الملتقي العالمي للتصوف

الدين و الحياة

خلال مشاركته ..باحث إيطالي يشيد بالملتقي العالمي للتصوف ويلقي كلمة بعنوان “إمارة المؤمنين والإرث المحمدي “

رندة محمد شارك الدكتور والباحث الايطالي فيديريكو سالفاجيو، الاستاذ بجامعة ترييستي في فعاليات الملتقي العالمي للتصوف في نسخته الـ21 والذي نظمته الطريقة القادرية البودشيشية بمداغ المغرب بشراكة مع المركز الأورومتوسطي لدراسة الاسلام اليوم ومؤسسة الملتقي ، وجاءت كلمة الباحث الايطالي بعنوان “إمارة المؤمنين على ضوء الإرث المحمدي”   وقال الباحث الايطالي في كلمته أود في البداية أن أعرب عن عميق امتنانِي للدكتور مولاي منير القادري، شيخ الطريقة القادرية البودشيشية، ورئيس مؤسسة الملتقى، ومدير الملتقى العالمي للتصوف، وكذا لباقي المنظمين والزاوية التي تحتضننا، إنه يسرني بشكل خاص أن أتناول الكلمة مجدداً في إطار هذا الملتقى الذي يزخر بتقاليد عريقة، كما يسعدني غاية السعادة استئناف هذه اللقاءات خلال هذه السنة، وأود في هذه المداخلة أن أعود إلى المبادئ التي تتيح فهم إمارة المؤمنين على ضوء ما يمكن أن نُسميه بالإرث المحمدي، ولإدراك بُعدها الرمزي، يجدر بنا اعتبار إمارة المؤمنين مؤسسة تقع في نقطة التقاء بين بعدين البعد الروحي والبعد الزمني والتي تتمثل رسالتها بالضبط في توحيدهما حول مبدأ يسموهما معاً ويمنحهما معناهما: ألا وهو الإرث المحمدي.   وتكتسي هذه المقاربة دلالة خاصة في سياق هذا اللقاء، الذي ينعقد تزامناً مع الاحتفال بعيد المولد النبوي. فالمولد لا يحيل فقط على الميلاد التاريخي للنبي؛ بل يشكل أيضاً مناسبة للتأمل في تبليغ الإرث المحمدي وحضوره كمبدأ حي للمعرفة والتوجيه.   غير أن هذه الطبيعة المزدوجة لإمارة المؤمنين ليست واضحة للوهلة الأولى من خلال المفهومات الحديثة الغربية، التي تميل إلى تصور العلاقة بين الروحي والزمني وفق منطق الفصل والتمييز بين المجالين.   ففي السياقات العلمانية، يُصر على ضرورة الفصل بين المجال الديني والمجال المدني، باعتبارهما مجالين ينبغي الحفاظ على فصلهما الصارم حفاظاً على استقلال كل منهما.   إلا أن مثل هذا التصور مبني على فكرة أن هذين المجالين، الديني والمدني، يشكلان بعدين مستقلين، ومن ثم فهما عرضة للدخول في تنافس أو صراع.   فالعلماني — وهو مصطلح مشتق من اللاتينية (saeculum)، والدال حرفياً على ما يتعلق بـ «الدهر» أو «العصر»، أي بالشرط الزمني المميز للظهور — يُنظر إليه كواقع متميز ومنفصل عن الواقع المقدس.   وتابع : ولكن من منظور المثل العليا للميتافيزيقا الإسلامية، لا يمكن لهذا الفصل أن يكون مطلقاً. ففي عالم الظهور، لا يوجد شيء منفصل حقاً عن مبدئه، ولا يوجد، بمعنى الكلمة، واقع يمكن وصفه بأنه دنيوي مطلق.   فالتظاهر أو الظهور ليس بمعزل عن مبدئه، بل هو عينه مظهره. وكل ما يظهر يندرج بالتالي ضمن مرتبة التجلّي لاسم إلهي خاص.   وهذا بالضبط ما يجعل البعد الزمني عاجزاً عن إيجاد مقياسه في ذاته: فهو يتطلب توجيهاً يتجاوزه ويمكنه من الانتظام متجاوزاً حدود الإمكانية أو التقييد.   وفي هذا الصدد، أكد الشيخ عبد الواحد يحيى المعروف في أوروبا باسم رينيه غينون أن مثل هذا الفصل المطلق بين الروحي والزمني غريب تماماً عن منظور الحضارات التقليدية، وإن تصور هذين المجالين كمجالين مستقلين هو وحده ما يمكن أن يؤدي إلى تعارضهما.   أما في المنظور التقليدي، فعلى العكس من ذلك، لا يمثل الروحي والزمني قوتين متنافستين، بل هما وظيفتان يعتمد تناغمهما بالضبط على ارتباطهما بمبدأ أعلى واحد. ويوضح غينون أن السلطة تخص حقاً البعد الروحي: فهي تنبع من معرفة المبادئ والقدرة على ضمان تبليغها.   بينما يعود النفوذ أو السلطان إلى البعد الزمني: وهو يتعلق بالعمل، والتدبير، وتنظيم الحياة الجماعية.   وبذلك يتلقى العمل توجيهه السليم من معرفة المبادئ، ويقدم لنا أرسطو صورة شهيرة عن ذلك من خلال مفهوم «المحرك الذي لا يتحرك»: فهو ساكن في ذاته، ومع ذلك فهو المبدأ الذي يحرّك الأشياء جميعاً.   وبالمثل، لا يجد البعد الزمني قياسه التام إلا حين يظل منتظماً وتابعاً لمبدأ يتجاوزه ويتلقى منه توجيهه.   ولهذين البعدين تقابل وظيفتان متكاملتان: الحكمة والعمل. فالحكمة، التي تبقى ثابتة في معرفة المبادئ، تمنح الاتجاه والوجهة؛ بينما يشكل العمل تحقيقها وتجسيدها في البعد الزمني، ومن هذا المنظور أيضاً ينبغي فهم المفهوم القديم للتقديس.   ففي الحضارات التقليدية، لم تكن السلطة الزمنية تُتصور كواقع يكتفي بذاته: بل كانت تستمد شرعيتها وتوجيهها ومقياسها من مبدأ يتجاوزها.   وقد عبرت عن ذلك التقاليد بأشكال متنوعة؛ فكونفوشيوس، على سبيل المثال، أشار إلى «تفويض السماء»: فالذي يحكم لا يجد في ذاته المبدأ النهائي لسلطته؛ بل يتلقى مسؤولية، وتوجيهاً، ومعها أمانة وتبعة.   أما في التقليد الإسلامي، فهذا الترابط بين الروحي والزمني منصوص عليه في أصل مفهوم الدين والدولة. فهما لا يُتصوران كواقعين غريبين أو مستقلين، بل كبعدين مدعوين للانتظام تحت مبدأ أعلى يسبقهما ويحيط بهما. وهنا بالذات يكتمل المعنى لمفهوم الإرث المحمدي، أو الوراثة المحمدية.   فهذا المفهوم يتيح فهم كيف يمكن للصلة بالأصل النبوي أن تتواصل وتستمر عبر الزمن كحضور مستمر لمعرفة وتوجيه حيَّين، ومن هذا المنظور يمكننا الآن العودة إلى مؤسسة إمارة المؤمنين وتوضيح دلالتها.   فأمير المؤمنين يمارس سلطة مقدسة؛ ومقدسة بمعنى أنها لا تُفهم لمجرد كونها بناءً علمانياً دنيوياً، بل كأمانة مرتبطة بنظام أسمى ومحملة بمسؤولية خاصة.   واللقب بحد ذاته دال ومعبّر: إنه إمارة المؤمنين. إذن فهي ليست مجرد مسؤولية زمنية بحتة. بل هي مسؤولية تخص جماعة مجتمعة ومحددة بالإيمان.   وهكذا تكون الوظيفة الزمنية موجهة نحو غاية تتجاوزها: العدل، والسلام، وحماية الدين، واستمرارية التبليغ، والحفاظ على الشروط التي تتيح للحياة الروحية أن تزدهر وتنمو.   وأبرز علامة على ذلك هي البيعة. فهي تحمل أبعاداً روحية عميقة، إذ لا تمثل مجرد ولاء سياسي: بل تنشئ رابطة تعود إلى الأصل النبوي، وما وراءه إلى الله عز وجل.   وكما يذكرنا قوله تعالى: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم (الفتح، 10).   ويوضح آية أخرى قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (النساء، 59).   وتتجلى البيعة من ثم كفعل ارتباط ووراثة وتبليغ. فالرابطة التي تقيمها بين الأمير والمؤمنين تندرج في استمرارية تربط الشعب بالسلطان، والسلطان بالإرث النبوي، وفي نهاية المطاف، هذا الأخير بمبدئه الإلهي، وهذا التصور يتيح فهماً أفضل لما يتميز به النموذج المغربي من فرادة وفاعلية: فهو يمنح شكلاً حياً وفاعلاً لاستمرارية الرابطة التي تعبر عنها البيعة وتبلغها.   واضاف : إذ يجتمع فيه بُعدان متكاملان: فمن جهة، وظيفة إمارة المؤمنين، التي تربط السلطة بالأصل النبوي نفسه.   وهذا الرابط مؤكد أيضاً بالنسب الشريف لجلالة الملك. وبذلك تعزز الأسرة الملكية، في مرتبة التبليغ التاريخي والنسب، هذا الرابط بالينبوع النبوي وتظهر دوامه عبر الزمن والأجيال.   ومن جهة أخرى، تضمن المؤسسات التقليدية، عبر العلماء وشيوخ الطرق، النقل الحي للتعليم التقليدي للإسلام في المغرب، وهو يقوم على استمرارية علم يتوارثه الجيل عن الجيل، من شيخ إلى مريد، وفق سلاسل إسناد موثقة

اقرأ المزيد »

هل أنت مستعد للارتقاء بعملك إلى المستوى التالي؟

error: Content is protected !!