«مجالس الأنوار».. حين يستعيد التصوف المغربي امتداده الروحي والحضاري في إفريقيا

 

بقلم: د . محمد سعد

في فضاء روحي وعلمي تتقاطع فيه الذاكرة مع الحاضر، وتلتقي فيه مجالس الذكر بالبحث والمعرفة، انطلقت بمداغ فعاليات الدورة الثانية من «مجالس الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار ﷺ»، التي تنظمها الطريقة القادرية البودشيشية بإشراف شيخها الحاج معاذ القادري بودشيش، خلال الفترة الممتدة من 19 إلى 25 غشت 2026، احتفاءً بذكرى المولد النبوي الشريف لسنة 1448هـ.

 

 

وتأتي هذه الدورة تحت شعار «امتداد التراث الصوفي المغربي بإفريقيا: المسارات، التجليات، والآفاق»، وهو شعار يحمل دلالات تتجاوز الاحتفاء بمناسبة دينية إلى استحضار واحد من أهم أوجه التواصل التاريخي بين المغرب وعمقه الإفريقي، حيث شكل التصوف، عبر قرون طويلة، جسراً للعلم والمعرفة والتربية الروحية والتواصل بين الشعوب.

 

 

ولعل ما يميز «مجالس الأنوار» أنها لا تقدم التصوف باعتباره مجرد ذاكرة تاريخية، وإنما تفتح النقاش حول أدواره المعاصرة، وتبحث في كيفية تحويل الرصيد الروحي والعلمي المشترك إلى جسور جديدة للتعاون والتقارب، خصوصاً في ظل التحولات التي تعرفها المجتمعات الإفريقية والحاجة المتزايدة إلى قيم الاعتدال والوسطية والتعايش.

 

 

وقد عكست الجلسة الافتتاحية هذا البعد المتعدد، من خلال مشاركة علماء وباحثين وشيوخ ومريدين قدموا من المغرب وعدد من الدول الإفريقية والآسيوية والأوروبية، ضمن برنامج يجمع بين المجالس الروحية والندوات العلمية.

 

 

وفي كلمات المشاركين، برز التأكيد على خصوصية التجربة المغربية في المجال الديني، وعلى الدور الذي اضطلعت به إمارة المؤمنين في صون الثوابت الدينية القائمة على العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني، فضلاً عن دعم الزوايا والتعاون الديني والروحي مع البلدان الإفريقية.

 

 

ومن السنغال إلى النيجر وغامبيا ونيجيريا وموريتانيا، كشفت المداخلات عن عمق الحضور التاريخي للتصوف المغربي في إفريقيا، وعن طبيعة العلاقة التي لم تكن في اتجاه واحد، بل قامت على الأخذ والعطاء والتفاعل وإعادة إنتاج المعرفة الدينية والروحية داخل البيئات المحلية.

 

 

وهنا تبرز أهمية المداخلة التي قدمها الدكتور إسماعيل راضي، الأستاذ بجامعة محمد الأول بوجدة والعميد السابق بها، حول «التصوف المغربي في إفريقيا: ذاكرة روحية، وجسور حضارية، وآفاق مشتركة»، حيث أوضح أن التواصل الصوفي المغربي الإفريقي ارتبط برحلات العلماء والقوافل التجارية والعلمية وشبكات الزوايا.

 

 

فقد انتقلت عبر هذه المسارات الكتب والمعارف والتقاليد الصوفية، إلى جانب مؤلفات مغربية وأندلسية كان لها حضور قوي في المجال الإفريقي، مثل «الشفا» للقاضي عياض و«دلائل الخيرات» للإمام الجزولي، فضلاً عن البردة والهمزية والمدائح النبوية، التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الدينية والأدبية والروحية في عدد من المجتمعات الإفريقية.

 

 

لكن الأهم أن هذا التواصل لم يكن مجرد انتقال لموروث من مكان إلى آخر، فقد أسهم علماء ومشايخ إفريقيا بدورهم في إعادة إنتاج هذا التراث وتكييفه مع خصوصيات مجتمعاتهم، الأمر الذي أوجد حالة من التفاعل والتلاقح الروحي والعلمي والثقافي.

 

 

وهنا أيضاً يظهر الدور التاريخي للزوايا، التي لم تكن مجرد فضاءات للذكر، بل مؤسسات للعلم والتعليم والتكوين والإرشاد والتكافل والإصلاح الاجتماعي، وأسهمت في بناء شبكات واسعة من العلماء والطلاب والمريدين، وربطت بين مناطق مختلفة من المغرب وإفريقيا.

 

 

ومن هذا المنطلق تبدو الدعوة إلى الانتقال من مفهوم «الامتداد» إلى مفهوم «الشراكة الروحية» ذات أهمية خاصة؛ لأن المستقبل لا يمكن أن يقوم فقط على استحضار التاريخ، وإنما يحتاج إلى تحويل هذا التاريخ إلى مشروعات علمية وثقافية وإنسانية مشتركة.

 

 

فحفظ التراث الصوفي وتوثيقه، وتشجيع الدراسات المشتركة، ورقمنة المخطوطات، وتعزيز التواصل بين الجامعات ومراكز البحث والزوايا، كلها مجالات يمكن أن تمنح هذا التراث حياة جديدة، وتجعله جزءاً من صناعة المستقبل بدلاً من أن يبقى مجرد صفحات في كتب التاريخ.

 

 

وتكتسب هذه الرؤية أهمية أكبر في ضوء العلاقات المغربية الإفريقية التي شهدت خلال السنوات الماضية تطوراً واسعاً في مختلف المجالات. فالتعاون بين المغرب وبلدان إفريقيا لم يعد محصوراً في الاقتصاد والتنمية، بل أصبح يمتد إلى المجالات الدينية والثقافية والعلمية والإنسانية.

 

 

ومن هنا يمكن للرصيد الصوفي المشترك أن يكون أحد جسور التقارب بين الشعوب، خاصة أن قيم التصوف السني في صورته المغربية ترتبط بمفاهيم التربية والاعتدال والتعايش وخدمة المجتمع، وهي قيم تتجاوز الحدود الجغرافية وتخاطب الإنسان في مختلف البيئات.

 

 

وتؤكد مداخلات المشاركين من السنغال والنيجر وغامبيا ونيجيريا وموريتانيا أن الذاكرة الروحية بين المغرب وإفريقيا ما زالت حاضرة، وأن الكثير من المسارات العلمية والصوفية التي بدأت قبل قرون ما زالت آثارها قائمة في الزوايا والمدارس والمكتبات والمجالس العلمية.

 

 

وفي هذا السياق، تناول المشاركون مسارات انتشار القادرية والتجانية في غرب إفريقيا، ودور العلماء والقوافل والزوايا والرحلات العلمية في بناء هذه الشبكات، كما استُحضرت العلاقات التاريخية بين المغرب وبلاد شنقيط، وما رافقها من تبادل للكتب والإجازات والعلماء والمراسلات.

 

 

كما شكل الحديث عن الطريقة القادرية البودشيشية وأصلها وامتدادها مناسبة لاستحضار المسار التاريخي والتربوي للطريقة، ومفاهيم الأصل والامتداد، إلى جانب مكانة مولاي عبد القادر الجيلاني والقادريين الأوائل وأعلام الطريقة البودشيشية.

 

 

واللافت في «مجالس الأنوار» أن البرنامج لا يفصل بين الروحي والعلمي، بل يجمعهما في إطار واحد؛ فإلى جانب مجالس الذكر والقرآن الكريم والصلاة على النبي ﷺ ومدارسة «الشفا» وصحيح البخاري والأوراد التربوية، يشارك علماء وأساتذة وباحثون من 13 دولة في مناقشة قضايا تتعلق بتاريخ التصوف المغربي الإفريقي وقيمه الروحية والاجتماعية وانتقال تراثه المعرفي والدبلوماسية الروحية وشبكات التواصل الصوفي.

 

 

إن هذا الجمع بين الذكر والعلم يعكس خصوصية التجربة التي تسعى «مجالس الأنوار» إلى ترسيخها؛ فالتصوف هنا ليس انفصالاً عن الواقع، وإنما محاولة لاستعادة البعد التربوي والأخلاقي للمعرفة، وربطها بخدمة الإنسان والمجتمع.

 

 

كما أن تنظيم هذه الدورة في ذكرى المولد النبوي الشريف يمنحها بعداً روحياً خاصاً، إذ تتحول الصلاة على النبي ﷺ ومدارسة سيرته وشمائله إلى مساحة جامعة للمشاركين من خلفيات وبلدان متعددة.

 

 

ويأتي هذا الحدث في سياق أوسع عرفته الزاوية القادرية البودشيشية بمداغ خلال شهر غشت، من خلال الاعتكاف الصيفي الذي شارك فيه مريدون من المغرب وأوروبا وإفريقيا وآسيا، بالتزامن مع الذكرى الأولى لرحيل الشيخ سيدي جمال الدين القادري بودشيش.

 

 

وقد تضمن الاعتكاف برنامجاً روحياً وتربوياً وعلمياً شمل تلاوة القرآن والأذكار والصلاة على النبي ﷺ، ودروساً في العقيدة والفقه والسيرة والتصوف والتزكية، إلى جانب محاضرات حول الذكاء الروحي ودور الزوايا في إفريقيا والمواطنة ومواجهة الطائفية والتكوين التربوي في فقه الطريق.

 

 

إن أهمية «مجالس الأنوار» لا تكمن فقط في كونها مناسبة دينية أو ملتقى صوفياً، وإنما في قدرتها على فتح نافذة للحوار حول سؤال أكبر: كيف يمكن للتراث الروحي المغربي أن يواصل أداء دوره في عالم تتغير فيه المفاهيم وتتسارع فيه التحولات؟

 

 

ربما تكون الإجابة في تحويل التراث من مادة للاحتفاء إلى قوة للتواصل، ومن ذاكرة للماضي إلى طاقة للمستقبل، ومن مفهوم الامتداد إلى مفهوم الشراكة.

 

 

فالمغرب وإفريقيا لا يجمعهما اليوم فقط تاريخ من القوافل والرحلات العلمية والزوايا، وإنما يجمعهما أيضاً مستقبل يمكن أن يكون أكثر تعاوناً وتكاملاً إذا جرى استثمار الرصيد الثقافي والروحي المشترك في بناء جسور جديدة بين الشعوب.

 

 

ومن هنا تأتي القيمة الحقيقية لـ«مجالس الأنوار»؛ فهي تستعيد الماضي، لكنها لا تتوقف عنده، وتحتفي بالذكر، لكنها تفتح باب العلم والحوار، وتستحضر التصوف، لكنها تطرح أسئلة المستقبل.

 

 

وفي عالم يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى الاعتدال والتعايش والحوار، قد يكون استحضار هذه الذاكرة الروحية المشتركة بين المغرب وإفريقيا فرصة لإعادة اكتشاف ما يجمع الشعوب، بعيداً عن الاختلافات، وبحثاً عن قيم إنسانية قادرة على صناعة جسور دائمة من المعرفة والثقة والسلام.

شارك ذلك الخبر

نشرتنا الاخبارية

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

اخر الاخبار

اعلانك هنا
Ad Size: 336x280 px

أهم التصنيفات

المزيد من الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!