
السيسي من بودابست: مصر والمجر تبحثان شراكة استراتيجية في الطاقة والغاز والاستثمار.. والقضية الفلسطينية تتصدر المباحثات
القاهرة – رندة رفعت في تحرك يستهدف توسيع آفاق الشراكة المصرية الأوروبية وتعزيز الحضور الاقتصادي لمصر في وسط أوروبا، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مباحثات رفيعة المستوى في العاصمة المجرية بودابست، مع الرئيس المجري أندراش باكا ورئيس الوزراء بيتر ماچار، تناولت مستقبل العلاقات الثنائية، وفرص التعاون في مجالات الطاقة والغاز الطبيعي والاستثمار والبنية التحتية، إلى جانب تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والأزمة الأوكرانية. وعكست المباحثات توجهًا مشتركًا نحو الانتقال بالعلاقات المصرية المجرية من مستوى الشراكة السياسية والاستراتيجية إلى مرحلة أكثر ارتباطًا بالمشروعات الاقتصادية والاستثمارية ذات العائد المتبادل، في ظل اقتراب الاحتفال بمرور مائة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2028. الغاز الطبيعي والطاقة.. محور جديد للتعاون الاقتصادي وشهدت المباحثات مع رئيس الوزراء المجري طرح فرص جديدة للتعاون في قطاع الطاقة، حيث أعلن الرئيس السيسي الاتفاق على بدء محادثات استكشافية للاستفادة من الإمكانات المصرية في مجال البنية التحتية للطاقة، وشبكات نقل الغاز، ومرافق استقبال وإعادة تداول الغاز الطبيعي المسال، وفقًا لما تسفر عنه الدراسات الفنية والتجارية. ويمثل هذا التوجه أحد أبرز المخرجات الاقتصادية للزيارة، بالنظر إلى ما تمتلكه مصر من بنية تحتية ومرافق متخصصة في قطاع الغاز، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يعزز فرصها في الربط بين الأسواق وممرات التجارة والطاقة الإقليمية. كما تناولت المباحثات تعزيز الروابط بين مؤسسات الأعمال، وتشجيع الاستثمارات المجرية في السوق المصرية، والاستفادة من المزايا التنافسية التي توفرها مصر، بما يشمل موقعها الاستراتيجي، واتساع أسواقها، وشبكات النقل والموانئ، واتفاقيات التجارة مع الأسواق العربية والإفريقية والدولية. قناة السويس بوابة للاستثمارات المجرية وفي سياق الترويج للفرص الاستثمارية المصرية، سلط الرئيس السيسي الضوء على المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، باعتبارها منصة مهمة لإقامة المشروعات الصناعية واللوجستية والتصديرية، مستفيدة من البنية التحتية المتطورة والموقع الاستراتيجي الذي يتيح النفاذ إلى الأسواق الإفريقية والعربية. كما أعرب عن تقديره لرؤية رئيس الوزراء المجري بشأن إحياء مجموعة «فيشجراد» وتعزيز دورها في وسط أوروبا، مشيرًا إلى أهمية صيغة «فيشجراد بلس» باعتبارها قناة يمكن توظيفها لتوسيع التواصل الاقتصادي والاستثماري بين دول وسط أوروبا ودول الجنوب. مصر والمجر.. شراكة استراتيجية تتجه إلى مرحلة جديدة وأكد الرئيس السيسي، خلال مباحثاته مع الرئيس المجري ورئيس الوزراء، اعتزاز مصر بالعلاقات التاريخية التي تجمع البلدين، وحرصها على البناء على إعلان الشراكة الاستراتيجية الموقع عام 2023، وتحويل التفاهمات السياسية إلى برامج ومشروعات عملية. وأشار إلى أهمية التعاون القائم في عدد من المجالات، من بينها السكك الحديدية والبنية التحتية، فضلًا عن تعزيز التجارة والسياحة والتعاون الثقافي. ومن جانبه، أكد الرئيس المجري تقدير بلاده لمكانة مصر ودورها في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، مشيدًا بحكمة الرئيس السيسي ودوره في التعامل مع التحديات التي تشهدها المنطقة، كما أكد تفهم المجر للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر، وضرورة تعزيز التعاون الثقافي بين البلدين. وفي خطوة تعكس الرغبة في استمرار التنسيق السياسي، وجه الرئيس السيسي دعوة إلى الرئيس المجري لزيارة مصر، كما وجه الدعوة إلى الرئيس المجري ورئيس الوزراء للمشاركة في فعاليات الاحتفال بمئوية العلاقات الدبلوماسية عام 2028. القضية الفلسطينية.. موقف مصري حاسم من حل الدولتين ورفض التهجير وعلى صعيد الملفات الإقليمية، شدد الرئيس السيسي على أن تحقيق السلام المستدام في الشرق الأوسط يرتبط بالتوصل إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية، تستند إلى حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب دولة إسرائيل. وأكد رفض مصر القاطع لأي محاولات تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي أو الجغرافي في قطاع غزة والضفة الغربية، أو الانتقاص من حقوق الشعب الفلسطيني أو تهجيره من أرضه، محذرًا من التداعيات الخطيرة التي قد تترتب على هذه السياسات، ليس فقط على المنطقة، وإنما على أوروبا أيضًا. كما دعا إلى تكثيف الجهود الدولية لتخفيف المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، وضمان وصول المساعدات دون عوائق، وتهيئة الظروف لاستئناف مسار سياسي جاد ينهي الصراع ويفتح الطريق أمام سلام عادل ودائم. وتأتي هذه المواقف في إطار تأكيد القاهرة أن استقرار الشرق الأوسط يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن الأوروبي، وأن تسوية الصراعات الإقليمية تمثل ضرورة دولية مشتركة. السودان والقرن الإفريقي وأوكرانيا على طاولة المباحثات وامتدت المباحثات إلى عدد من الملفات الدولية والإقليمية، من بينها تطورات الأوضاع في السودان ومنطقة القرن الإفريقي والصومال، حيث أكد الرئيس السيسي أهمية احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها والالتزام بقواعد القانون الدولي باعتبارها ركائز أساسية للحفاظ على الاستقرار. كما استعرض موقف مصر من الأزمة الأوكرانية، مؤكدًا ضرورة تغليب الحلول السياسية وخفض التصعيد واحترام مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مع استمرار الجهود الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية للأزمة. وفي سياق التعاون الأمني، بحث الجانبان تعزيز التنسيق في مكافحة الهجرة غير الشرعية والإرهاب، وتأمين الحدود وممرات التجارة الدولية، وهي ملفات تتقاطع فيها المصالح المصرية والمجرية والأوروبية. مئوية العلاقات الدبلوماسية عام 2028.. محطة لتعميق الشراكة ولم تقتصر الزيارة على أبعادها السياسية والاقتصادية، بل حملت أيضًا دلالات تاريخية وثقافية، حيث استحضر الرئيس السيسي إسهامات المهندس المعماري المجري ماكس هرتس باشا في حفظ وترميم عدد من الآثار الإسلامية والقبطية بالقاهرة خلال بدايات القرن العشرين، باعتباره نموذجًا للتعاون الحضاري الذي تجاوز حدود العلاقات الرسمية. كما شهدت مأدبة الغداء التي أقامها الرئيس المجري تكريمًا للرئيس السيسي فقرة فنية للفنانتين المصريتين المجريتين أميرة ومريم أبو زهرة، في مشهد عكس امتداد الروابط الثقافية والإنسانية بين الشعبين. وتكتسب الزيارة أهمية إضافية مع اقتراب مئوية العلاقات الدبلوماسية بين مصر والمجر عام 2028، بما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون، لا تقتصر على التنسيق السياسي، بل تمتد إلى الاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والتبادل الثقافي. وتكشف نتائج المباحثات عن توجه مصري لتوسيع دوائر الشراكة الاقتصادية مع دول وسط أوروبا، وتوظيف الموقع الاستراتيجي والبنية التحتية المصرية في جذب استثمارات جديدة، بالتوازي مع استمرار دور القاهرة في التعامل مع الأزمات الإقليمية والدفاع عن الحلول السياسية واحترام سيادة الدول وحقوق الشعوب.








