السيسي من موسكو إلى بودابست: الضبعة والطاقة والأمن الإفريقي في صدارة أجندة القمة الروسية الإفريقية

رندة رفعت

اختتم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مشاركته في أعمال القمة الروسية الإفريقية الثالثة بالعاصمة الروسية موسكو، بعد طرح رؤية مصر لتعزيز الشراكة الاقتصادية والتنموية بين روسيا والدول الإفريقية، وتأكيد أهمية إصلاح النظام الدولي، وصون سيادة الدول، وتعزيز الأمن المائي والغذائي والطاقة في القارة، قبل مغادرته موسكو متوجهًا إلى العاصمة المجرية بودابست في زيارة رسمية إلى المجر.

 

وشهدت الزيارة تحركًا مصريًا على مسارين متكاملين؛ أولهما تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع روسيا في مشروعات الطاقة والصناعة والاستثمار، وثانيهما طرح أولويات القاهرة بشأن الأمن والاستقرار الإقليميين، ومستقبل التنمية الإفريقية، وإصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية.

 

محطة الضبعة النووية في قلب الشراكة المصرية الروسية

في إطار مشاركته بالقمة، استقبل الرئيس السيسي أليكسي ليخاتشوف، المدير العام للوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية «روس أتوم»، لبحث تطورات مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية، أحد أبرز المشروعات الاستراتيجية في التعاون بين القاهرة وموسكو.

 

وأكد الرئيس المصري تقدير بلاده للتعاون مع «روس أتوم»، مشددًا على أهمية الالتزام بالجداول الزمنية المحددة لتنفيذ المشروع، ومواصلة التنسيق المشترك لضمان استكمال مراحله وفق الأطر المتفق عليها.

 

كما أعرب عن تقديره للتقدم المحرز في تنفيذ المشروع، في إطار توجه مصر لتعزيز قدراتها في قطاع الطاقة، وتلبية احتياجاتها المتزايدة من الكهرباء، وتنويع مزيج الطاقة بما يدعم أهداف التنمية الاقتصادية.

 

من جانبه، أعرب ليخاتشوف عن تقديره للتعاون مع مصر والدعم الذي تحظى به أعمال الشركة، مؤكدًا التزام «روس أتوم» ببذل أقصى الجهود لتنفيذ المشروع، ومستعرضًا الموقف التنفيذي وما تحقق من تقدم في مراحله المختلفة.

 

وتعكس متابعة مشروع الضبعة أهمية البعد الاقتصادي والتكنولوجي في العلاقات المصرية الروسية، إذ يمثل المشروع استثمارًا طويل الأجل في البنية التحتية للطاقة، ورافدًا للتعاون في المجالات الصناعية والهندسية ونقل الخبرات المرتبطة بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

 

السيسي يطرح رؤية مصر لمستقبل الشراكة الروسية الإفريقية

شارك الرئيس السيسي في الجلسة العامة للقمة الروسية الإفريقية الثالثة، التي استضافتها موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، وألقى كلمة مصر التي ركزت على ضرورة الانتقال بالشراكة من مستوى التفاهمات السياسية إلى تنفيذ مشروعات اقتصادية وتنموية ملموسة.

 

واستهل الرئيس كلمته بتوجيه الشكر إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والحكومة والشعب الروسي على استضافة القمة، مشيدًا كذلك برئاسة إيفاريست ندايشيمييه، رئيس جمهورية بوروندي ورئيس الاتحاد الإفريقي.

 

واستعرض السيسي مسار تطور العلاقات الروسية الإفريقية منذ القمة الأولى في سوتشي عام 2019، وصولًا إلى الاجتماع الوزاري الثاني الذي استضافته القاهرة في ديسمبر 2025، معتبرًا أن المرحلة الراهنة تتطلب صياغة رؤية تنفيذية أكثر طموحًا وفاعلية، تقوم على احترام الأولويات الإفريقية وتحقيق المصالح المتبادلة.

 

وأكد أن الشراكة الروسية الإفريقية تمثل فرصة لتطوير الهياكل الإنتاجية في القارة، والانتقال من الاعتماد على تصدير المواد الخام إلى بناء اقتصادات أكثر تنوعًا وقدرة على التصنيع والاستثمار.

 

وفي هذا السياق، استشهد بالتعاون المصري الروسي باعتباره نموذجًا يمكن البناء عليه، مشيرًا إلى مشروع محطة الضبعة النووية ومشروع المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، باعتبارهما من المشروعات التي تفتح آفاقًا أوسع للتعاون في الطاقة والصناعة والاستثمار.

 

خمسة محاور مصرية لدعم التنمية في إفريقيا

حدد الرئيس السيسي خمسة محاور رئيسية للرؤية المصرية بشأن التنمية الإفريقية، شملت:

  1. الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية: دعم الربط بين الأسواق ومراكز الإنتاج، وتعزيز حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
  2. التجارة البينية الإفريقية: زيادة التبادل التجاري وتوسيع فرص التكامل الاقتصادي بين دول القارة.
  3. الطاقة والربط الكهربائي: تعزيز التعاون في قطاع الطاقة وتطوير مشروعات الربط بما يدعم أمن الإمدادات.
  4. الأمن المائي والغذائي: دعم التنمية الزراعية وتطوير أطر التعاون في إدارة الموارد المائية.
  5. الاتصالات والذكاء الاصطناعي: توسيع التعاون في تكنولوجيا المعلومات والابتكار والتحول الرقمي.

وشدد الرئيس على أن مستقبل مصر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمستقبل القارة الإفريقية، وأن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب تكامل الجهود بين الدول الإفريقية، مع الحفاظ على حقها في تحديد أولوياتها التنموية وامتلاك زمام المبادرة في تنفيذها.

 

وتعكس هذه المحاور توجهًا نحو ربط التعاون الدولي باحتياجات التنمية الفعلية، بدلًا من الاكتفاء بإعلانات الشراكة، من خلال الاستثمار في البنية التحتية والتصنيع والطاقة والتكنولوجيا وتعزيز الترابط بين الاقتصادات الإفريقية.

 

إصلاح مجلس الأمن وتعزيز تمثيل إفريقيا دوليًا

على الصعيد السياسي، أكد السيسي أن تحقيق التنمية المستدامة على نطاق أوسع يتطلب نظامًا دوليًا أكثر عدالة وتمثيلًا، بما يضمن انعكاس التعددية الدولية داخل المؤسسات المعنية بصنع القرار.

 

وشدد على ضرورة أن يكون لإفريقيا صوت مؤثر في القرارات الدولية الكبرى، ولا سيما داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، داعيًا إلى إصلاحه بما يتوافق مع توافق أوزوليني وإعلان سرت، اللذين يمثلان مرجعيتين إفريقيتين للمطالبة بتمثيل عادل للقارة في المجلس.

 

وتبرز هذه الرسالة سعي مصر إلى ربط قضايا التنمية الإفريقية بإصلاح بنية النظام الدولي، بما يمنح الدول الإفريقية دورًا أكبر في صياغة القرارات التي تؤثر في أمنها واستقرارها ومصالحها الاقتصادية.

 

القرن الإفريقي والبحر الأحمر والسودان.. رسائل مصرية بشأن الأمن الإقليمي

خصص الرئيس المصري جانبًا من كلمته للتحديات الأمنية التي تواجه القارة، معربًا عن القلق إزاء تصاعد التوترات في القرن الإفريقي، ومؤكدًا رفض أي تهديدات تمس سيادة دول المنطقة أو تدخلات في شؤونها الداخلية.

 

كما رفض التحركات التي قد تستغل هشاشة الأوضاع الإقليمية لعسكرة البحر الأحمر أو فرض وجود عسكري على سواحله من جانب دول غير مشاطئة له.

 

وفيما يتعلق بالسودان، جدد السيسي موقف مصر الرافض لأي محاولات لتقويض وحدة الدولة السودانية أو المساس بسيادتها وسلامة أراضيها ومؤسساتها الوطنية، داعيًا إلى توحيد الجهود لإنهاء الحرب ودعم مسار سياسي يقود إلى حوار سوداني خالص.

 

وتعكس هذه المواقف أولوية الحفاظ على وحدة الدول واستقرار مؤسساتها الوطنية، في ظل ما تشهده مناطق مختلفة من القارة من أزمات سياسية وأمنية وتنافس على النفوذ والممرات الاستراتيجية.

 

الأمن المائي.. تأكيد مصري على قواعد القانون الدولي

أكد الرئيس السيسي أن مصر، التي تواجه ندرة شديدة في الموارد المائية وتعتمد بصورة رئيسية على نهر النيل، تولي أهمية خاصة لتعزيز التعاون في إدارة الأنهار العابرة للحدود وفقًا لقواعد القانون الدولي.

 

وشدد على مبادئ عدم الإضرار، والإخطار المسبق، والتشاور، والتوافق، مؤكدًا أن المياه المشتركة يجب أن تكون جسرًا للتعاون والتفاهم بين الشعوب، لا سببًا للتوتر أو النزاع.

 

وأشار إلى أن هذا النهج يمثل سياسة مصر المستقرة في التعامل مع دول حوض النيل، وفي إطار رؤية المياه الإفريقية 2063.

 

وتحمل هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل ارتباط الأمن المائي بالاستقرار الإقليمي والأمن الغذائي والتنمية الزراعية، وضرورة التوصل إلى حلول تعزز المصالح المشتركة وتحول دون تصاعد الخلافات بشأن الموارد العابرة للحدود.

 

وثائق القمة ترسم إطار التعاون الروسي الإفريقي حتى 2029

شهدت الجلسة العامة للقمة اعتماد حزمة من الوثائق التي تحدد إطار التعاون بين روسيا والدول الإفريقية خلال المرحلة المقبلة، وهي:

  • الإعلان الختامي للقمة الروسية الإفريقية الثالثة.
  • إعلان بشأن التعاون في الاستخدام المدني لتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي.
  • خطة عمل منتدى الشراكة الروسية الإفريقية للفترة من 2027 إلى 2029.

ورحب الرئيس السيسي بخطة العمل الجديدة، معتبرًا إياها إطارًا لتعزيز الشراكة الاستراتيجية وتطوير مجالات التعاون المشترك.

 

وأكد في ختام كلمته أن نجاح الشراكة لا يقاس بمجرد التفاهمات السياسية والاقتصادية، وإنما بقدرتها على التحول إلى نتائج عملية ومشروعات مستدامة تلبي تطلعات الشعوب الإفريقية.

 

واختتم الرئيس كلمته بتجديد الشكر إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وروسيا الاتحادية على استضافة القمة، متمنيًا نجاح أعمالها بما يسهم في تحقيق مستقبل أكثر أمنًا وعدالة وازدهارًا.

 

وعقب انتهاء أعمال الجلسة العامة، كان من المقرر أن يشارك الرئيس السيسي في غداء عمل لرؤساء الدول والوفود المشاركة في القمة.

 

من موسكو إلى بودابست.. المحطة التالية في التحرك المصري

عقب اختتام مشاركته في أعمال القمة الروسية الإفريقية الثالثة، غادر الرئيس عبد الفتاح السيسي موسكو متوجهًا إلى العاصمة المجرية بودابست، في زيارة رسمية إلى المجر.

 

وكان في وداع الرئيس لدى مغادرته نائب وزير الخارجية الروسي بوريسينكو حورجي، والسفير حمدي شعبان، سفير مصر لدى روسيا الاتحادية، إلى جانب أعضاء السفارة المصرية في موسكو.

 

وتأتي مغادرة السيسي إلى بودابست عقب مشاركته في قمة ركزت على الشراكة الاقتصادية والتنموية بين روسيا وإفريقيا، وعلى عدد من القضايا السياسية والأمنية ذات الأولوية للقاهرة.

 

ومن المقرر أن تشكل تفاصيل الزيارة الرسمية إلى المجر، بما في ذلك برنامج اللقاءات والمباحثات والنتائج المعلنة، أساسًا لتقييم مخرجات المحطة التالية من التحرك المصري. ولم تتضمن المعلومات المتاحة بشأن مغادرة موسكو تفاصيل إضافية عن جدول أعمال الزيارة المجرية.

شراكات اقتصادية ورسائل سياسية تتجاوز حدود القمة

عكست مشاركة الرئيس السيسي في القمة الروسية الإفريقية الثالثة حرص مصر على تعزيز شراكاتها الدولية في قطاعات الطاقة والصناعة والاستثمار، بالتوازي مع الدفاع عن أولوياتها الإفريقية في قضايا الأمن المائي والغذائي، واستقرار الدول، وإصلاح المؤسسات الدولية.

 

وبرز مشروع محطة الضبعة النووية بوصفه أحد أهم الملفات العملية في العلاقات المصرية الروسية، بينما قدمت كلمة مصر تصورًا أوسع للتعاون الإفريقي يقوم على التصنيع والتجارة والطاقة والتكنولوجيا وتعزيز الدور الإفريقي في النظام الدولي.

 

وبين ختام المشاركة في موسكو والتوجه إلى بودابست، تتواصل التحركات المصرية على مسارات متعددة، تجمع بين التعاون الاقتصادي والتحرك الدبلوماسي، في إطار السعي إلى توسيع الشراكات الدولية ودعم المصالح الوطنية والإفريقية.

شارك ذلك الخبر

نشرتنا الاخبارية

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

اخر الاخبار

اعلانك هنا
Ad Size: 336x280 px

أهم التصنيفات

المزيد من الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!