للإجابة عن هذا التساؤل، نظراً لأن العديد من أحكامها تعكس قواعد القانون الدولي العرفي.
ومع ذلك، فإن الهند وباكستان ليستا طرفين في هذه الاتفاقية، كما أن معاهدة مياه نهر السند تسبقها زمنياً.
14- ومع ذلك، وحتى إذا جرى الاحتجاج باتفاقية فيينا، فإنه يتعين قراءتها جنباً إلى جنب مع حكمها الأساسي الوارد في المادة (60)، التي تتناول الآثار القانونية للإخلال بالمعاهدة. ويشمل “الإخلال الجوهري” انتهاك أي حكم يعد أساسياً لتحقيق أهداف المعاهدة أو الغرض منها. ويمثل ذلك أساساً قانونياً واضحاً للهند.
15- وعليه، يصبح السؤال المطروح هو: عندما بادرت باكستان بصورة أحادية إلى اتخاذ إجراءات لإنشاء هيئة تحكيم، من دون أن يكون نزاع قد نشأ فعلياً وفقاً لما تقتضيه المعاهدة، متجاوزة بذلك ضمانة إجرائية أساسية، فهل يشكل ذلك انتهاكاً لحكم جوهري لازم لتحقيق الغرض من المعاهدة؟
16- تُعد معاهدة مياه نهر السند معاهدة ثنائية فريدة أُبرمت نتيجة لتقسيم الهند. وتمثل الديباجة والمواد والملاحق أجزاءً موضوعية متكاملة تشكل معاً معاهدة مياه نهر السند لعام 1960.
وتنص آلية تسوية المنازعات على أن تتم معالجة جميع المسائل من خلال التعاون بروح من حسن النية والصداقة، مع تجنب تدخل أطراف ثالثة إلى أقصى حد ممكن.
وإذا قام أحد الطرفين، بصورة أحادية، باستحضار الطرف الآخر أمام هيئة التحكيم للفصل في مسائل لم ترتق بعد إلى مستوى “النزاع”، فإن ذلك يتعارض مع المقصد الأساسي للمعاهدة، وقد يشكل إخلالاً جوهرياً يجعل تنفيذها أمراً مستحيلاً.
ونظراً إلى أن روح وأهداف معاهدة مياه نهر السند تقوم على “حسن النية والصداقة”، فإنه يمكن القول أن استمرار باكستان في ممارسة الإرهاب العابر للحدود يُعد إخفاقاً من جانبها في الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدة. وبناءً عليه، فإنه يشكل إخلالاً جوهرياً، ويحق للهند، وفقاً للقانون الدولي العرفي، تعليق العمل بالمعاهدة.











