الداخلة… من تخوم الصحراء إلى قلب الأطلسي: سردية مغربية تُعيد تشكيل الجغرافيا والتنمية في أفريقيا

الداخلة… من تخوم الصحراء إلى قلب الأطلسي: سردية مغربية تُعيد تشكيل الجغرافيا والتنمية في أفريقيا

الداخلة – رندة رفعت
في مشهد يتجاوز حدود الزيارة التقليدية، حلّ وفد إعلامي يضم نخبة من الصحفيين والإعلاميين من مختلف دول القارة الأفريقية بمدينة الداخلة، تحت رعاية الجمعية الوطنية المغربية للإعلام والناشرين، في مهمة ميدانية هدفت إلى معاينة التحولات العميقة التي تشهدها جهة الداخلة – وادي الذهب، واستكشاف نموذج تنموي مغربي بات يُقدَّم كأحد أكثر التجارب الأفريقية تكاملاً واتساقاً مع متطلبات المستقبل.


لم تكن الداخلة، خلال هذه الزيارة، مجرد محطة إعلامية، بل نقطة التقاء بين الجغرافيا والرؤية، وبين السياسة والتنمية، وبين الصحراء والمحيط الأطلسي.

مدينة تُعاد صياغة دورها بهدوء، وتُبنى مكانتها على أسس استراتيجية تجعلها إحدى أكثر الأقاليم الصاعدة تأثيراً في الفضاء الأفريقي.


في قلب هذا التحول، تبرز الداخلة كوجهة استثنائية لسياحة التجربة، حيث يلتقي الامتداد الصحراوي بالمحيط المفتوح في مشهد نادر. فالمدينة تُعد اليوم من أهم الوجهات العالمية لرياضات ركوب الأمواج والتزلج الشراعي، مستفيدة من رياحها المنتظمة ومياهها الهادئة، ما جعلها قبلة للرياضيين والمحترفين من مختلف أنحاء العالم.


وعلى بُعد خطوات من الشاطئ، تفتح الصحراء فضاءها الواسع لعشّاق المغامرة عبر التزحلق على الرمال، والرحلات الصحراوية، والتخييم البيئي، لتقدّم الداخلة تجربة سياحية متعددة الأبعاد، لا تقوم على الاستهلاك السريع للمكان، بل على التفاعل العميق مع الطبيعة والهوية.


وتُكمّل هذه الصورة الأسواق المحلية التي تعكس روح المدينة وثراءها الثقافي، حيث تتجاور الصناعات التقليدية مع المنتجات البحرية، في مشهد يُجسّد توازن الداخلة بين الأصالة والانفتاح، وبين المحلي والعالمي.


وفي بعد اقتصادي يعكس تنوّع النموذج التنموي، برزت الداخلة خلال الزيارة كنموذج رائد في الزراعة الذكية عالية القيمة، وعلى رأسها زراعة الطماطم الصغيرة (شيري)، التي أصبحت أحد المنتجات الزراعية الموجّهة للتصدير الخارجي.


وتعتمد هذه الزراعة على تقنيات حديثة تتلاءم مع خصوصية المناخ الصحراوي، من ترشيد المياه إلى التحكم في الجودة، حيث يتم تصدير محصول الطماطم الشيري فور قطفه مباشرة إلى الأسواق الخارجية، حفاظاً على نضارته وقيمته الغذائية، ما جعل من الداخلة اسماً حاضراً في سلاسل الإمداد الزراعي السريع، وأسهم في خلق فرص عمل وتعزيز الأمن الغذائي القائم على الابتكار والاستدامة.


ولا يمكن فصل هذا الزخم عن الموقع الجغرافي الفريد للداخلة، إذ يمنحها قربها من الحدود الموريتانية دوراً محورياً كبوابة طبيعية نحو غرب أفريقيا، ونقطة ارتكاز للحركة التجارية والسياحية بين شمال القارة وجنوبها، بما يجعلها فضاءً مفتوحاً للتبادل والاستثمار العابر للحدود.


وفي هذا السياق، التقى الوفد الإعلامي بالسيد الخطاط بنجا، رئيس جهة الداخلة – وادي الذهب، الذي أكد أن ما تشهده الداخلة اليوم هو ثمرة رؤية ملكية استراتيجية أُطلقت سنة 2015، لتنفيذ النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، القائم على التنمية المندمجة، والاستدامة، وربط الإنسان بالمجال.


وأوضح أن الدولة عبّأت استثمارات تناهز 77 مليار درهم شملت مشاريع كبرى في البنية التحتية، والطاقات المتجددة، والسياحة، والصيد البحري، والاقتصاد الأزرق، مشيراً إلى أن نسبة إنجاز المشاريع تجاوزت 80%، فيما تتواصل أشغال ميناء الداخلة الأطلسي بوتيرة متقدمة، باعتباره ركيزة لوجستية محورية في مستقبل الجهة.


وأكد أن الداخلة باتت اليوم:
أكبر قطب وطني للصيد البحري والصناعات المرتبطة به ووجهة عالمية للرياضات البحرية والسياحة البيئية
مركزاً صاعداً للزراعة الذكية الموجّهة للتصدير
رافعة استراتيجية لتحقيق هدف المغرب باستقطاب 30 مليون سائح بحلول 2030
المرأة والشباب… في صميم النموذج التنموي
وفي بعد اجتماعي يعكس نضج التجربة، شدد رئيس الجهة على أن المرأة تشكّل عنصراً محورياً في معادلة التنمية بالداخلة، سواء في المؤسسات المنتخبة أو الاستثمار، إلى جانب إحداث هيئة جهوية مخصصة للشباب والمرأة، لضمان مشاركتهم الفعلية في صياغة السياسات والبرامج التنموية.

من جانبه، أكد استاذ حازم تقي الله، ممثل الجمعية الوطنية المغربية للإعلام والناشرين، أن هذه الزيارة تُجسّد نموذجاً متقدماً للإعلام الميداني، الذي لا يكتفي بنقل الخبر، بل يُسهم في توثيق التحولات الكبرى وصناعة السرديات الإيجابية عن المغرب وأفريقيا من داخلها.


الداخلة اليوم ليست مجرد مدينة ساحلية على تخوم الصحراء، بل منصة استراتيجية متعددة الأبعاد، تُعيد تعريف العلاقة بين التنمية والجغرافيا، وبين السياسة والاقتصاد، وبين المغرب وعمقه الأفريقي.

مدينة تُكتب قصتها بهدوء، لكنها تتحرك بثقة نحو أدوار كبرى في اقتصاد الغد، حيث تصبح الزراعة، والسياحة، والميناء، والإنسان، فصولاً متكاملة في قصة نجاح أفريقية بامتياز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: