الشيخ عبد الصمد التجاني يكتب: اختزال التصوف بين التزييف الأكاديمي والجمود الحرفي

  التصوف الإسلامي بين القراءات المادية والتأويلات الحرفية.. دعوة إلى صون التجربة الروحية وربطها بالشريعة   طرح الشيخ عبد الصمد التجاني، في مقال بعنوان «اختزال التصوف بين التزييف الأكاديمي والجمود الحرفي»، رؤية نقدية للجدل الدائر حول التصوف الإسلامي، مسلطًا الضوء على ما وصفه بأزمة القراءة والتأويل، في ظل اتجاهات تسعى إلى تفسير التجربة الصوفية من منظور مادي أو فلسفي غربي، مقابل قراءات حرفية ترفض بعض المصطلحات والإشارات الصوفية دون مراعاة سياقاتها الروحية والفكرية.   وأوضح التجاني أن الإشكالية الأساسية، من وجهة نظره، تتمثل في اختزال التصوف في أطر تفسيرية لا تستوعب أبعاده التعبدية والروحية، معتبرًا أن فهم هذا التراث يتطلب التمييز بين التجربة الروحية القائمة على المجاهدة والذوق، وبين الدراسة النظرية التي تقتصر على جمع النصوص وتحليلها بمعزل عن سياقاتها.   ابن عربي ووحدة الوجود.. إشكالية التأويل   وتناول المقال قراءات بعض الباحثين لتراث أعلام التصوف، ومن بينهم محيي الدين بن عربي والتلمساني وابن سبعين، مشيرًا إلى ما اعتبره إسقاطًا لمفاهيم فلسفية غربية، مثل فلسفتي باروخ سبينوزا وهيجل، على نصوص صوفية تنتمي إلى سياق معرفي وعقدي مختلف.   وانتقد الكاتب تفسير بعض التعبيرات الصوفية باعتبارها دليلاً على الحلول أو وحدة الذات الإلهية والعالم، مؤكدًا أن هذه القراءات، بحسب طرحه، لا تميز بين التصورات الفلسفية المادية وبين المعاني الروحية التي يقصدها أصحاب التجربة الصوفية.   وفي هذا السياق، شدد التجاني على ضرورة التمييز بين وحدة الشهود والتصورات الفلسفية المختلفة لوحدة الوجود، مع مراعاة السياق الذي وردت فيه المصطلحات الصوفية ومقاصد أصحابها، وعدم إخضاعها لتفسيرات مسبقة تتجاهل خلفياتها العقدية والروحية.   لغة الإشارة الصوفية بين التجربة الروحية والقراءة الحرفية وفي المقابل، انتقد المقال ما وصفه بالجمود الحرفي في التعامل مع المصطلحات الصوفية، موضحًا أن مفاهيم مثل «الفناء» و«المشاهدة» تُستخدم في الكتابات الصوفية ضمن سياقات اصطلاحية وإشارية تستلزم فهم دلالاتها، ولا يصح تفسيرها بمعزل عن مقاصد أصحابها.   واعتبر الكاتب أن الحكم على العبارات الصوفية يقتضي التثبت من سياقاتها، والتمييز بين التعبير عن التجربة الروحية وبين المعاني العقدية التي قد تُنسب إلى قائليها، محذرًا من التسرع في إطلاق أحكام التكفير أو الاتهام بالانحراف استنادًا إلى عبارات محتملة الدلالة.   الشريعة أساس التصوف الصحيح وخلص التجاني إلى أن معالجة الإشكالات المرتبطة بالتصوف تتطلب، وفق رؤيته، مواجهة الممارسات التي تنتسب إليه دون التزام بأصوله، إلى جانب مراجعة القراءات التي يرى أنها تُفرغ التجربة الصوفية من مضمونها الروحي.   وأكد أهمية إعادة وصل التصوف بالشريعة الإسلامية والاحتكام إلى الكتاب والسنة، مشددًا على أن الكشف والذوق الروحي لا ينبغي أن يكونا مبررًا لمخالفة الأحكام الشرعية، وأن صون التصوف يستلزم الجمع بين المعرفة الدينية والتزكية والسلوك.   واختتم المقال بالتأكيد على أن إحياء مقام الإحسان، كما يطرحه الكاتب، يتطلب التعامل مع التصوف باعتباره تجربة تعبدية وأخلاقية متكاملة، لا مجرد بناء فلسفي مجرد أو مجموعة من الطقوس المنفصلة عن مقاصد الدين.   الكلمات المفتاحية: الشيخ عبد الصمد التجاني، التصوف الإسلامي، ابن عربي، وحدة الوجود، وحدة الشهود، الشريعة والتصوف، مقام الإحسان، الفكر الإسلامي، التجربة الصوفية.

جابر بغدادي في احتفالية مولد السيد البدوي: «التصوف ليس انعزالًا عن الواقع.. بل التأثير فيه وعمارة الأوطان»

رندة رفعت شارك الدكتور جابر البغدادي، وكيل المشيخة العامة للطرق الصوفية ببني سويف وعضو اللجنة العلمية العليا بنقابة السادة الأشراف، في احتفالية المشيخة العامة للطرق الصوفية بمولد العارف بالله السيد أحمد البدوي بمدينة طنطا، بحضور الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، ومحافظ الغربية، والدكتور عبد الهادي القصبي، رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية، وفضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف وعضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، وفضيلة الدكتور محمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية.   وخلال الإحتفالية، ألقى الدكتور جابر بغدادي كلمة تناول فيها مكانة الصالحين والأولياء في التراث الإسلامي، ودور التصوف في بناء الوعي الوطني، مؤكدًا أهمية ترسيخ قيم الرحمة والسلام والأخلاق وحب الوطن، ومشددًا على أن التصوف لا يعني الانعزال عن الواقع، بل التأثير فيه والمشاركة في البناء والتنمية وعمارة الأوطان.   جابر البغدادي: لماذا نشوه رموز هذه الأمة؟   استهل الدكتور جابر بغدادي كلمته بالحديث عن مكانة الصالحين في القرآن الكريم، مستشهدًا بقول سيدنا يوسف عليه السلام: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، ثم تطرق إلى ما ورد في سورة مريم، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾.   وقال بغدادي إن القرآن الكريم عرض سير الصالحين، متسائلًا عن سبب الاعتراض على اجتماع العلماء والقامات العلمية ووجهاء الرأي في ذكرى أحد أولياء الأمة ورموزها، مضيفًا: «لماذا نشوه رموز هذه الأمة؟ نحن نريد أجيالًا تخرج فتتعلم الرحمة».   وأكد أن السادة الصوفية يحملون رسالة الرحمة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، وأن دورهم يمتد إلى الدعوة للسلام ونشر الوعي والأخلاق وحب الأوطان وعمارتها، إلى جانب محبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ومودتهم بالاعتدال والمحبة.   قصة أصحاب الكهف ومحبة آل بيت النبي   وتناول بغدادي قصة أصحاب الكهف وما ورد في القرآن الكريم عن كلبهم، مستشهدًا بالآيات التي ذكرت صحبته لهم، موضحًا أن القصة تحمل معنى يتعلق بصحبة الصالحين والتعلق بهم.   واستشهد بقول الله تعالى: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وقوله: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وقوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، ثم قال: «سعد كلب بصحبة أهل كهف، فكيف يشقى من أحب أهل بيت النبي؟».   كما أكد محبته للعارف بالله السيد أحمد البدوي، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، مشيرًا إلى أهمية دراسة سير الأولياء مع العلماء وأصحاب الرأي والحكمة.   وفي هذا السياق، استشهد بقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، متسائلًا عن أهمية استحضار سير الأولياء من أهل بيت النبوة، كما تناول ما ورد في القرآن الكريم عن كرامات السيدة مريم عليها السلام، وقصة صاحب العلم من الكتاب، وقول الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾.   التصوف والعمل والإنتاج وعمارة الأوطان   وفي حديثه عن مفهوم التصوف، قال الدكتور جابر البغدادي: «التصوف هو التحلي بالحقائق، اليأس مما في أيدي الخلائق، التحلي بكل مليح وترك كل قبيح».   وشدد على أن التصوف لا ينفصل عن الحياة اليومية وقضايا المجتمع، موضحًا: «التصوف هو عمارة الأوطان. التصوف هو البناء، هو الزراعة، هو الصناعة. التصوف ليس الانعزال عن الواقع، بل التأثير في الواقع، فالصوفي ابن وقته وعمارة زمانه».   واستشهد بدعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، موضحًا أن من مقومات الأمن في البلاد أن يكون الناس على عقيدة صحيحة ودين صحيح وأخلاق صحيحة.   دعاء بحفظ مصر وإطفاء نيران الحروب   واختتم الدكتور جابر بغدادي كلمته بالدعاء أن يحفظ الله الوطن والبلاد والعباد، وأن يديم السلام والمسرات على الأمة الإسلامية، وأن يطفئ نيران الحروب في المنطقة ويجمع الصف والشمل.   كما دعا بالتوفيق والحفظ لرئيس الجمهورية، واختتم كلمته بالصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه، والدعاء بأن يجعل الله الحاضرين من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

error: Content is protected !!