العلاقات الألمانية الأمريكية أولًا.. سفير برلين بالقاهرة يكشف خريطة شراكة استراتيجية مع مصر ودورًا فاعلًا في أزمات الإقليم

رندة رفعت

في لحظة دولية تتسم بإعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات، حرص السفير الألماني لدى القاهرة، يورجن شولتس، على توجيه رسائل سياسية دقيقة، استهلها بالتأكيد على متانة العلاقات الألمانية الأمريكية بوصفها ركيزة للاستقرار الغربي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، رغم ما تشهده المرحلة الراهنة من تباين في وجهات النظر، خاصة بشأن كيفية التعامل مع الملف الإيراني.

وأوضح شولتس أن الشراكة بين برلين وواشنطن “علاقة طويلة الأمد وشاملة”، مشيرًا إلى أن وجود أكثر من 39 ألف جندي أمريكي في ألمانيا يعكس عمق التعاون الاستراتيجي بين البلدين، وأن الحديث عن سحب نحو 5 آلاف جندي فقط لا يمثل تحولًا جوهريًا أو مؤثرًا في هذه العلاقة. وشدد على أن هذا الرقم “ليس كبيرًا” ولا ينعكس سلبًا على تماسك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مؤكدًا أن الطرفين “شركاء يمكنهم الاعتماد على بعضهم البعض”، وأن الوجود العسكري الأمريكي يحقق مصالح متبادلة، وليس مقتصرًا على دعم ألمانيا فقط.

 

شراكة مصرية ألمانية تتسع.. من الاقتصاد إلى الطاقة

في سياق موازٍ، رسم السفير الألماني صورة متقدمة للعلاقات بين القاهرة وبرلين، مؤكدًا أنها تشهد “زخمًا متصاعدًا” على المستويين السياسي والاقتصادي، مع تزايد الاهتمام الألماني بالسوق المصري بوصفه أحد أهم مراكز الثقل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 

وأشار إلى أن أكثر من 1600 شركة ألمانية تعمل في مصر، فيما بلغ حجم التبادل التجاري نحو 6 مليارات يورو خلال عام 2025، مع توقعات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة، مدفوعًا بالإصلاحات الاقتصادية وتطور البنية التحتية والتحول الرقمي.

 

كما لفت إلى أن التعاون التنموي بين البلدين يشمل نحو 80 مشروعًا بقيمة 1.3 مليار يورو، تتوزع على قطاعات حيوية، من بينها النقل والبنية التحتية، وعلى رأسها مشروعات القطار الكهربائي السريع ومترو الأنفاق.

 

الطاقة المتجددة.. ركيزة التحول الأخضر

أكد شولتس أن التعاون في مجال الطاقة يمثل أحد أبرز محاور الشراكة الاستراتيجية، مشيدًا بمشروعات طاقة الرياح في مصر، خاصة في منطقة خليج السويس، والتي تسهم في دعم الشبكة القومية للكهرباء وتعزيز التحول نحو الاقتصاد الأخضر.

 

وأوضح أن هذه المشروعات تعكس نموذجًا ناجحًا للتكامل بين الخبرة الألمانية والإمكانات المصرية، بما يعزز أمن الطاقة ويدعم أهداف التنمية المستدامة.

 

التعليم والثقافة.. استثمار في المستقبل

على صعيد القوة الناعمة، شدد السفير الألماني على أهمية توسيع التعاون الأكاديمي والعلمي، مشيرًا إلى مشروع “100 مدرسة مصرية ألمانية” الذي بدأ بالفعل بافتتاح أولى مدارسه، في إطار رؤية لتعزيز جودة التعليم وتبادل الخبرات.

 

كما أكد أن الأنشطة الثقافية والرياضية المشتركة تمثل جسرًا للتقارب بين الشعبين، وتعكس عمق العلاقات الإنسانية التي تدعم الشراكة الرسمية.

 

غزة.. تحذير من تراجع الزخم الدولي

إقليميًا، أعرب شولتس عن قلقه من تراجع الاهتمام الدولي بالأزمة الإنسانية في قطاع غزة، في ظل انشغال العالم بملفات أخرى، مؤكدًا أن الوضع لا يزال “بالغ الخطورة” ويتطلب تحركًا عاجلًا.

 

وأشار إلى أهمية الإسراع في تنفيذ “خطة النقاط العشرين” التي طُرحت خلال قمة شرم الشيخ، مع ضرورة بناء مؤسسات فلسطينية فاعلة، بما يشمل الأجهزة الأمنية وقوات الاستقرار، لضمان استدامة الهدوء وإعادة الإعمار.

 

كما أكد استمرار التنسيق مع مصر، خاصة فيما يتعلق بجهود إدخال المساعدات عبر معبر رفح، ودعم برلين لأي مسار يحقق الاستقرار والسلام في المنطقة.

 

السودان.. دعم ألماني لإعادة الإعمار والحل السياسي

وفيما يتعلق بالأزمة السودانية، كشف السفير الألماني عن دور بلاده في دعم مسار الحل السلمي، مشيرًا إلى مؤتمر السودان الذي استضافته برلين بمشاركة واسعة من المجتمع الدولي.

 

وأوضح أنه تم تخصيص نحو 1.5 مليار يورو لدعم السودان، تسهم ألمانيا منها بـ230 مليون يورو، إلى جانب الاتفاق على “مبادئ برلين” التي تستهدف التوصل إلى حل سلمي ديمقراطي، يفضي إلى تشكيل حكومة سودانية مستقرة.

 

وأكد شولتس أن بلاده تدعم بقوة إعادة إعمار السودان، وتعزيز مؤسسات الدولة، بما يسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل أهمية الملف بالنسبة لمصر والمنطقة ككل.

 

إيران والملاحة الدولية.. أولوية للحلول الدبلوماسية

وفيما يخص الملف الإيراني، شدد السفير الألماني على ضرورة التوصل إلى حل دبلوماسي مستدام، بعيدًا عن التصعيد العسكري، مع التأكيد على أهمية ضمان حرية الملاحة الدولية، خاصة في مضيق هرمز، ومنع انتشار الأسلحة النووية.

 

شراكة متعددة الأبعاد

اختتم السفير الألماني تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستشهد دفعة جديدة في مسار العلاقات المصرية الألمانية، في ظل تقاطع المصالح الاقتصادية والسياسية، وتنامي الحاجة إلى شراكات قائمة على الاستقرار والتنمية.

 

وبينما تواصل برلين إعادة تموضعها في خريطة الأزمات الدولية، تبدو القاهرة شريكًا محوريًا في هذه الاستراتيجية، ليس فقط بحكم الجغرافيا، ولكن أيضًا باعتبارها فاعلًا إقليميًا قادرًا على التأثير في ملفات معقدة تمتد من غزة إلى السودان، وصولًا إلى أمن الطاقة في شرق المتوسط.

شارك ذلك الخبر

نشرتنا الاخبارية

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

اخر الاخبار

اعلانك هنا
Ad Size: 336x280 px

أهم التصنيفات

المزيد من الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!