القاهرة – رندة نبيل رفعت
في خطوة مفاجئة تعكس تحولاً دبلوماسيًّا غير مسبوق، أعلنت روسيا والولايات المتحدة عن نتائج اجتماعات فريقي الخبراء بينهما، والتي أسفرت عن اتفاقيات واسعة تتراوح بين ضمان أمن الملاحة في البحر الأسود، ووقف الضربات على منشآت الطاقة، إلى إزالة العقبات أمام الصادرات الزراعية الروسية، في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمات المتشابكة على الساحة الدولية.
مبادرة البحر الأسود: درع لحماية السفن وإنقاذ الغذاء
أبرز ما في الاتفاق هو إطلاق “مبادرة البحر الأسود” المشتركة، التي تستهدف ضمان سلامة الملاحة التجارية في المنطقة، ومنع استخدام السفن المدنية في النزاعات العسكرية، مع إخضاعها لآليات تفتيش صارمة. يأتي ذلك في إطار اتفاق مُوَّقع بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي جو بايدن، لاحتواء تصاعد التوترات التي هددت أمن الممرات البحرية الحيوية.
ووعدت الولايات المتحدة بدعم عودة الصادرات الروسية من الحبوب والأسمدة إلى الأسواق العالمية، عبر إزالة العقبات التي تعترض عمليات الشحن والتأمين والتمويل، بما في ذلك:
- إعادة ربط بنك روسيلخوزبانك (الذراع المالي للقطاع الزراعي الروسي) بنظام “سويفت” الدولي.
- فتح حسابات مراسلة للبنوك الروسية المتورطة في تجارة الغذاء.
- رفع القيود عن شركات التأمين والشحن والسفن الحاملة للعلم الروسي.
- تسهيل وصول المعدات الزراعية والسلع المرتبطة بالإنتاج الغذائي إلى روسيا.
هدنة 30 يومًا: وقف ضربات الطاقة وخطوة نحو هدنة أوسع
في بند استثنائي، اتفق الجانبان على وقف الضربات على منشآت الطاقة في كل من روسيا وأوكرانيا لمدة 30 يومًا تبدأ في 18 مارس 2025، مع إمكانية تمديد الهدنة أو إنهائها في حال انتهاك أي طرف للاتفاق. يُنظر إلى هذه الخطوة كـ”جسر ثقة” لبناء حوار أوسع، خاصة مع تأكيد الطرفين ترحيبهما بجهود الدول الثالثة لتعزيز الاستقرار في مجالي الطاقة والملاحة.
لماذا هذا الاتفاق الآن؟
- الأزمة الغذائية العالمية: مع تضرر إمدادات الحبوب بسبب الحرب، يسعى الاتفاق لتفادي موجة جوع جديدة، عبر ضخ الصادرات الروسية (التي تُعد مصدرًا لـ20% من الأسمدة العالمية) إلى الأسواق.
- تخفيف حدة التصعيد: يُعتبر وقف ضربات الطاقة إشارة لتهدئة الحرب في أوكرانيا، بعد تدمير عشرات المحطات الكهربائية مؤخرًا.
- مصالح اقتصادية مشتركة: رغم العقوبات، تدرك واشنطن أن عزل روسيا كليًّا يضر بالاقتصاد العالمي، خاصة مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بنسبة 300% منذ بداية الأزمة.
يرى محللون أن الاتفاق، رغم أهميته، يواجه تحديات جذرية، منها استمرار العقوبات الغربية على قطاعات روسية حيوية، ورفض كييف الاعتراف بأي تفاهمات لا تشملها. لكنَّ آخرين يعتبرون أن توقيته – قبل أشهر من الانتخابات الأمريكية – قد يُعزز فرص تحويله لاتفاق دائم، إذا نجح في اختبار الثقة خلال الـ30 يومًا.
باتت الكرة الآن في ملعب الآليات التنفيذية، فالاتفاق – الذي وُصف بـ”الخيط الذهبي” – قد ينقطع إذا فشلت واشنطن في إقناع حلفائها الأوروبيين برفع القيود عن البنوك الروسية، أو إذا استخدمت موسكو الصادرات الغذائية كورقة ضغط سياسي. لكن يبقى الأهم أن هذا الاتفاق هو الأول من نوعه منذ سنوات، الذي يجمع أعداء أمس على طاولة واحدة لإنقاذ ملايين الأرواح من شبح المجاعة.