أم عبدالوهاب
يحاول العقل أن يجادل الروح، ليُثبت أنه صاحب السلطة والحكمة والرزانة والقوة، والمراقبة والقيادة والسيطرة على المواقف المختلفة، وصاحب الرأي السديد، وشاطئ الأمان على جميع المراسي.
هل لأنه صُنِّف في عالم اللغة مذكرًا، والروح مؤنث؟!
وقال تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
إذن، لا يعلم كُنهها إلا خالقها!
هي الحبل السري الذي يربط المشاعر والأحاسيس والعاطفة والحنان والمودة والدفء، فتتسع الدنيا بسعادة وأمل، وتمنحك من ينبوع عطائها، فتروي الظمأ، وتُسكن الألم والوجع، وتشفي السقيم، وتمنح دفئًا كنسمة عطر في عزّ الهجير.
فالأرواح تتلاقى، وتتآلف، وتمتزج، وتترابط، وتنصهر، وتمتد بقوة مغناطيسية تعرف وجهتها التي نشأت لها في الخليقة، وهي في نطفتها الأولى، وتكون بينها لغة تواصل واتصال بما يفوق تواصل التكنولوجيا في العصر الحديث.
ومهما ابتعدت عن بعضها البعض، فإنها تستشعر وتقتفي الأثر الجميل المنسجم، وترسل خصائص الشفافية والنقاء، وتخترق كل الحجب للتواصل، وإن طالت المسافات وتقطعت الاتصالات.
وفي تفسير علم الباراسيكولوجي، أن الخلق العظيم خُلق من أجهزة إرسال واستقبال عالية الدقة للتواصل والارتباط، وقرينًا يستشعر عن بُعد، تحسّ بنبض الآخر، وهي لغة الأرواح.
وحين تتحدث الروح إلى الروح بسرٍّ، تدركها القلوب بلا عناء، بفطرة جاذبية بنبض الأرواح السامية، التي لم يعرف نيوتن أنها قوة الخيال!!
إذا كانت النفس تُعطى بقدر ما تُبذل من حب، فما بالُ روحٍ في حب الله تُبذل، ولا تفنى ولا تنضب؟
واعتبر سواد عون الليل، ووهج بريق الكواكب، وصفاء لُجين القمر، جمالًا للحظات للتعبد والمناجاة، والتعبد والمناسبة، فتتسارع الروح للخلق، فتسري طاقة إيجابية للطاعة، التي تتكون همزة وصل لصلات القلوب، التي تنبض حنينًا وذكريات وأحاسيس وآهات ومشاعر، فتتولد الألفة والمودة والرحمة، ويسري السلام والحب والطمأنينة.
فتظهر الروح مرتدية جلبابها الملائكي الأبيض، وتلاطف العقل بأسمى العبارات، لتخبره أنه لا يمكن أن تكون رجاحة العقل دون حلاوة وسحر وجمال وخفة ودفء الروح، واسترخاء ودفء الروح، التي تمتلك القدرة على القدرة على وتجتمع مع قراءة مكنون جميع طلاسمه.
فيبتسم العقل لسعة أفق وثقافة وقوة وحكمة وجمال الروح، وأنه وصل إلى الحقيقة الكامنة: أنهما جزء لا يتجزأ، بعضهما من بعض.
أخر الصدر.
الروح هي الشراع الذي يوصل إلى مرسى شاطئ أمان العقل.
فكّر بروحك.. واشعر بقلبك.
«إذا التقتْ روحانِ في اللهِ لم يكنْ بينَهما
إلا المحبةُ تُزْدَادُ وتَكْبُرُ
فلا بُعدٌ يُثنيها، ولا بُعْدٌ يَقطعُها
فوصلُ القلوبِ ليسَ يُقاسُ بمقدارِ»
«العقلُ يُديرُ الحياةَ، والروحُ تُعطيها معناها.. فلا حياةَ بلا روحٍ، ولا اتزانَ بلا عقلٍ.»










