
في رحاب المولد النبوي.. الشيخ معاذ القادري يفتح أبواب الذكر والقرآن ويجدد رسالة التصوف الوسطي
د . محمد سعد من بين التجارب التي تترك أثرًا خاصًا في النفس، كانت مشاركتي في فعاليات «مجالس الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار ﷺ» بمدينة مداغ المغربية، تجربة جمعت بين جمال المكان، وروحانية المولد النبوي الشريف، وحلقات الذكر والمديح والصلاة على النبي، وبين مشهد إنساني وثقافي يؤكد أن التصوف، حين يرتبط بالقرآن والأخلاق وخدمة الإنسان، يمكن أن يكون مدرسة حقيقية للسكينة والاعتدال والسلام. وخلال هذه التجربة، كان لافتًا ما يقوم به الشيخ الحاج معاذ القادري بودشيش من جهود في الحفاظ على هذا النهج الروحي، والعمل على ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة للتعرف على المعاني الحقيقية للذكر والتربية الروحية وخدمة المجتمع. فالشيخ معاذ القادري لا ينظر إلى الزاوية باعتبارها مكانًا للذكر فقط، وإنما يسعى إلى أن تكون فضاءً متكاملًا للقرآن الكريم، وتحفيظه، وحلقات العلم والذكر، والتربية على الأخلاق، ومساعدة المحتاجين، وفعل الخير. ومن هنا تبدو أهمية مشروعه في إعادة تقديم الخطاب الصوفي في صورته المعتدلة، بعيدًا عن أي مبالغة أو انغلاق، والتأكيد على أن جوهر التصوف هو المحبة، والتسامح، وحسن الخلق، وخدمة الإنسان، والارتباط بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. وخلال حديثي معه، بدا الشيخ معاذ حريصًا على أن تصل رسالة الزاوية إلى أوسع نطاق، وأن تمتد مجالس الذكر وتحفيظ القرآن والعمل الخيري إلى مختلف المناطق، ليس في المغرب فقط، وإنما إلى عدد من دول العالم، بما يعزز التواصل الروحي والثقافي بين الشعوب. وكان واضحًا أن اهتمامه لا يقتصر على تنظيم المواسم والملتقيات، بل يتجاوز ذلك إلى بناء جيل يجد في القرآن والذكر والأخلاق طريقًا إلى الطمأنينة والاستقرار، ويجعل من الزاوية مساحة مفتوحة لكل من يبحث عن السكينة والمعرفة وفعل الخير. ومن وجهة نظري، فإن ما شاهدته في مداغ يؤكد أن نجاح هذه التجربة يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الشيخ معاذ القادري على الجمع بين الأصالة والتجديد؛ فهو يحافظ على الموروث الروحي للزاوية، وفي الوقت نفسه يفتح أبوابها أمام الحوار والتواصل والانفتاح على العالم. الذكر.. حين يتحول إلى رسالة إنسانية ما بين تلاوة القرآن، وحلقات الذكر، والصلاة على النبي ﷺ، والمديح النبوي، كانت الأجواء في مداغ تحمل رسالة تتجاوز حدود المناسبة الدينية نفسها. فالمشهد لم يكن مجرد احتفال بالمولد النبوي، وإنما كان تعبيرًا عن مفهوم أوسع للروحانية؛ روحانية تدعو إلى السلام والمحبة والتعايش، وتربط العبادة بخدمة الإنسان، وتجعل فعل الخير جزءًا أصيلًا من رسالة الزاوية. وهنا تتجلى قيمة الدور الذي يقوم به الشيخ معاذ القادري، خصوصًا في وقت يحتاج فيه العالم إلى أصوات تدعو إلى الاعتدال، وتواجه خطاب التشدد والانغلاق بالعلم والقرآن والحوار والمحبة. من المغرب إلى العالم إن التوسع في إنشاء الزوايا ومجالس الذكر وتحفيظ القرآن، وفتح أبوابها أمام أبناء المجتمع ومختلف الجنسيات، يمكن أن يمثل جسرًا للتواصل الروحي والثقافي بين المغرب ومحيطه الإفريقي والعربي والدولي. وقد أثبتت «مجالس الأنوار» أن التصوف المغربي يمتلك رصيدًا تاريخيًا وروحيًا يمكن أن يسهم في بناء جسور جديدة بين الشعوب، خصوصًا عندما يقوم على الاعتدال واحترام الآخر وخدمة الإنسان. وفي ختام هذه التجربة، لا يسعني إلا أن أتوجه بخالص التقدير إلى الشيخ الحاج معاذ القادري بودشيش، وإلى رئيس القراء والمشرفين والقائمين على الزاوية، لما يبذلونه من جهود في خدمة القرآن الكريم، وتحفيظه، ورعاية مجالس الذكر، ومساعدة المحتاجين، وترسيخ قيم الخير والمحبة. لقد خرجت من مداغ بانطباع واضح: أن الزاوية حين تفتح أبوابها للقرآن والذكر والعلم والخير، فإنها لا تبني مكانًا للعبادة فحسب، بل تبني إنسانًا أكثر سلامًا واعتدالًا ومحبة. وهذه، في تقديري، هي الرسالة الأجمل التي يمكن أن يحملها التصوف الوسطي إلى المغرب والعالم.









